الحوار المتمدن - موبايل



ميتافيزيقا الارهاب: الصراع الأزلي (6)

سامي عبد العال

2018 / 4 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ينظر الارهابي إلى الآخر بوصفه عدواً ضرورياً. فيُعدّه موضوعاً لعنف خيالي واعتقادي، ذلك باعتبار العدو هو الصلاحية الميتافيزيقية لمفاهيم الإيمان والكفر. أي أنَّ الكافر لن يُروَّض إلاَّ بالهيمنة عليه كطُعم لممارسات الدين ومعتقداته. وبالتوازي تخدر صُور الآخر أخيلة الإرهابي لصالح اطمئنان وجودي بكونه يمتلك القداسة. فالرضاً بما يفعل ليس ملموساً حتى يستقر، إنما يحتاج غذاءً متعالياً خارج الواقع النسبي. لأنَّ سلطة المعتقد لا تنفصل عن سطوة قهر النقيض( معادلة: المؤمن ضد الكافر ).

المغالطة هنا في كون الآخر مكروهاً بالنسبة للإرهابي وأيضاً لا يستطيع الاستغناء عنه. والكارثة أنَّ الإرهابي لا يفهم ذلك بدلالات إنسانية، باعتبار الآخر إنساناً من لحم ودم ومشاعر وعواطف قبل أن يكون نقيضاً دينياً، لكن يتعقبه تحت عناوين القرابين والموت. الأمر الذي يُوقع الارهابيين في فجوة "عقدة الذنب " المسؤولة عن ( مصائر أُناس ) لا ينبغي بذل أية محاولة للتساؤل حولها. فهو لا يتحمل وجود المناقض له حتى يجتث جذوره من الحياة وجذور جميع ما ينتمي إليه.

لماذا يعتبر الارهابي نفسه مسؤولاً عن حياة الآخر؟ وهل الآخر يمثل له شيئاً طالما هو يناقض ما يؤمن به؟! هل بلغ السفه الديني بالإرهابي التفتيش عن مضاده الاعتقادي كما لو كان ينقب عن المضاد البيولوجي؟ هكذا مهما اختلف السياق ينظر الارهابي إلى الحياة برمتها كصراع أزلي لا فكاك منه. والصراع لعنة يحاول توجيهها للنيل من خصومه المحتملين. وهو حين يفعل ذلك يفهمك أنه عليك الاختيار، لا تستطيع الوقوف حيادياً. ولو تمكن لجعل أصوات مقولاته وأصدائها تتردد حول أذنيك من كل مكان. وقد يتساءل مستنكراً: ما الذي أوجدك في طريقه؟!

كلُّ (عقدة ذنب) لا تتم حقيقة إلاَّ بإحلال الارهابي لنفسه محل للإله كطرف أصيل في الصراع. بحيث يثأر لوجوده من أناس لا يعترفون به مثلاً أو لا يسيرون وفق اعتقاده الخاص. إذن حتى الثأر هو في الطريق الخطأ وضمن فعل لا يتحمل وزره إلاَّ هو ( الارهابي )، ويستحيل معاقبة الآخرين على عدم الإيمان بالإله كما يتطابق مع افكاره. لأن ذلك يلغي مبدأ الإله كإمكانية بشرية، وينصب الدين كمسرح دموي تعتليه اشباح وراء أشباح. وفوق هذا وذاك تؤدي أدواراً بوهيمية تتقمص بدائل الإله عبر صراع كوني لا يتوقف. وكأن الارهاب يعيد انتاج آلهة الأولمب لدى اليونان... هؤلاء المتصارعون وراء غرائزهم والمختلطون بأجسام بشرية ورغبات أرضية قاهرة.

نحن نعرف أنَّ عالم الإنسان مخالف لمملكة الحيوانات في طرائق الحياة والقنص. فالحيوانات تعيش صراعاً بيولوجياً على النقائض لها( آكلة اللحوم × آكلة العشب )، إذ تتخذ الأولى الثانية كفرائس وغنائم كي تواصل الحياة الطبيعية مسيرتها. لكن في حالة الإرهابي يتخذ الأخير من أصحاب الديانات فرائس ميتافيزيقية. والمماثلة تطل برأسها بين الغابة والميتافيزيقا, فالاثنتان تشهدان مطاردات اعتقادية وبيولوجية من نوع حيواني قاتل كلَّ في مستواه الشرس.

