الحوار المتمدن - موبايل



نقد العقل الديني -4-

إبراهيم الوراق

2018 / 4 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


نقد العقل الديني
-4-
يتبع
وهكذا، يكون إدعاء سحر المطلق، وما يجوز له أن يفعله من مستحيلات في حياة البشرية، هو السبب المفجر لكثير من الأزمات الحادثة بين الشعوب التي قتِّلت بسيف الآلهة، وهدمت قلاعها بمجانيق القديسين، وبددت أراضيها ببنادق المجاهدين؛ وكان من حقها أن تشعر بأنها ما خلقت إلا لرص خطة الحياة الفاعلة بالفضيلة، وما وجدت إلا لخدمة ما تعارض فيها من رغبات بين ما هو نافع، وما هو ضار. لكن ذلك لم يتم في جل الصراعات التي خلعت عقيدة، أو دينا، أو مذهبا، أو توجها إيديولوجيا موسوما بالمجردات المتعالية، لكي تبني على حطام أشلائه أملا جديدا للإنسان، يقوده إلى مشاتل فرحه، ويسوقه إلى واحات سعادته، إذ لم يكن ذلك إلا عيدا انقضت خمرة يومه الباذخ بالأعراس الماجنة، فإذا به يميت حلمه، ويذيب بهجته، ويدني ذلته، لأن فيما يأتي من زمن بعد ساعة الانتصار، يبتدئ هاجس الخوف، ولاعج الألم، ثم تنشأ من صداع الذوات أحزان، ومن صراع اللذات أدران، قد تحتاج في طي شؤمها إلى حروب أخرى، ترفع راية النصرة للإله، والدفاع عن الإنسان، ثم تنفجر بين دروب الديار براكين الدماء، تسقى حواس الأبناء مرارة الخوف، وغصة الضياع، وكأنها ما وجدت على كوكبها إلا لرؤية بريق السيوف، وسماع زمجرة البنادق، وإدراك ما في المطالع من لؤم، وضيق، وحيرة. تلك هي تواريخ الحروب الذي استوى فيها المحارِب، والمحارَب، والقاتل، والمقتول، إذ كلاهما لم يجد في جعبته إلا ما يزقه في حلوق البائسين من دعاوى الخلاص، ووساوس الفداء، وهي سر في القيد الذي التوى على الرقاب، والتف على الأقدام، ولغز في اندفاع الإنسان المتعب بآلام عنائه إلى حتفه، وانجراره إلى هلاكه، وانحصاره في رغبة القوي الذي يضمر معرة إضعافه، ليكون عجزه عن حماية ذاته سببا في التفافه حول الجماعة، لأن ما تكرر في التاريخ البشري، وتردد صداه بين الربوع المنكوبة بطيش زراع الفتنة، والدمار، لم يثبت العدالة المطلقة لمنتصر، ولا لمنهزم، ولم يرسخ الحرية المجردة لقوي، ولا لضعيف، إذ كل واحد منهما كان محلقا في الفضاء بجناح الإله الطالب لصون الكون من العصيان، وحين سقط القناع، وزالت البراقع، ووثقت اليد من قبضتها على العنق المهزوم، صار الملاك الرحيم شيطانا رجيما، وإبليسا لعينا، لأن الصراع الديني، ومهما كان ناشئا من طين العقيدة، وصلصال البحث عن الحقيقة، لم تؤكد صيرورته التي تؤرخ لمقدماته، ونتائجه، إلا وجود خلفيات فكرية أخرى، تندفع بذاتها إلى الأمام المستعصي على الأمان، لكي تعلن بأنها الحق الذي لا يصادر بند، ولا يظاهر بضد، إذ لا يمكن لنا أن ننفي في صراع القوى ما يستظهره كل قوي من قاعه، ويستخرجه من جوفه؛ وهو قيمة الخير، والشر، ومعنى الحسن، والقبح، ومدارهما في التصور، والتفكر، ومجالهما في التعبير، والتدبير، لأنهما حتميان في كل نزاع، وضروريان في كل ما يرهق الذات، ويربكها سيرها، ويصيرها قابلة لأن تخالف مقتضى عقيدتها، ولازم دينها، لكي تنسج حيل المكائد، والمصائد، فترى العدو بعين الكراهية، وتشهد أملها في تخريب ما بناه السابق بالسيادة، لعلها أن تشعر بأنها القادرة على كسب ما يرغب فيه اللاحق بالسياسة، إذ الحرب خدعة، وكل خدعة لا يمكن لها أن تنتسب إلى مطلق الإله الذي هو خير في ذاته، بل هي من وحي الشيطان، ومن خزيه، ومن ألاعيب سلوكه الذي يوجه به الأشرار إلى فجور الاستحواذ على الأكوان بالاستقواء، والاستعلاء.
وحقا، لم تكن هذه الأزمات إلا نتيجة حتمية لما يدبر كيانها من تفاعلات متناقضة بين ما هو حلم طوباوي، تنشأ عنه صورة تلك المعاني في الخارج الذهني، وتتولد منه مصاديق الوقائع المتراكمة مع التجربة البشرية بسبب مقاومة تأججت نيرانها بين الظاهر، والباطن، ومجابهةٍ امتدت بين الطوائف الدينية سنين طويلة، ومقارعةٍ اجتازت مراحل كثيرة في التقعيد، والتأصيل، والتفريع، وانتهت بامتزاج المقدس بالمدنس، أو الديني بالسياسي، وانسجامهما في بؤرة تضمن وحدة المشترك المتآلف عليه تنصيصا، واستدلالا، واستئثار الأخير منهما بالحضور الفعلي الملازم لآليات التسيير، وأدوات التدبير، والمصاحبِ للقدرة على الامتلاك، والاستيلاء، إذ يعتبر القوة النافذة في تطبيق رسوم العقيدة، وعلوم الشريعة، واليد المطيقة لأن تفل حد الشرور، وشرة الفتن، وتقمع سطوة المعتدين، وغلمة المتربصين، لأن تطبيقات الدين، والتزاماته التي أفضت إليها التجربة في مسار التاريخ المتراكم من عراك الإنسان مع ما يستجنه الغيب من قوى خفية، وما يضمره الحدث الخارق من تفسيرات ميتافيزيقية، يعتقد أن لها تأثيرا في ماهية كل الحقائق المادية، والروحية، تحتاج إلى سلطة حاملة لحقيقتها، وحامية لطبيعتها، وناقلة لمعناها، وحارسة لمبناها، إذ استمرار ذلك المعنى الإلهي في الكون، وبقاءُه مطلقا في قضاياه المتجاوزة للمنطق، وقواعده في التفكير، ولا يعتريه النقص، ولا يشوبه النقض، هو الذي يضمن صيرورة كثير من الحقائق المؤسسة لمفاهيم الاجتماع البشري، ورغباته في دوام الكينونة، وحماية الهوية، والحفاظ على حالاتها الاجتماعية، لأنه لا يمكن أن نفصل في بدايات تأسيس ماهية المجتمع بين هذا المعطى الذي يرسم لنا مثال تلك الحقيقة في الزمان، والمكان، وما يتصل بها من طبائع الأشياء المتناقضة النتائج بين عالم الإنسان، وعالم الملائكة، وبين ما تفجر عنها من معان جديدة، ومفاهيم حديثة، كانت سببا في تأسيس ما نعنيه نهاية بالدولة، وحاجياتها الذاتية، ورغباتها الطبعية، إذ فصل ما آلت إليه وضعيات ذلك عن تاريخه، واجتثاث بذرته، واستئصال شجرته، لن يفسر لنا تفاصيل كثير من الحلقات التي امتدت عبر الزمن الطويل، وتطورت من نمط إلى نمط أرقى منه، ومن سياق إلى سياق أرفع عليه، يكون القديم فيه متجاوزا بعاداته الكاسدة، وتقاليده البالية، والحديث فيه مرغوبا بحالاته الشعورية، وما انطوت عليه من تصورات، وقناعات، يتوقف عليها رسم خطة المسير، ومآل المصير. ولذا، فإن استيعاب ذلك، وإدراك ما فيه من تجارب متماسكة، واعتبارات متكاثرة، يهبنا القدرة على تحليل ما هو إلهي، وتفسير ما هو بشري، لأنهما وإن اتفقا في عصر من العصور على اختيارات معينة، لها اتصال مباشر بما يموج فيه من اندفاع، واستطلاع، فإن ذلك لا يدل إلا على حلقة شاردة في الزمن المتناسل الأبعاد، التبس فيها ما هو إلزام ديني بما هو التزام أخلاقي، ثم استحالا عنصرا واحدا في التماسك الاجتماعي، يتحقق به الإجماع على القصد المشترك، والغاية المسيطرة لاشعوريا على الوعي الذاتي، وهو ما يكسبه كل واحد من المصلحة المتواطئة على حد من الحدود في الأنصبة، والحظوظ.
