الحوار المتمدن - موبايل



مجزرة آذار

محمد صالح أبو طعيمة

2018 / 4 / 4
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


اختلطت هذه المرة الحقيقة بالخيال، من الأرض المحتلة، في ذكرى يوم الأرض، الثلاثون من آذار، ذكرى المجزرة الحاضرة، التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق الفلسطينيين بقتلهم ومصادرة أراضيهم، هذه المرة يخرج الفلسطينيون بإرادتهم للتظاهر السلمي وليس للموت، لإيصال رسالة هي الأكبر من نوعها منذ الانقسام ضد المحتل.
يخرج الآلاف من كل حدب وصوب في مدن القطاع المحاصر تلبية لنداء بعض التنظيمات، إحياءً لذكرى الأرض، تحت شعار إلكتروني "راجعين" أو باللهجة الحداثية، هشتاق #راجعين ومسيرات العودة.
في البداية التف الناس حول الشعار كونه نابعا من الحراكات الشعبية في غزة، وبعدما التف الناس، تصدرت الأحزاب السياسية المشهد، فبدأت بالحشد الإعلامي والجماهيري في كل مكان وعبر كل وسيلة.
بدأت الاستعدادات بحفر الآبار وبناء المراحيض، ونصب الخيام، وتجهيز الوجبات، والاتفاق مع الحافلات لنقل المتظاهرين.
نُصبت الخيام على بعد سبعمائة متر بعيدا عن الحدود، وتم الإعلان على أن هذه المسيرات ستكون سلمية وعلى مسافة محددة من نقاط التماس الحساسة.
في المقابل كان الجيش الإسرائيلي يُطلق تهديداته، ويدعو الناس إلى عدم المشاركة، وأن عليهم أن يثوروا على من يجوّعهم في غزة.
في صباح الجمعة بدأت الجموع تحتشد بصورة كبيرة، وبدأت بالاقتراب من السياج الفاصل، بالتزامن مع حضور شخصيات على أعلى المستويات من التنظيمات الداعية للتظاهرة، التقطت بعض الصور عند الخيام ولم تتجاوزها ثم غادرت، المتظاهرون يقتربون من الحدود، حتى وصلوا نقطة الصفر، ليبدأ الجنود المدججون بالأسلحة والمتوارون خلف التلال الرملية بإطلاق النار على الفلسطينيين المتواجدين قرب الحدود، كان الإطلاق عبر القناصات، آلات الموت المحتومة، فلا يوجد هدف يخيب، مقابل جموع الشعب الأعزل في المكان.
المظهر مثير للغاية، شاب لم يبلغ العشرين بصدر عارٍ وراية ممزقة، مقابل أعتى قوة في الشرق الأوسط، وكأن الجنود في رحلة صيد، يقتنصون منهم الذي شاءوا، ويحددون على رغبتهم، أين تكون الإصابة؟ فلم تخرج تلك الإصابات في غالبيتها عن مكانين من أجساد الفلسطينيين، أرجلهم، والرؤوس، أستشهد ثمانية عشر فلسطيني ضعف ما استشهد منهم في الذكرى الأولى التي يحيوها "يوم الأرض" فجاءت أعداد الشهداء بالتوازي مع العام الحالي 2018 واستشهد 18، وأصيب المئات، وبترت أطراف آخرين، وحل العشرات على أجهزة التنفس الاصطناعي في المستشفيات الغير مجهزة أصلا.
أجمع الفلسطينيون على أن مسيرة العودة السلمية قد أربكت الجيش الإسرائيلي بسلميتها، وأنها آتت أُكُلها أكثر من أي فعالية وطنية قبلها.
والسؤال الكبير الذي نطرحه، يقوم في الحقيقة على جلد الذات، للتخلص من الأخطاء في الآت.
هل الموت، والإعاقات، والموت السريري، هو النتيجة التي نريد؟!
كان من المقرر أن تبعد المسيرة سبعمائة متر عن الحدود، إذا كان يجب أن توضع منطقة عازلة من خلال نشر عناصر الأجهزة الأمنية الموجودة في غزة، لفصل الناس عن الموت، كما حدث قبل عامين في محاولة بعض الناشطين إحياء أكثر من مناسبة وطنية بنفس الطريقة، لكنه تم التعامل معهم من تلك الأجهزة، التي لم تتواجد في مسيرة العودة هذه المرة.
كما أن السلمية تقتضي عدم التهديد العسكري عبر وسائل الإعلام، من الأذرع المسلحة في غزة، والتي تعرض نفسها كقوة تضاهي إسرائيل، الأمر الذي تستغله إسرائيل للفت في عضد سلمية المسيرة، وإن كان الأمر كما تقول تلك الأذرع! فحرروا الوطن دون إراقة دماء الشعب.
إطلاق النار الذي حصل، على ذمة الجيش الإسرائيلي، يجب أن يتم تفنيده من طرف التنظيمات الفلسطينية، وإن وقع فأنه أقوى ذريعة للعدو للفت في عضد السلمية كذلك.
إن السلمية هي السلاح الأقوى والأنجع في مواجهة القوة الغاشمة، ولكن إن تمت هذه السلمية بثغرات كالسابق ذكرها، فلم تورثنا غير الضحايا.
وعن الذين يعتبرون أن الدماء كانت ستنزف بأي طريقة كانت.. أقول لهم لو ظل أولئك في بيوتهم أو على المسافة المتفق عليها لما نزفت دماءهم، وعن المثقفين الرافضين للأمر ووجدناهم بعد ساعات في مكان المظاهرة، وعند مناقشتهم، تبين أنهم لا يعرفون ما يريدون، ويعجزون عن توصيف الحالة.
فانقادوا خلف الجماهير، والحق أن الجماهير تُقاد ولا تقود، على الأقل حفاظا على الأرواح في هذه الحالة المرتبكة، كان يُفترض بهم تشكيل مسار منظم للمسيرة وليس ترك الحبل على الغارب للمندفعين الذين تسيطر عليهم عواطفهم أكثر من أي شيء، والذين راحوا ضحية الاندفاع والجرم الإسرائيلي الواضح، وترك المسيرة لهم تسيرهم حسب الظروف.
في زيارة خاطفة لأي مشفىً غزي، سندرك حجم المأساة التي أتحدث عنها، والغاية لا تبرر الوسيلة مطلقا، فهذه نظرة ميكافيلية بحتة، تعارض الإنسانية وتوافق المصلحة.
ليس لأحد كائن من كان أن يقرر متى يجوز الموت للشعب، لا سيما إن كان الأمر إراديا بحتا، ولم يكن إجباري، كيوم إعلان القدس عاصمة لإسرائيل مثلا، لم يكن التفاف التنظيمات بهذه الطريقة والإصرار لتواجد الناس على الحدود.
وأدل دليل على ما أقول، أن الجموع باتت أقل بكثير مما كانت عليه، وما يتم تداوله هنا وهناك حول الأخطاء التي يجب اجتنابها.







اخر الافلام

.. اندماج نداء تونس والاتحاد الوطني الحر: إرباك للمشهد السياسي


.. حياة المناضل ماهر جايان


.. بي_بي_سي_ترندينغ | حملة في #الاردن لجمع بقايا الطعام من الفن




.. تعقيب أ. غازي الصوراني على مداخلات الحضور .. عن القوى اليسار


.. ما هي رهانات اندماج حزبي حركة نداء تونس والاتحاد الوطني الحر