وبأشكال الثقافة الغالبة لدى الإرهابيين تصبح الميتافيزيقا غابة لا يخرج من متاهتها إنسان. فالوضع ليس فكراً واضحاً، لكن قد يكون فتاوى ملتوية تهدر الدماء والأرواح. وحتى عندما يحاول البرهنة على أفعاله بالحجج والقرائن الدينية، يلجأ إلى أجمات الفقه والأخبار والموروثات النصية دون فهم. ويصنع من تلك الغابة التراثية قناعاً فوقياً يمارس به أحكاماً غير إنسانية.

لم يدرك الدواعش مثلاً كيف تسير الحياة وكيف تدار شؤونها دون التعلق الظلامي بالنصوص والمقولات والأناشيد كقوى خارج السيطرة والتأويل. مما يعني أن النص كائن أعلى حد المجهول لا محالة. ويشارك في مسرح الصراع جنباً إلى جنب مع الإرهابي، ويتم التعامل معه كسلطة مفارقة يستحيل تجاوزها.

وهذا ما يجعل أسباب المعتقدات الدينية العنيفة غامضة، لا لكي تتضح فيما بعد، لكن حتى تجد ما تحرقه خارج معتنقيها. وبالتالي يحدث " تفريغ آمن " لتراكم الكراهية بما يعود على ترابط الجماعات الدينية وتماسكها. ولعل الثبات الصلد الذي يبدو عليه الارهابيون في تفجيراتهم وممارساتهم الديني ما هو إلا أحد تجليات منطق الإزاحة ( الاسقاط والفلترة) على موضوعات خارج ذواتهم.

حقيقي ما لم يجد الارهابيون أغياراً لكانوا تآكلوا بأنفسهم، بيد أن النيل اليومي من المخالفين دينياً واجتماعياً وثقافياً جعلهم أكثر صلابة. ولهذا لا ينتظرون الأعداء في شكل أديان ومعتقدات إنما يبحثون عنهم ويبادرون بتكفير جميع المسيحيين واليهود والمسلمين... إلى أخر ذلك.

التكفير لا ينتظر أحداً، إنه يذهب حيث يقم ويعتقد ويحيا. لأن الرمزية التي يمثلها تتيح للإرهابي تجسيد المعتقدات على هيئة سرديات تلتهم بحبكتها الدرامية النقائض في طريق الموت. مثل سردية الحق والباطل... فهي ليست ثنائية بسيطة لكنها مشحونة بكافة الشخوص والقصص والمعارك التي خاضها المؤمنون تحت أنماط الاستقطاب بين الطرفين. حد أنها تجتر أحداث التاريخ لرسم مخططها اليومي والأبدي تباعاً. فلئن واجه الإرهابي سلطة الدولة مؤسساتها، فإنه يدرجها ضمن هذا الإطار معتبراً إياها خداعاً في طريقها إلى الزوال.. وعندما تسأله لماذاً؟، فإن الباطل هو الإجابة الوحيدة التي يكفن داخلها الدولة برمتها!!

من ثم يعتقد الإرهابي ضمنياً أنه لولا الكافر لما وجد الإله، ولولا الكافر لما كانت ثمة مبررات لأفعال الجهاد، ولولا الكافر لما تجسدت دلالات الخير والشر، ولولا الكافر لما تجلت أوضاع الإيمان، ولولا الكافر لما كانت معاني الشيطان مفهومة ولو الكافر لكان انتظار يوم القيامة بلا معنى.

وبالتالي فكلمتا الكفر والإيمان لا تجتمعان عبر دائرة سوى بمنطق التناقض الحدي. ومنذ يومه الأول داخل جماعته الدينية سيدرك الإرهابي من هم أعداءه بالضبط. وأكثر من هذا فهو يعتبر أن العداء لأهل الكفر نوعٌ من التقرب إلى الله، مثلما أن ذبحهم هو قمة القربان له( يرددون: أعلى مراتب الإيمان: الحب في الله والبغض في الله).

