الحوار المتمدن - موبايل



رحلاتي : بحث عن المجهول

عبد الله عنتار

2018 / 4 / 11
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


من الدار البيضاء إلى مراكش: رحلة بمشاهد تختزل العمر

قررت أن أسافر وحيدا و أخوض رحلة إلى الجنوب الشرقي من المغرب بالضبط نحو منطقة درعة وطاطا، لا أعرف شيئا عن هذه المناطق، اللهم بعض الأصدقاء ممن درسوا معي أيام الجامعة وبعض التلاميذ ممن درسوا عندي خلال المرحلة الثانوية، ولم أعرف عن هؤلاء أو أولائك سوى الأخلاق الطيبة ، لهذا السبب عشقت أن أزور هذه المناطق . بدأت رحلتي من البيضاء، كانت الأمطار تتهاطل بغزارة، لكن لم أبال بها، أخذت القطار، وغرقت في الكتاب الوحيد الذي حملته معي : 《رحلة في أسرار بلاد المغرب 》 لإتيان ريشي، تركت الأمطار خلفي كأن الزمن توقف ولاحت مروج و أبقار تلوح في قرى سطات، خضرة وأزهار مرت أمام عيوني ونحن نجتاز مدينة بن جرير، وبعد برهة لاحت مرتفعات سيدي بوعثمان، هضاب صخرية مزخرفة بألوان الربيع، وعلى منحدراتها يمرح المصطافون المبتهجون بزقزقات العصافير بالورود الندية والشمس الغاربة التي تلاشت في البعيد، وأثناء سلسلة من التوقفات، ها هو القطار يزحف كثعبان شائخ هده العمر . لا هو مبال ولا هو مهتم لا يقيم وزنا للزمن، كأمة لا تقيم وزنا للتاريخ. ها هو يدخل مراكش، الحرارة ساطعة وتتلف الأعصاب، مراكش مكتظة كعادتها، فوضوية ومنفرة، صاخبة لا تحترم الصمت، ضجيج وجلبة دائمة، شوارعها مكدسة بالبشر، السياقة فيها صعبة، لأنها المدينة الأولى في المغرب التي يوجد بها أكبر عدد من سائقي الدراجات النارية، هؤلاء يفسدون كل شيء، لا يبالون بالراجلين كأن لا وجود لهم .هذه هي مراكش، المدينة العالمية التي تتلاقح فيها كل الثقافات والأجناس واللغات والأديان. الفرد في هذه المدينة يذوب وينمحي في كتل من البشر، لم أحتفظ بصورة فرد، بينما القرى التي مررنا عبرها رأيت راع يمسك بعصاه، ذكرني بالزعيم العربي الذي يمسك بكرسيه خشية الضياع، لن يحذف من مخيلتي هذا الراعي، في الأرياف المتناثرة تشعر بذاتك حاضرة، ها هو وادي أم الربيع يتيه بين الأرياف بحثا عن البحر، بينما مراكش تجري بلا أمل ولا أفق.