ومن هنا، فإن بقاء تلك العلاقة المرتبطة بعالم السماء في عملية الاجتماع البشري، والحفاظ على ما يترتب عنها من تفاعلات على مستوى الأفراد، والجماعات، هو الوجه الثاني المعبر عن الإيديولوجية التي تفرض ناموسها على المجتمع لدافع من الدوافع الكاسبة للجرم المكاني، والحيز الزماني، والضامنة للاستقلال الذاتي، والسيادة بين الشعوب، والهيبة بين الأمم، إذ ذلك ما يمنحها مظهرا بارزا في الحقيقة المرئية، وملمحا كاشفا لها بين الموجودات المتفاعلة في مصالحها الضرورية، لأن بناء سياق خاص بالتجربة الأكثر استعدادا للقاء مع التاريخ، والإنسان، ولها فعالية في الواقع البشري، يفرض وجود ناموس تنتظم به الكليات الجامعة لمعنى الكيان المادي؛ وسواء كان ذلك مرتهنا بجهوزيته الذاتية، أو بصلوحيته للتقابل مع الآخر المواجه له في الرغبة، والغاية، إذ ذلك مما يؤسس لهوية موحدة في المنطق، والإرادة، تضمن معنى الاستقلال في الشكل الخارجي، والانفعال في بؤرة تحددها أنماط معينة في العقيدة الدينية، والأخلاق الاجتماعية، والتجارب السياسية. وذلك ما يقتضي أن تختارها طواعية، أو أن تلتزمها بعنف الرغبة المزدوجة الملامح، لما تضيفه إلى النسق من مهابة، ومكانة، لاسيما إذا ارتبط به حق الوجود في السياق العام، واتصل به ما يحدد قيمة مفاهيم البقاء، أو الفناء، ويقيد حرية الإنسان في كسب مرام غرائزه، ونزواته، وانتقاء أنماط علاقاته التي تصله بذاته، أو بغيره.
وذلك ما يستوجب أن تسخر في قصدية هذه الرغبة كل الوسائل الضامنة لجوهرها الذاتي، وأن تعبد في سبلها كل الطرق المؤدية إلى كشف حقيقتها المنفعلة مع غيرها، وإخراجها إلى العالم المرئي، والمشاهد؛ وهي كل ما يمكن أن يكون سببا للاستبداد بالميزة الذاتية، أو المنزلة التاريخية، أو المرتبة الاجتماعية، وسواء أعرب على ذلك ما تظهره من صرامة في تطبيق رسوم الدين، ونظرته في الملكوت الإلهي، أو ما تخفيه من ترهيب في إخضاع المجتمع لنمط يحدد جنس الذائقة الأدبية، ونوع الحاسة الأخلاقية، وهو الناطق بلازمه عن قضية الانتماء إلى مساحة مجردة على بساط الأرض، والبارز بلاحقه فياي تنبني عليه قصة الانتساب إلى فكرة معينة، يتشكل بها الملمح العام عبر صراع التاريخ، والإنسان، أو أفصح عنه ما أنتجه الفقهاء من تأثيل للفروع التي ترسخ حدود هذه المبادئ في الصورة الذهنية، وتوطد لحركية هذه المفاهيم في حيزي الزمان، والمكان، على اعتبارها مثالا للحقيقة المجسدة للنيابة عن الإله في كون الإنسان، والمعنى الذي تقوم به جواهر الأشياء في لوحة الوجود المتحدث بلا نهاية، لأنها لم تقم في عملية الانتساب إلى دائرة معينة بين مكونات المجتمع المترابط بقيم تتوافر بها الحاجيات، والكماليات، إلا بدور الوسيط الذي يصل بين العوالم البشرية، والأكوان الإنسانية، إذ لا يمكن لذلك التواؤم بين القصدين المتنافرين الأعراض، والمتعارضين الأغراض، أن يحدث في محددات كل واحد منهما، ويلتزما بصيرورة معينة في التحكم، تتحدد بالتفريق بين ما هو مستوجب للظهور من قناعات الداخل، وبين ما هو مستلزم للاختباء في دلالات الخارج، ما لم يكن وجه الفعل متحدا على مساحة معينة في التقدير لحقائق الخفاء، والجلاء، لأن ذلك، هو الذي يشابك بين الإرادات المتفاعلة، وفي الوقت يفصل بينها بلا تصادم النيات، والاختيارات.
ولهذا، فإن ما حدث من فرق بين السلطة الروحية، والمادية، وما انعكس من ذلك على مرآة الروابط المحركة لكل مكونات الكيان الكلي، وما لازم ذلك من اختلاف في حدود المعاني الموجهة للصراع بين معايير الحقائق التي يندفع إليها اللاشعور الباطني، والوعي الخارجي، ومقاييسِ الرغبات التي تتأسس عليها القواعد الأخلاقية، والضوابط الاجتماعية، لاسيما بعد بروز خِطط عديدة في كيان الدولة، واختيار ما يناسبها من وسائل تستخدم في كسب الحماية للذات، والرعاية لطبيعتها اللابسة لثوب شهواتها المكبوتة في الأعماق، والأذواق؛ ولو دانت بالمطلق بطرق دقيقة، وغالت في طمس بشرية الإنسان لطهرانية مزعومة، تكون هي الإشارة الأولى المعبرة عن مضمون الرسالة، ومحتواها المطلوب قصدُ تمكينه، وترسيخه، إذ بعد ظهورِ مظاهر ملتبسة بما انطوى عليه وازع الصراع بين المنطلقات والنتائج في القيم النفسية، والسلوكية، تكاد تتسم في جدة خطابها بعلمانية تفصل بين الحدود المنطقية التي تنضبط بها قواعد الممارسة الدينية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، ولو لم يكن ذلك الانفصال الذي يفصح عن تباين صورة الدين البرانية مع معانيها الجوانية مُبَيِّنا لما يعانيه العقل من ألم الاختيار لأحد النسقين؛ وهما سيان في وفرة المكسب المحصل عليه، وغزارة ما يلتبس به من وسائل الدعة، والرفاه، لأنها ولجت تحت تأثير المستحدث أو المبتدع عوالم التخصص المقيد لفاعلية الجماعة، وحريتها في إتمام ما اهتدى إليه كل فرد من وظيفة تغذي حلم البقاء، وتنمي أساليب الرفض لما هو مخالف لقانون الاستقرار، ووظيفة الاستمرار، وإن كانت الغاية من قيام دوره، وكسب نتاجه، هو تحسين وضع الحياة الإنسانية، وتلطيف ما فيها من أجواء تنفث سموم الأنانية، وأصلال الاستعلاء، لأنها الغاية التي ينشدها الكائن العاقل من هذا اللقاء الحاصل بينه وبين ذاته، وبينه وبين ما يحيط به من عوالم غامضة، يسلتزم القبضُ عليها كل ما يُبذل في سبيلها من جهد مضن، وكد مقلق، وسواء ألبسه الجهد ثوبا لائقا بعرس سمائه، أو مرغه بين وحل عقله المحترق بتسارع نزواته في الاستيلاء على ما يشفي أورام إحساسه بالعجز، والنقص، إذ التعبير الأوحد الذي ناجتنا به قوى الخفاء، وخاطبتنا به في رسومها المعلنة، والصريحة، هو ما نشعر به من يقين في أن ما نطيق أن نكسبه بسهولة، لا نعود فيه إلا إلى طريقة وصولنا إليه، وبلوغنا إلى ما فيه من مكنون الأسرار؛ وهي كل الوسائل المتعقلة بالوجوديات المادية، والموجودات المتعارضة في الصيرورة المقبولة، وما لا نمتلك القدرة على حيازته، والإحاطة به، فيبقى في طي الرغبة المنتظرة لحدوث خلل