لكن رغم ذلك، ألم يسل الارهابي نفسه: كيف تستمر الحياة بهذا الصراع المطلق؟ طبعاً الإجابة معروفة في أنه لا يخطر على باله أصلاً سؤال الحياة بمعنى التعايش. لأن الصراع هو الحياة ذاتها، على أفضل الأحوال الأخيرة جزء لا يتجزأ منه. فبحكم النظرة الميتافيزيقية يكون العنف كلياً في صورة الغرائز. أي أن أنفاسه وشهواته ومعطياته الشعورية تتشكل عبر تلك الدراماً حيث لا تعرف المهادنة ولا التلطف. وأخطر الأشياء أن يمسخ الميتافيزيقي وينصرف ضمن أدوات بيولوجية تحيا على نشاطه، كما في حالة قادة الجماعات ورموزها والخلفاء باسم الدين والشيوخ ورجال السياسة.

هل رأينا إرهابياً تحول يوماً إلى حمل وديع؟! إنه يأخذ خداع الشكل كزناد لبركان مدمر من التفجيرات وأعمال القتل؟ وسواء استطاع اخراجها أم لا، فالقضية هي مساره الذي يحطم ما يقف أمامه. ولذلك فإن تكفير المجتمعات عملية مجنونة، لأن المجتمع غير قابل للتكفير ابتداءً. وهو أشبه بعملية أسطورية ل أساس لها من الصحة. لأن ايجاد الأشياء بلمسة خرافية على غرار الأساطير القديمة يوازي اعدامها بخطابات التكفير.

والأساس في ذلك أن الصراع حتى الفناء هو الحشو البلاغي لتلك الذهنيات. مع العلم أنه لا يوجد صراع بهذا المعنى إلا في " بنية غريزية". فالغريزة تؤصل الخيالي والأنطولوجي عند مستوى الفعل. لكونها تسعى للإشباع بكافة السبل صراحة أو التواءً. ولذلك يبدأ التطرف في الاعتقاد بكبح جماع الغرائز والشهوات وترويضها وكفها عن الانحراف حيث يدعو قادة الجماعات الدينية إلى تربية اعضائها على هذا النهج.

لكن الحقيقة أن الغرائز تشحذ بتلك الوسيلة التربوية نحو التقديس والعنف. فما لم تُمارس بشكل تسامحي وإنساني في الحياة فإنها ستُعلق ميتافيزيقياً. والتعلق يفقدها القدرة على تمييز موضوعاتها الحقيقية لصالح الاعتقاد الصارم والكلي الذي رفعها بلا مضمون. وبالتالي تنتقل الممارسة من النسبي القابل للتغير إلى الفتك بأي موضوع يعترض اعتقاداتها.

ولذلك يردد الارهابيون مقولة: " قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار". فهم لا يعتقدون أن هناك براحاً لغير ذلك. والسبب شخصنة الصراع كاعتقاد عام في صورة اشخاص عينية. وهذا مناط المفارقة التي لا تترك أية مساحة للإرهاب ليواصل حياته مستقبلاً. إنه مقضيُّ عليه هو بالفناء والنبذ مهما طال الوقت، فقريباً أو آجلاً سيجد طريقه مسدوداً.

إن أي صراع ما لم يكن إنتاجاً وابداعاً فلن يحل معضلاته بنفسه، لأنه سيحول الحياة إلى شيء آخر مناقض لمسيرتها التطورية. وحتى تمشياً مع فكرة " البقاء للأصلح " فلا يدرك الإرهاب ما هو الأصلح. الخيارات بالنسبة إليه هو خيار واحد: أما أن تكون معي أو لا تكون أي شيء. والمماثلة بين الأصلح والأقوى لا يقصد بها الأعنف، لأن العنف ربما هو أبرز عناصر القوة لكنه بالتأكيد لن يكون هو الأصلح. وبخاصة إذا انقلب إلى شكل مادي كالتنظيمات الجهادية وآلتها مثل مفاهيم الخلافة والدولة الاسلامية القاضية على التنوع والتعايش.







اخر الافلام

.. ألمانيا: تراجع تاريخي للحزب الاجتماعي المسيحي في انتخابات با


.. الإفتاء المصرية ترد على كلمة الظواهري


.. سوريا: تنظيم -الدولة الإسلامية- يخطف العشرات من مخيم للنازحي




.. الدول العربية والإسلامية تعلن دعمها للسعودية


.. شاهد في دقيقة.. -جنايات القاهرة- تسدل الستار في قضية أنصار ا