ما في الناموس الذي يربط بين الأشياء بلا اختيار منا، فيصير الممنوع وجودُه ملموسا في جسه، أو في اللذة التي تظهر فيما يضيفه من بهجة إلى الوجه، وبسمة على الفم، ومسرة في القلب، وانشراح بين طيات الذات، لأن تأكيد هذه القناعة، هو من وحي العقل الذي يميز بين ما هو مقدور عليه، وبين ما ليس محمولا لطاقة الإنسان، ويُكتفَى فيه بالمقاومة لما خفي بين خبيئة غوره، أو بالتفويض للعجز عن إدراك ما فيه من حقيقة خفية. وهذا ما يمنح كل واحد في صراع الإرادات استقلالية تضمن تداخل التخصصات في وحدة الكيان الجمعي، وتقابلها في عالم نسبي، يستهدف غايةً في الاستقرار على نمط معين من الحياة الناعمة، والاستمرار على إيديولوجية حامية للكيان، وحارسة له من التفكك، والانهيار، وهو مسمى الدولة بكل معايير الاجتماع القائم فيها وضعُه بالتسامح، أو طبعه بالعنف، وهي بكل مقاييس الاستحقاق لماهويتها المجردة، تشتمل على الأنماط الإنسانية المواجهة لما يجود به ناموس الكون، ويدخره قانون طبائع عناصره المنطوية على خيراته، وبركاته، إذ لا يمكن لأحد أن يدعي أنه الوحدة التي نشأت منها هذه الكثرة في الاعتبارات العقلية، أو الجنس الذي تفرعت منه الأنواع في الطبيعة الإنسانية، ولا أن يرى ذاته المثال القادر على فعل كل شيء يستوجبه الاجتماع على رقعة معينة، ويتطلبه رغب الفرد في كل ما ينجز سعادته بين أمداء الوجود، ومدار الحياة.
ولذا، لا قدرة لرجل الدين مع تطور هذه الترتيبات التي احتوت على كبد الإنسان في صياغة المثال الأعلى للحياة الفضلى، وانطوت على سر المعاناة في حصر المكاسب التي تبنى بها أسس الماهية المثلى، على اتخاذ ما يتنافى مع وضعه الاعتباري في سلم الطبقات التي يتشكل منها الكيان مهنة، أو حرفة، أو وظيفة، أو شغلا، أو فعلا خارجا عن دائرة الطهارة المحددة بأوضاع معينة، والمقيدة بعادات مغروزة في العقل الباطني، وموضوعة للإدراك الخارجي، لكي يكون رأيه فيها هو الأنجع، وقراره هو الأنفع، لأنها تخرج عن حيز تخصصه، وتعلقات دوره في المراتب الاجتماعية، إذ هي علاقات منتظمة مع سياق لا يُكسبه القوة على تحديد قصديتها المتآلف عليها بين رغبات تستبطن المصلحة في تفاعلها، وانفعالها، إلا في حدود العناوين الكبرى التي تعرب عنها الكليات المؤسسة لماهية الهوية الجماعية المشتركة، وتفصح عنها الخيارات الدينية، والاختيارات الثقافية، وتوضحها كل الممارسات التي تنجلي في السلوك الخاص، والعام، إذ ما انطوى عليه التخصص من قيود، وما اتصل به من حدود، قد وضع مدارا لكل سلطة، وشروطا لازمة لامتهانها، وظروفا خاصة بمزاولتها، ومهما اصطبغت بالدين، أو بما تعارف عليه المجتمع من تقاليد، وأعراف منظورة بعين التقديس، لأنها اعتبار كلي في الصياغة العقلية، ورافد معنوي لكل القضايا المشكلة للوجود على رقعة جغرافية، لها خصوصياتها العرقية، واللغوية، والثقافية، إذ مقتضى التخصص، هو الذي يسوع آلية المراقبة، والمحاسبة، لأنهما لا تنشآن إلا على الحدود المقبولة صياغة، ودلالة.
ومن هنا، صار الفصل بين المراتب ضابطا يحدد نوعية الصلات الاجتماعية، وما ينشأ عنها من استجابة في صراع المثل بين الخاصة، والعامة، إذ يميز كل فئة مجموعةٌ من القيم التي تثبت الوجود الفعلي داخل هرم المجتمع، وترسخ لمفهوم أخلاق الرعاية، وما تقتضيه من نظريات تلبي حاجيات الأفراد والجماعات في منجزات الحرية، والعدالة، والمساواة، لأن تمام الانتماء إلى المشترك المحدود بتحقيق قضايا ائتلافية في صوغ كنه للمادة، ومدار للروح، هو الذي يفرق بين دور رجل الدين، والسياسي، والمثقف، وغيرهم من الحرفيين الذين تتوقف على جهدهم العضلي ضروريات المجتمع، ويرسم لكل واحد شخصيته المجردة في التنظيمات المتآزرة على المشتركات العامة، إذ كون كل واحد له خصوصيته المميزة له عن غيره، قد أدى إلى الفصل بين المجالات التي تؤسس لكلية الدولة، وماهيتها الهوياتية. لكن، تناسى الفقهاء ذلك الدور الأول في التقويم لفعل السياسة، والتسديد لمسارات العلاقات الاجتماعية، والروابط الثقافية، والصلات الأخلاقية التي تجمع بين طبقات المجتمع، وانحاز في النهاية إلى تسويغ الممارسات المخالفة لمقتضى العهد الذي تواطأت عليه المؤسستان (الروحية، والمادية) بعد حروب شرسة، وانجر إلى التفاعل مع ما هو موجود واقعا، ولو لم يكن له سند في التجربة الأولى، لكونه يحمل في عمقه إغراء، أو إطراء، يقود إلى تأسيس مناطات أخرى في التعامل مع النص، ومع المكلف به على جهة الإلزام، والتنصيص، يتحقق بها ما يسوغ مظاهر الجدة التي تقتضي السعة والمرونة فيما هو مندرج بين مساحة الفراغ، أو العفو، ويحدد منطقة الاجتهاد في تحصيل الحكم الشرعي، وتحقيق مناط علته الخفية، والجلية.
وذلك ما أحدث الفجوة بين رجل الدين، وبين ما يتكون به هرم المجتمع من صلات، وصفات، وإن أبان ذلك عن عدم امتزاج الأمرين في بؤرة رجل السياسة، لكونه لم يحتج في كثير من مواقفه إلا إلى عنصر القوة الفاعلة، وهي المالكة لكل مسارب الرأي، والقرار، إذ كل واحد منهما، لم يقم في تاريخ البشرية إلا بصوت المظلومين، والمحرومين، والمنكوبين، ولم يكن له سوط الإنكار إلا بسطوة الحشد الملتف حول دائرته، والمجتمع على رغبات محدودة في الأهداف، والوسائل، والغايات؛ وهم كل البائسين الذين تجمهروا حول دعوات التحرر، والتحرير، فكانوا قوة فاتكة في تاريخ الإنسانية، و كلمة مزلزلة للقلاع المشيدة بدماء البرءاء، والشهداء. ولذا، لا نكاد نجد دعوة تقوم بوظيفتها في المجتمع البشري، وتتغيى وفرة الجماهير، ما لم تتبن هذه الغاية الموجهة لمصير الإنسان، ومسيره بين مشاعب الحياة المتعددة، وتتحلى بتلك الرغبة التي تؤسس لقيم مصارعة غيرها على حصة الوجود، والفضيلة، والسعادة، لأنها بمقدار ما تتكاثر أعداد أفرادها، وتتعاظم حميتها، وتتفاقم أثرتها، تستطيع أن تكون مؤثرة، وفاعلة في الآخرين، ودافعة بالمجتمع إلى التفكير في المصير الموحد، ومحققة للانتصار على القوى المعادية للحوزة، والكيان.
ومن ثم، لا يمكن الاستغناء عن هذه العلاقة الجدلية بين صورة الفكر، ومادته المرتبطة بحواضن أخرى في التأليف الاجتماعي، تتفق لزمن معين، وقد تتنافر لمنافع مكتسبة، ومضار مستبعدة، لأنها تقيم حبل الوسط بين تطرفين متحركين بآلية التدافع، وهو القادر على أن يحدث تغييرا في بنية الأشياء، وطبائعها المختلفة. وقد ينتج مع الزمن يمينا، أو يسارا، وذلك على اختلاف الدور بين حرص المتغلب على مركز القرار، ورغبة الباحث عنه، إذ حد الوسط الذي ينظم الحقائق المتناقضة، هو الذي يحكم ولادة التطرف، ونشأته، ويقضي عليه بإحدى الوجوه الموجهة له صعودا، أو هبوطا، لكي ينجب من عمقه تطرفا آخر، يفرزه السياق المجتمع على عقدة البقاء، فيحتاج في ديناميته إلى وسط آخر، يكون هو المحرك لعجلة رغبات الإنسان، وتطلعاته إلى ذلك الغد المأمول.
وهكذا، لا نكاد نتصور وسطا حقيقيا في عملية الاجتماع على قيمة مشتركة، تكون إفرازا حقيقيا لجدلية الصراع الطبقي، وأساليب تفكيره، ووسائل سلوكه، ما لم نستوعب ناموس اللعبة القائمة بين المطالبين بحق الإنسان في الحرية، أو المدافعين عن مصادقها في النسق العام الذي يقوم به المجتمع البشري، أو في النظام الخاص الذي يبنى به نمط السلطة، إذ لا يمكن أن ندرك وسطا حقيقيا بين ناقضين متلازمين، ما لم نعرف مم نشأ ذلك الوسط المتحرر من نوازع التنطع، والغلو المقيت، وما هي ممهداته التي أخرجته إلى الوجود، وما هو استشراف انتظاره، وكيف يحاول أن يصل إلى بغيته المرجوة بطلب موصول، لأن معرفة ذلك الترابط بين الفكرة، والشخص، وبينه، وبين الغاية، وبين الغاية في الفرد، والغاية في الجماعة، هو الذي يفسر لنا آليا مم يتكون اليمين، واليسار، وكيف يتحقق ظهورهما، وخفوتهما، وصعودهما، وهبوطهما، وكيف يكون قوة، أو ضعفا، إذ ذلك ما يمكن لنا أن نتحقق فيه، لكي نفقه كنه الظاهرة في مكوناتها الفاعلة، وندرك ما فيها من تفاعلات إيجابية، وسلبية، ونعرف ما تؤدي إليه من حقيقة الوجود، أو العدم.
ولذا، لم يستوعب رجال الدين هذه المعادلة الصعبة بين الفعل المنجز للحدث الموجَب، وبينه وبين الفاعل فيه بأثر معين، وبينه وبين الانفعال الذي يكون أثره بالحركة، أو الجمود، فتحولوا مع طول التجربة إلى أحد الطرفين المتنابذين على طرق الفعل، والترك، وهم إما المحافظون على المكتسب الذي نالوا نصيبه في الحظوة الناعمة، وإما المطالبون لحقهم في مبرات المكان، ومسراته العاجلة، إذ كل واحد منهما يجسد خطابا ملتبسا بذات الخطيب، والمخاطب، يتناقض مع الآخر في حججه، وبراهينه، لوجود ثنائية في الأشياء المطلوبة لذاتها، أو المرغوبة لما تدل عليه من قيم في المبنى، أو المعنى، إذ لا وجود لأحدهما إلا ببروز الآخر في موضوعاته، وظهوره كفعل حقيقي محكوم بالغرض، والهدف، وهو سببه في الحياة، وسره في البقاء، لأنه نقيضه الذي يتشكل منه في الحدود المتماسة مع بعضها، والمطاوعة لها بحيادية، واستقلالية. وهذا الخطاب المتصارع بالندية، والمتعاند بالضدية، هو الذي يوضح لنا صيرورة العلاقة القائمة بين المجموعات البشرية، ويجلي لنا ما يكمن خلفها من خلفيات عقدية، وفكرية، ومذهبية، لأن مقتضى التكتل في بؤرة فكر معين، يستوجب شيئا يتم به تحديد الانتماء إلى هوية متميزة بذاتها، ولها مركزيتها في إنشاء المصائر المشتركة، وسواء كان ذلك الناظم دينا له رؤية إلى كل رغبة في الإنسان، والطبيعة، والكون، أو كان ثقافة تتراكم من معاني اللغة، أو العرق، أو الجغرافيا، أو كان حكاية تنتهي إلى رمز من الرموز التي تدل على كيان له جرم وحيز في الزمان، والمكان، إذ ذلك، هو الذي يجعل الذات كيانا حقيقيا، ويصيرها قابلة للامتداد، أو التلاشي.
وهكذا، فإن محددات الحقيقة في نشوء التكتلات، وبناء التشكلات، لا تنتسب إلى حقيقة واحدة، ومتفردة، تكون هي الدين وحده، وكفى، وما بعدها يكون ثانويا في الحصر، والتقدير، إذ لا يحق أن يسمى مراحُ قوم محلا للاجتماع حول قيمة معينة، ما لم يكن الإنسان حاضرا في مطلوبه بكل ما بين دهاليز عمقه من خير، وشر، وصلاح، وفساد، لأن ذلك، هو ما يركب جوهره المتسم بروابطه المنسوجة من وظائفه العلمية، والعملية، ويمنحه صورة لها حدود في عالم الموجودات المتقاربة الملامح، أو المتنافرة المطالع، ويجعله قادرا على استغلال أرض من الأراضي الذي يأنس بالسكن عليها، والعيش بين أمدائها، وظاهرا في استعمال كل قواه للمحافظة على حوزته، والالتزام بكل ما يجعلها قائمة، وممتدة في الوجود، ومستمرة في الشهود، إذ هو بدون أن يشعر بهذا الشعور الممتلئ بالسرور، والحبور، والمتناقض في نياته، ورغباته، لا يمكن له أن يغدو قوة مهابة، ترهبها الأقوام الأخرى، وتخشى من جبروتها، وقهرها. ولذا، لا يحق لنا أن نقيس ظاهرة الاجتماع بما يقع في الغابات من تطاحن حول القوة المجردة، وتحاربٍ حول مرتبة الأقوى الذي يطيق بشدة افتراسه أن يكون حاضرا بلا غياب، وقابضا على الزمام بلا منازع، لأن انتقال الصورة من ذهن البداوة إلى عقل المدنية، قد شذبها بشيء من التهذيب، وصاغها في قالب إنساني لطيف، يسوغ التآلف على حقيقة واحدة، لا تتأثر بالنزعات الأصيلة في الكائن العاقل، ولا تتغير بالظروف الاجتماعية الممكنة، على اعتبارها ضرورة في تجسد الماهية، وما يلتزم بها من هوية، إذ هي في سابق عهدها، لم تختر الاستقرار وجهةً لنشدتها، ولا غاية لكبدها، بل كانت تبحث عن الكلأ والعشب بلا ارتباط بالأرض، ولا التصاق بالمكان الذي تتقرى عليه القرية، وتستوطنها بأمل البناء، والنماء. ولكنها في طورها الثاني، لم تطلب القرار فقط، بل طالبت المكان بالامتداد في الزمان، لكي يكون لها تاريخ، وحضارة، تحقق سعادتها في حيز تختاره، وتقيم عليه مواسمها، وأعيادها، وأعراسها، وأقراحها، ومآتمها. وهذا ما جعلها تحارب المستحيل من أجل أن تبقى لها صولتها المقاومة لشراسة الطبيعة، وقساوةِ أحداثها الفاتكة، والمواجهةُ لكل طارئ تخاف عواقبه، وتهاب مآلاته، إذ لا يجوز لها أن تعيش الأمن في محل يغشاه الخوف، ولا أن تحيى بما تتصوره من قوة على الكسب المطلق، وهي ترى كيف تربك الأقدار غايات الأفعال في عالم الحس، والمعنى.
وإذا كان الصراع نتيجة جدلية لوجود وسط يمكن له أن يكون بديلا عن الطرفين عند زوالهما في عملية البقاء للأصلح، وتولَُد التيارين من تأويل الرغبات المتفقة على حد من الحدود المتفقة، فإن ما مر معنا من تجارب بشرية، كانت محط نظر في التاريخ الإنساني، قد أدت إلى إفراز صيرورة مشتركة بين رجال الدين، والسلطة، على اعتبار تلك العلاقة وسيطا يحكم على صولة الإنسان الذي ينشد طلباته في حياته، ويطلبها مما هو في طاقة الإمكان، ودارة الممكن، لأن رجال الدين، قد غدوا مع طول التجربة في لعبة السياسة يمينا، أو يسارا، فأحيانا يوالون هذا الطرف، وأحيانا يتبرؤون منه، وأحيانا يترنحون بينهما بحثا عن الضالة المفقودة، أو عن اللحظة الهاربة، لأن ما يتوالى مع طول التجربة من أحداث متصارعة، هو الذي يسوغ تناقض الآراء من فترة إلى فترة، والنزول عن الرأي القديم للرأي الجديد، إذ المصلحة تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، وإذا اختلفت أسبابها، واختفت عللها، تنوعت وسائل التفسير لها، وتعددت مظاهر التعامل معها، لاسيما إذا كان سلم الوصول إليها، يحتاج إلى مطلقات غيبية، تسهل الطريق، وتوضح الغاية، لأن محصلات الصراع الذي دار زمنا مع المكلفين بتنظيم الحياة بمحددات القهر، والقوة، لم تنتج في نهاية دمويتها إلا تآلفا معينا على مصلحة مشتركة؛ وهي رعاية العقيدة، وحمايتها من شوائب التحريف، وعيوب التزييف, وصيانة الشريعة من بدع المضلين، وأهواء المبطلين. ولا غرابة إذا توسعت في إدراج كثير من القضايا الحياتية في مسماها، لكي تفسر ما يموج به الواقع من أحداث بذلك النظر الفوقي؛ وهو نسبة كل شيء إلى الإله أصالة، إذا كان خيرا، وإلى الإنسان، إذا كان شرا، لأن تأويل كل ما يقع في التجربة البشرية بمقتضى السبب المباشر، قد يهدم كثيرا من القناعات التي يتأسس عليها الكيان المادي،ويقوم عليها رابط العقد الجامع للفعل الجماعي في المجتمع البشري، إذ القول بذلك، لا يعني سوى أن يتحمل كل فرد مسؤوليته فيما يجره إلى دائرته من مغبة، وعواقب، لأنه نتاج تراكمات نسجها الانحراف عن الطريقة المثلى للحقيقة التي لا تهدى لأحد، ولا تحابي دينا، ولا حضارة.
وهذا التوسع في تقعيد قواعد لهذا التناقض الحادث بين المادي، والروحي، قد أفضى إلى اعتبار كل شيء يجوز له أن يندمج في ناموس الكد البشري، ويندرج في قانون الصراع بين القوى المتحاربة على المواقع الاعتبارية، ليس موقعه عالم الأرض الذي هو محل للَبسه، واختلاله، بل هو مرتبط بفضاء السماء التي استبطن اليقين في علوها بأنها جميلة، ولو كان ذلك متجليا فيما يحدث بين المسارات من غلاء، ورخاء، وشدة، وبلاء، إذ انطفأ صوت المعارضة لما هو خارج عن نطاق العقيدة الحقة؛ وهي تمييز حدود الخفاء بما ينجلي في حقيقة الجلاء، لأن ذلك، سينهي ذلك الالتباس القائم بين فعل الإله، وفعل الإنسان، كما زال دور الوسط من القيم المعرفية التي تصوغ عقائده المؤطرة لأدوات التفكير العقلاني في الأحداث، والظروف المحدقة بها، والموجهة لثقافة المركب الجمعي، وما يتبعها من قناعات في الأخلاق، والسلوك، العام، لأن العدو المتربص بالدائرة المحددة انطولوجيا بالأرض، والتاريخ، والعقيدة، والثقافة، هو الإنسان الذي أراد أن تكون له ضمانات تصطحب كبده في سربه، ورزقه، وحياته؛ وهو كل مقهور يصر على أن يطلب ما هو حادث في مساحة الجلاء، وظاهر بلا قدرة على طمسه، أو تزييفه، إذ عيشه مرتبط بحركته المنتجة لكليته الجماعية، ومتصل بما في مكنته الذاتية من تعقل، وتبصر، لا بما تخفيه الطبيعة من نظامها، وتضمره من حقائقها، لأن ذلك متعلق الطبيعة بسلطان العلم الذي لا يتفاضل فيه الناس إلا بالاستكشاف، والاختراع، لا بمقتضى الادعاء للمعرفة المتشكلة من المطلقات الغيبية، والأنانيات المستعلية، إذ ذلك لا يتأتى اعتقاد صدقه إلا في المجتمعات المتخلفة، والثقافات المتدنية.
وهنا ينتج جو مشحون بالمعاني المحتملة للنقيضين المتصارعين، والأحكام المتفاوتة بين الرفض، والقبول، لأن مقومات الكيان الذي يضبطه توجه ثقافي معين، تستوجب أن تكون هناك فرضيات فكرية، واحتمالات معرفية، تدعم هذا المبتغى الذي يرتجى وقعه، وتوطده واقعيا بوضعه، وتحميه تدبيرا، وتسييرا، إذ يستحيل أن تبقى ثابتة، وراسخة، ما لم تكن قادرة على حماية حصون رغباتها، وقلاع غاياتها، وهي لن تتمتع بالاستقرار الذي يضمن لها التطور السببي بين الحقائق المتفاعلة، ما لم تحس بأنها تعيش الأمن بين المهالك، والأمل بين المخاوف. وذلك ما تفسره كثير من الأدبيات التي تحدثت عن علاقة الإنسان بالنظام المرتبط به عقديا، أو إيديولوجيا؛ فإما أن يُقبل ضمن الدائرة المحصورة بناموسها المتعالي، ويصير واحدا من أفرادها، يجري عليه ما يسري عليهم جميعا، وإما أن ينبذ، ويغرب عن داره، ومحل تلاده، ومنشأ أحلامه، ومرفأ آماله، فلا تبقى له صلة بنسبه، ولا رابطة بتاريخه، ولا علاقة بأرضه، ولو كان جسده من ترابها، ودمه من حجرها، وعجينه من زرعها، وإدامه من شجرها، ورزقه من ضرعها، لأن تفسير بعض الظواهر التي تقع في الجماعة، وتجتاحها بالفقر، والمرض، والجهل، وتصطلي بها الأقوات، والأرزاق، والمعايش، إن أعيد الكلام فيها إلى عالم الإله، كان ذلك إيذانا باتهام كل من تحدث عن تغيير لبدتها بالمروق عن الجادة، لأنها قدر لا محيد عنه، ولا مرام دونه، وإن أعيد فيها إلى الإنسان، فإما أن نقول بأن ذلك كان نتيجة حتمية للذنوب، والخطايا، والمعاصي، وهذا ما يجعلها قضاء، وحكما، وعدلا، وإما أن نقول بأن مسبب ذلك، هو ذلك الإنسان المستعلي بجبروته على غيره، وقهره لما سواه، إذ ما يوجد في كامن الطبيعة من خيرات غضة، قد يكفينا جميعا عند الائتلاف على نتاجها، ولا نحتاج في وجوده إلى بديل عنه، نواصله بذلة، ومهانة، واستعباد، واستضعاف، لأن اختلاف التفسير في سبب الأحداث التي تطرأ على الإنسان، فتغير حال نعمته إلى شقاوة، هو الذي يحتم الفصل بين خيارين في التفكير؛ أحدهما يرى كل شيء بفعل فاعل، وهو مكنون السماء في كل حادث، وإن ظهرت عليه أمارات التكليف للإنسان، إذ لم يكن مكلفا إلا في حدود الإرادة، وهي ولو استوجبت الحرية، فإنها مقيدة بمطلق القدر الذي لا يجابه بمقاومة، والثاني يشهد الفاعل فيما أنجز، وهو كل ما فيه دلالة على استواء الفكر، واستقامته، وإن دل على غير ذلك، فإن الخلل في السبب الذي حققه، والطريقة التي تحقق بها وجوده، إذ لا يصير إلا نتيجة لما نفخ فيه من روح الإنسان، وعقله، وفكره.
ولذا، انتحى رجال الدين التفسير الروحي الذي يعيد كل القضايا إلى السماء، وينسب أخطاء الإنسان إلى انحراف يحدث في صلته بالعقيدة، والشريعة، ولو اقتضى ذلك أن يجرد الظالم من طغيانه، ويعرى المظلوم من كسب حقه في ناموس أرضه، ونظام طبيعته، لأنه إن لم يجر رأيه على هذا المجرى الذي يفصل بين ما يعود إلى القدر، وبين ما له ارتباط بالتفاعل الذي يحدث في دوائر متعاركة حول المصلحة الذاتية، أو الجماعية، فإنه لا محالة سيصطدم بالتفسير المادي الذي يجعل القضية نتيجة حتمية للعلاقة التي تجمع بين المتآلفين على عقد اجتماعي، يصوغ كل العلاقات بلازم الاشتراك حول المنفعة العامة، إذ هو يرى ذلك الاختلال ناشئا عن سوء تدبير، أو عن تبذير لا مسوغ له فيما صاغه الإنسان من علاقة مع المطلق، ثم مالت عنه القصود بالأنانية المفرطة، والدعاوى التي يقيمها كل طرف على أفضليته، وميزة مرتبته. لكن، تجاوز هذا التفسير المادي، وغمس العقول في استخراج تفسير له من العالم الروحي، ونسبته إلى القوى الغيبية الخفية، وتسويغ ذلك بنصوص مستوحاة من التراث القديم، قد أوجد مناخا قابلا لتقعيد عقائد موازية لمهد ولادتها، وتأصيلها بما تضمنته آلية التأويل لمعاني النص الأبدي، وما يحتويه نظامه من عبارات، وإشارات، لأن القاعدة التي تقوم عليها التنظيمات الدينية في التاريخ الإسلامي، وترتكز عليها في استحقاق دور الموجه إلى حقيقة الإله، هو إعادة كل شيء إلى أصله المكتوب على لوحة الأزل، والمنقول إلينا عن طريق النبوة، والرسالة، إذ تفترض وجود كل شيء في مبدأ الدين، وكلياته الماهوية، ويستلزم ذلك أن يكون ما تفهمه منه شارحا للكون بشقيه المادي، والروحي، وكاشفا عن كل المغيبات التي حيرت العقول العظيمة، فانتهى رباطها حول ثغور الميتافيزيقا بنسبة العجز إلى الذات، وجعل ذلك إدراكا حقيقيا لما لا مادة له، وهو غير مشاهد إلا بالوجدان، أو بالعاطفة الدينية، إذ هي لا تستوحي منطقها إلا من مسمى التصديق الذي لا يستجيب لقواعد التفكير العقلاني، ولا يستكين هوجه إلا بلازم التفويض، والتسليم.
ومن ثم، يغدو القول بتدخل السماء في قرارات الإنسان المتصلة بحياته، وما يتفاعل في أعراضها من بنى عقلية، وقيم معرفية، وقوانين أخلاقية، أمرا ضروريا في عملية صياغة العقل الديني، وصناعة مداراته التي يحلق حولها بجناح آماله العريضة، لكي يتم بوساطته تفسير الحقائق التي تنشأ من تقابل الإرادات المتفاوتة، وصراعاتها حول تحديد المصلحة، وتقديرها في جوهرها، وتدبيرها في موضوعها، إذ هو المسلك الذي يريح الجانب، ويبعده عن الانتقاد الموجه إليه، وإن أضمر في غوره لغة الاحتجاج التي تبدو عند الرضا اهتياجا بالشوق إلى ما يُكسب من متعة، ولذة، بل هو الذي يبقي الصيرورة متحكمة في نتائجها التي تقتضبها أفعالها المرجو ما تضمنته من نفع، ودعة، ورفاه، لأن حقيقة ذلك، لا تظهر إلا فيما يمليه الانتماء إلى رقعة جغرافية، يسوقها عقل موحد إلى ما يحقق مناط الوحدة المحددة حصصها منافعها بالتساوي، إذ ذلك، هو الذي يغري بالتضحية من أجل هذا المبدأ السامي، أو التخلي عنه لضرورة من الضرورات، وسواء اعتبر ذلك تحررا من عقد لم يثمر نتيجته، أو اعتبر ذلك خيانة تجري بحكم الإبعاد لفتنته، والإجهاز على ضرره، لأن مجرد الانتساب إلى دائرة عقدية لا يكفي للدلالة على استحقاق حق الانتماء، بل لا بد أن يعضده فعل مسئول، يتضمن كل الخصائص المطلوبة منه واجبا، وينطوي على سر الخصوصية التي تتمايز بها الجماعة مع غيرها، إذ ذلك يعني الاستيفاء لضرورة ما هو مقسوم بين الأفراد المتعاهدين على أقيسة معينة، على اعتبارهم متساوين في الأنصبة الممكنة، وما يحصل بينهم من تميز في المكانة الاجتماعية، فإنما هو لمزيد بذل، أو فضل.
وهكذا، يكون رجل الدين منطويا في عمقه على صراع قديم بين الإنسان، وقواه الظاهرية، والباطنية، لأنه في اللحظة التي هو مطالب بكشف ما هو قائم بين ذاته، وموضوعه، يتحول إلى موجه لهذا النزاع في الآخرين، ومرشد إلى سبل النجاة من هذا الألم الدفين في الأعماق، وإن كان هو لم يستغن عن ذلك في كسبه لما يدعيه من يقينٍ، لا يتأتى فيه ولا لغيره إلا بمجاهدة النفس، ومقارعة ما فيها من انحلال، وانسلال، إذ حين وضع سلما إلى السماء، ورسم خطا تصاعديا للخلاص من خواطر الذات، وهواجسها الهالكة، ورغباتها الفاسدة، فإنه قد فرض طريقا خاصا للسير إلى الحقيقة، ومعلما محددا للسلوك على الطبيعة، وما عداه ذلك، فهو المُضل للركب عن محل الأمان، والمُزل للأقدام عن جادة الصواب. لكن، هل يمكن أن يكون هذا صحيحا في تبعاته المتعلقة بمخاض الكينونة، ما دمنا لا نطيق أن نقول: إن كمال البشر في وضعياته المختلفة، هو محض خرافة لازمة عن نظرة مقتضبة إلى الكيان الإنساني، لأن حقيقة الصراع الذي نواجهه في حياتنا، ونعانق كثيرا من أضراره، وأوضاعه، قد أثبت الأزل حتميته في طريق التكامل البشري، لا في سبيل الكمال الإنساني، إذ محال ذلك على أحد في الخليقة؛ ومهما بدا موضعه جميلا في المعلوم للأنظار، والمنظور للأفكار، ما لم يكن هو في ذاته مرادا لعين الرعاية الإلهية، فيكون الخير فيه ملكة، والصلاح موهبة، والحب طاقة، لأن تجاوز ضعف الإنسان، وقصوره عن مراتب الكمال، هو الرغب المستحيل بلوغه، والطلب الذي لا يطاق تحققه في السير، والسلوك، إذ ذلك مرتبط بماهيته الذاتية؛ وهو كل ما يتفاعل في باطنه وظاهره من فاعلية، تقبل الخير اعتبارا، وترفض الشر امتثالا، لأن ذلك قصارى ما يمكن أن يصل إليه في عملية التربية، والتهذيب، والتثقيف، وكلاهما يمحصان الحقيقة في الكيان ابتلاء، ويبتلان الطباع بما يخلصها من أسيجة حامية من الدجل، والجهالة، إذ مفارقة أحدهما للآخر، ما لم يكن في حدود التكليف، لن يخلق مناخا معتدلا في طبائع الإنسان، ولا في أمزجته، وأخلاطه، لأنهما عنصران ممتزجان في ثنائية الأشياء؛ وهي حقيقةٌ في كل ما فاض عن وحدة الإشراقات، وصار متكاثرا في مظاهر التجليات. ولذا، لا يمكن أن يكون ادعاء التخلص من هذا الصراع الطويل تاريخه؛ وهو المعبر عنه بمفهوم المجاهدة، دالا على ذلك التمام الذي يتظاهر به من ادعى الطهارة في محل تختلط عليه النيات، والمقاصد، والغايات، لأن ذلك محض الخصوصية التي تعبر عنها الخاصية الذاتية، والسمة النفسية؛ وهما معلمان واضحان في كل كينونة، إذ بهما يتم التفاضل، والتكامل، وكلاهما ينجزان الفعل المختلف بحدوده المشروطة عقلا، أو دينا، لأنهما ينصهران مع مكونات الجسد، وما يتناسل فيه من قوى، وبنى، لكي يوجها الحركة البشرية إلى معنى التسامي، والتعالي.
ومن هنا تكون كثير من القضايا العقدية مرتبطة بهذه الصيرورة المتفاعلة حلقاتها في فضاء الطبيعة، والإنسان، والحياة، والكون، وإن اتسمت بسمة المطلق في كثير من مظاهرها الخارجية، لأنها تبين انحراف الفكر عن ظاهرة الإنسان الكلي، وانتقاله إلى مفهوم الجماعة المتضخمة بأناها المستعلي، وبإيديولوجيتها المتعصبة، وتراكماتها المتعنتة، إذ طبيعة العلاقة بين رجل الدين، وغيره من مكونات الفضاء الاجتماعي، وكيفما كان وضعها الاعتباري، هي إرشاده إلى طريق الصلاح، والفلاح، وإعادته الاعتبار إلى ما فيه ناموس السير المتوقف بالمعراج الروحي، والمادي. لكنه حين صارت مواقفه تسويغا لأحد الأطراف المتنازعة حول السيادة، والمتحاربة على الريادة، وقد وجد هو بين سياقاتها المنفعلة ببعضها في تحقيق حدود المرام، وتحديد ما يلزم كل واحد من حق، وواجب، لكي يقوم بدور الوسط الذي يحدث التوازن عند اختلال الطرفين، وتضارب النتائج حول الحظوظ المتناقضة، وتعارك المقاصد على المرامات المتفاوتة، لأنه الضابط لكل القضايا المستحدثة بمقتضى التكليف بالحجة، والإلزام بالبرهان، انحاز إلى طبقة النبلاء الذين يمتازون عما عداهم بالملكية المطلقة لسبل الرزق، وطرق العيش، أو انجر إلى الطبقات الدنيا من الحرفيين، والمهنيين، وذوي الأعراض المحصور نظرهم فيما ينتظرونه من فجوات القدر، وثغرات النظام، لكي يتخلصوا من أزمة الواقع، وأمراضه الملتبسة بالفراغ، والضياع، لأن التفاعل مع ما يحمي الهوية الخاصة، ويضبط صيرورتها بما يضمن تفاعلها واستمرارها في بناء الشخصية الكلية، قد ألزمه بالانتساب إلى أحد الطرفين المتعاندين على الطاقات المكبوتة، إذ الأول منهما ممتلك للقوة بمقتضى الغلبة، والثاني طالب لها بمنتهى الإرادة. ولهذا، صارت أدواره حين امتزجت بالطبقة الأرستقراطية موجهة لقيم الصراع بين الطبيعة، والإنسان، والوجود، ومدعمة لتفسير محدد بفئة متميزة بما فيها من عصب القهر، وغرة الامتلاك، لأنه بهذا التحيز الذي يفرضه قانون الرغب، والرهب، يحدد مناطق الالتقاء حول المصلحة، ومواطن الافتراق عليها، ومحال التنافس حولها، ويبين ما يمكن أن يكون معروفا، وما يحق له أن يسمى منكورا، وما يجوز له أن يكون عدلا، وما يستوجب أن يكون جورا، إذ تحديد هذه المفاهيم وفق رؤية مسبقة، ومرتبطة بسياق عقدي، ونسق معرفي، لم يكن إلا تدخلا في معانيها، وتحريفا لها عن خطها الذي أرادته إرادة السماء، وارتضت أن يكون اليد الممدودة إلى ضعف الإنسان، وعجزه عن مواجهة غوائل زمانه، ومكانه، لأنها لم تختر إلا أن يكون الإنسان حرا في إرادته، ومشيئته، وإن استعبد لرغبة مقبولة في التنظيم العقلائي لمواجهات الحياة، فلغاية إحجامه عن فساده، وإرغامه على ما يستلزمه نظام التآلف على الخير، والنفع.
ولا غرابة إذا جعلت فعل الطبيعة إلهي المصدر، ولو كان ما يقوم به في مسير الإنسان زلزالا، وبركانا، وإعصارا، لأنه انتقام الإله من العصاة، والمذنبين، وصيرت فعل الإنسان شيطاني المورد، ولو كان دوره متصلا بكمال إدارة مسار الحياة الجميلة، وقيادتها إلى ما ينجر معنى الحضارة الإنسانية، إذ هو فاقد لوسمه الذي يحدده رجل الدين بقواعده المتعصبة، وجانح عن الفكرة التي أرادها أن تكون حاكمة على الأفعال البشرية، ولو لم تؤد في جل منابت حقيقتها إلا إلى تخلف، ورجعية، لأن المعادلة قد ركبت مقدمات مغالطتها بمنطق متناقض، ووضعت حقائق أفكارها بخطأ مقصود، فصارت قيمة الإنسان مرتبطة بتفسيره لما يقع في كونه من اضطراب تفسيرا فوقيا، لا يتصل بنواميس الطبيعة، ولا بقوانين البيئة، وتبعاتها على كمال الصيرورة، ونقصها، ولا يتعلق بما يتولد عن اجتماع الناس حول المصالح من صراع، ونزاع، إذ في عدم إدراكه لما تتأسس عليه عوامل السعادة، وروافد الشقاوة، ما يبعد اللوم عن السياق الذي يترسخ على إيديولوجية دينية، تقوم بدور الوسيط بين العبد، وربه، وبينه وبين محيطه الخارجي، وتتغيى أن تخلق مناخا مناسبا لطقسها النفسي، والاجتماعي، لأن ما يمكن أن يكون ضرورة في عملية البقاء، وحتمية لازمة في توجيه الحياة نحو المعاني الدينية الملتبسة المعاني، ولو فيه ما يئد الحقيقة البشرية، قد يعتبر أمرا شرعيا لا محيد عنه، وقدرا لا يجوز الإنكار له، ما دامت تتوقف عليه حياطة الحوزة، وحمايتها، ورعايتها، إذ هي المطلوبة بالأصالة، لا ما يتحقق بها من حسن الحال، وسمو المآل، لأن تفسير ما يقع بموجب الإخلال بالمسئولية في الدور المنوط بالفرد، أو الجماعة، قد يحتم استعمال آلية الإنكار؛ وهذا ما كان سببا لتقنين دور الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وتحجيم دوره، إذ هو لا يقوم إلا بدور المعارض لما هو موجود، والمطالب بما هو مفقود، لأن تعطيل ذلك، يفضي ضرره إلى جمود ما يتحصل به تمام النفس العاقلة، إذ هي تستسيغ في خمودها الركون إلى النعمة، وتستمرئ في خمولها النصب في تحصيل المبتغى الحقيقي من الوجود، والكون، والحياة، والطبيعة.
ولعل أجلى تجل لذلك في تاريخ البشرية، وتجربتها المتراكمة من هزائمها، وانتصاراتها، هو ما ظهر في أوربا، وانطوى على سر التعامل بين المعبد، والمرقص، أو بين الكاهن، والإنسان الذي يسعى إلى أن يفسر معضلات واقعه تفسيرا عقلانيا، لكي يدرك سبب الاختلال بين الطبقات الاجتماعية، وعلة ما يقع في وضعه من عدوان على الحريات البشرية، إذ كان رجال الدين ملتفين تحت راية الإقطاعيين المالكين للثروة، والأراضي، والعبيد، واتحد القصد بينهما في حقيقة الاستيلاء على الطبقات التي لا تملك تدبير أمر سمائها، ولا قرار أرضها، فذا يفتي، وذاك ينفذ، وكلاهما يؤديان دورا مركزيا في بقاء الدائرة المحرمة، ونفاذها في تقرير المصائر المدبرة، واستمرارها على ما تجود به من مكاسب، ومجالب. وقد استمر الوضع على ذلك إلى عصر الأنوار الذي ابتدأ بانهيار العلاقة الملتبسة بين المقدس، والمدنس، وبداية عهد الاختيارات الفردية التي تفجرت من جوفها فكرة العلمانية، وصرخة الحداثة، وتمددت بما والاها من وضعيات في المنطق، والفلسفة، والعلوم، والمعارف، وإمكانات لفهم نسبية الحقيقة وسببيتها في التطور الاجتماعي، لأن هذا الصراع القائم بين ما هو مطلق، ولا تتعلق به الصيرورة إلا اعتبارا، وما هو مقيد، ويرتبط به التقدم في مجالات الحياة الإنسانية، قد أنتج مناخا قابلا لرفض كل ما لا تدعمه الملاحظة، ولا تؤيده التجربة، ولا تقوم به الخبرة، وطالبا لبدَلٍ يكفي عما هو قائم من علاقات يشوبها الاستعباد، ويحميها الاستبداد، ويحكمها ناموس غريزي، وقانون متسام على ما يفرضه العقل العلمي من علاقات قائمة بين الآلهة، والبشر، وبين الأفراد، والجماعات، وبين المجتمع، والدولة. ولهذا تخلى رجل الدين عن وظيفة الممارسة العملية للسلطة الدينية، لكي يلتزم دوره بما يعزز الإيديولوجية السياسية، وما يتطلبه ذلك من ربط لأوامر السماء بأفعال أهل الأرض، على اعتبارها نسقا روحيا يوجز طريق الفداء والخلاص في مهلكة المادة الآسنة؛ وهي الحياة الدنيا التي استهجنها الخطاب الديني بتصورات بسيطة، وإن غطس روحه في بهجتها، وغمس جسده في متعتها، لأنها الشيء الذي لا يفارقنا إلا في عالم الأحلام، ولا يعانقنا إلا في كوكب الأوهام، إذ لا يمكن لنا أن نعيش فيها بدون أن نتأثر بما يسكنها من أمل، وألم، وإلا، انسلخنا عن ماهيتنا المادية، لكي نعانق أقفا متنائيا عن قدراتنا، ونصافح فضاء لن نرتقي إليه ما حييت فينا إرادتنا العصية.
ومن هنا، فإن العودة إلى سياق هذه العلاقة التي ربطت بين الهيكل والمعبد، وبين الراهب والشارع، وبين الدين والاتجاهات الاجتماعية، يؤكد مجموعة من الحتميات التي تأسست عليها روابط هذه الصلات القائمة بين ما كان متحدا، ومتعاضدا، ثم صار بحكم التجربة متفرقا، ومتباينا، ثم مر عليه زمن من الأزمنة، فاتحدت أنظاره على علامة واضحة للانطلاق نحو تاريخ جديد، يتأسس على مبدأ الاختيار الذاتي؛ وهو حماية الكيان بما يضمن حركيته ضمن صيرورة الطبقات المتصارعة حول الغايات الوافرة، ويحقق توازنا في الحياة المرجو بهاءها، وسناءها، لأن اتفاق الحظ على شيء مشترك في التصور الذهني، والإدراك العقلي، يكون طبعه مستجمعا للطاقة التي تبذل في سبيله، وللقدرة التي تقدم في طبيعته؛ وسواء كان قولا يقصد الحماية للأصالة الدينية، والرعاية للعراقة التاريخية، أو فعلا يترجى حيازة الحلم في واقعه المادي، ومداره الموضوعي، هو الذي يفصل بين القضايا الغيبية، والحقائق العلمية، ويحدد حقل ما هو ديني، وواحة ما هو معرفي، ويبين أمارات الطريق الذي يسلكه الفرد في علاقته بذاته، وبمحيطه، وينتحيه في الفعل الذي يحكم عليه بالصلاح، أو الفساد، إذ لا وجود لكائن عاقل في منظومة القيم التي يتحاكم إليها العقد الاجتماعي، إلا إذا كان مستقلا في فكره، ومتحررا من الوصاية التي تفرض عليه رقابة خارجة عن مقتضى ما تآلفت عليه الجماعة من حدود الأقوال، والأفعال، لأن اشتراط شيء آخر سوى هذا القيد الذي يسري على الكل بلا تمييز لطرف دون آخر، وهو الضامن لعقلانية الدولة، والضابط لخصوصيتها في المساواة والعدالة الاجتماعية، لن يفضي إلا نزاع حول ما هو التزام بحكم الفطرة، وما هو إلزام بحكم التواطؤ، والتفاعل، وتتشكل منه طبائع الإنسان، ونواميسه في الرغبات، والشهوات، إذ لا يمكن أن يجمع بينهما إلا في حدود تحقيق المصلحة المشتركة، والمنفعة التي تمنح كل واحد دوره، ووظيفته في بناء السياق، ورفع عماد نسقه، لئلا يتزعزع ركنه، وبتضعضع سقفه؛ وهي كل ما يدبر شأن الحياة باللزوم لما هو خير، والنفور عما هو شر، لأنهما مطلقان في الصناعة، ولا يصاغان إلا في ذاتيهما، ولا يقبلان أن يمتزجا بغيرهما، وكل تحريف لهما عن مسارهما المقدور لهما، يعتبر جريمة أخلاقية، ترتكب في معنى العهود التي التزمت بها الجماعة، وانطوت على أسرارها، وألغازها، وجعلتها سببا لاستحقاق ما هو حق، واستيفاء ما هو واجب، وهما يعبران عن الانتماء إلى كيان خاص، له ثوابته في الأديان، والأبدان.







اخر الافلام

.. من يفتي عن سوء اجتهاد يشوه صورة الإسلام والمسلمين


.. بين موائد الصائمين المسلمين والمسيحيين .. ما هو أصل الفتوش؟


.. أمين الفتوى: الإفتاء فرض كفاية ومنصب شريف وعظيم




.. مصر: دير الدومنيكان يحتضن واحدة من أكبر المكتبات العربية وال


.. -الجفري-:مؤتمر الإفتاء هدفه استعادة الخطاب الشرعي من خاطفيه