ع ع/ مراكش/ 8 أبريل 2018
من مراكش إلى زاكورة : الموت/الحياة مفهوم واحد

إلى روح شارل دوفوكو رمز الصبر وعاشق السفر

خرجنا من مراكش في التاسعة والنصف صباحا، أول ما فعله سائق الحافلة هو توزيع قطع بلاستيكية على المسافرين، فافترضت أن الطريق سوف تكون ملتوية و متعرجة تثير القيء، لم أشعر بأي خوف ورحت أنظر إلى الشمس المحتجبة بالغيوم وكلي أمل وشوق لزيارة ورزازات، غير أن الشيء الذي لم يعجبني هو مسابقة تنظمها إحدى الإذاعات المبثوثة حول الأغاني الأفضل، هل هي أغاني لمجرد أم مسلم !؟ الأمر سيان عندي، فلا فن عند هذا أو ذاك! لم أبال وعيناي مصوبتان نحو حقول الزيتون المتناثرة على أرض منبسطة. الطريق تبدو جيدة، الطقس جميل، الشمس محتجبة خلف السحاب، هذا هو الطقس الذي أعشق .قبل أن نخترق جبال الأطلس الكبير مررنا من قرية آيت فاسكا، يمتهن أهاليها غراسة الزيتون، وبعد ذلك آيت أورير التي تسكن على قدم جبال الأطلس حيث تفصل بينها تلال منخفضة كانت في وقت من الأوقات جبالا، ثم انكسرت، المساكن بنية لا تختلف عن مساكن مراكش، يخترق القرية وادي آيت أورير الذي يعد من روافد وادي تانسيفت .نسير عبر الطريق الوطنية رقم 9، على الضفة اليمنى لوادي آيت أورير، وعلى ضفافه ينتشر الزيتون والمساكن .ينبع وادي آيت أورير من الأطلس الكبير وتحمل القرية التي تحاذيه الاسم نفسه، بلغ عدد سكانها 20 ألف نسمة في إحصائيات 2004، أذهلتني المساكن الطينية المتناثرة والوادي المنساب وحقول الشعير المنتشرة، بالإضافة إلى الجبال المترامية في السماء، كل من زار الأطلس الكبير يتعلم معنى الشموخ والإباء، إن من يرفع السماء إلى الأعلى بيديه لا يكون إلا شامخا ويستحق كل الاحترام والتقدير، نذهب مسافة قصيرة جانب وادي آيت اورير ونتركه على يميننا، ويستقبلنا ضباب كثيف ينذر بهطول المطر، أشجار العرعار الكثيفة تجعل المرء يقف إجلالا للطبيعة، هناك نصل إلى التوامة و هي قرية أمازيغية جبلية مغربية وسط المملكة. تنتمي التوامة لإقليم الحوز. تضم هذه القرية 11.458 نسمة (إحصاء 2004). ربما تشير توامة إلى التوأمين، وبعد تعرجات طويلة تستقبلنا آيت البركة، لم يلفتني شيء غير الطبيعة العذراء، بساتين الزيتون والتين والليمون كثيفة على الضفاف، بينما المنازل الطينية البنية تضفي هيبة وجلالا على المكان، وفي الأعالي تلوح الثلوج التي تذوب بمهل، وبعد حوالي 60 كلم نخرج من المجال الأخضر ويستقبلنا تدارت اوفلا (المنزل الأعلى )، هناك جلست برهة من الزمن، لقد تغيرت معالم المنطقة كليا، ولاح حفيف الصحراء في البعيد، بدأت معالم تجهم الطبيعة، كل شيء صار رماديا ينذر بالافول، المنازل حجرية . المنظر في كليته لخصته عجوز تعتني بماعزها و أغنامها، وبعد أن قطعنا ما ينيف عن 5 كيلومترات، ها نحن مباشرة مع تيزي نتيشكا، ومعناه باللغة العربية : ممر المراعي الجبلية ويرتفع بحوالي 2300 متر . الملاحظ أن الطرق تتبع دائما مجاري الوديان وتتبع مسارات الرحل وتنقلات الرعاة، هناك خشية من اختراق الجبال، هناك خوف من الطبيعة، نخرج من جهة مراكش الحوز، ويستقبلنا دوار اكلموس، منازل طينية وحرارة مرتفعة، إذ تغير الطقس كليا، بساتين متناثرة تحارب تجهم الطبيعة التي لاحت في البعيد، بين تعرج وآخر، ها نحن في اغرم نوكدال، تقع اغرم نوكدال في الطريق الوطنية رقم 9 بين مراكش وورزازات في النقطة الكيلومترية 124 كلم عن مراكش و 77 كلم عن مدينة ورزازات، ويعود تاريخ ظهورها هناك إلى ما يفوق قرنين من الزمن .وبحسب النفود الترابي للجماعة القروية فهي تمتد من منعرجات تيشكا مرورا بقرية اجلموس ثم اكويم الى باقي القرى كتيزكي وتورجدال ...ويعتمد اقتصاد السكان على الزراعة وتربية المواشي .نغادر اغرم (قصر) نوكدال، ونصل إلى اكويم وهي قرية تبتعد عن ورزازات بحوالي 65 كلم وينظم فيها سوق الاثنين، نقطع حوالي 30 كلم، فنصل إلى تيسلداي وهي قرية صغيرة تحيط بها صخور متجهمة والنخيل، ناهيك عن الأودية الجافة وبعد ذلك اجتزنا ايغيل وآيت حدو وايكيرت ولم يتغير حال التضاريس، بل زادت في تجهمها، الحجر يتفتت هنا، فما بالك بالبشر، فمباشرة بعد أن خرجنا من ورزازات التي تعني بالعربية: بدون ضجيج، سوف نجد أن الصخر تفتت وصار لونه أسود ويسميه الجغرافيون الرق، كما تنتشر الزوابع الرملية بشكل كبير، تنتشر في هذه المنطقة الوديان الجافة باستثناء وادي درعة الذي يعد أطول نهر في المغرب (1200 كلم ) والحياة في هذه الربوع نادرة، اللهم جانب الأودية حيث تنتشر الواحات، مثل واحة آيت الساون وواحة أكدز التي تحيط بها جبال جرداء مخيفة ومرعبة. الحياة هنا لا تطاق ولا يسعني سوى أن أقف إجلالا واحتراما للأهالي الذين يقاومون الطبيعة بكبرياء وكذلك للمستكشفين وعلى رأسهم فوكو الذي مر من هذه الأرض ممتطيا صهوة بغل، وواصل الرحلة بعزم لا يلين. لقد شعرت أن السفر ليس كلاما يقال ولكن تجربة تعاش، لقد قال لي أحد المسافرين الذين دار حديثي معه : 《 أنت محظوظ لأنك أتيت في هذا الوقت، ففي الصيف تنعدم الحياة هنا》 وقلت معي نفسي : إذا كان الربيع صيفا هنا، فكيف سيكون الصيف في هذه الطبيعة المتجهمة والغاضبة؟ ففي الربيع لا طائر يطير ولا وحش يسير، اللهم الشمس المتفرسة كالوحش في السماء ترعب الزوار ويقف أمامها المحليون بإباء شديد، ولم يتغير حال المنطقة مرورا من تيميدرت وتنزولين، وبنزولي . وها قد حل الغروب وتستقبلنا زاكورة، تشتهر بالفخار وعلى منبسطها ومنبسط تزارين ينتشر النخيل وأما أنواع الغلات الأخرى فهي الحبوب والمزروعات التسويقية واللوز والتفاح والمشمش والرمان والحناء والبطيخ الاحمر. ويرجع اسم زاكورة إلى حصن تزكروت وغير بعيد عن المدينة توجد قرية تمكروت التي تحوي مخطوطات قديمة وكتب ترجع إلى قرون طويلة، سنة 1575 أسس عمرو بن أحمد الأنصاري بتامكروت التي بعد عشرين كلم عن زاكورة أكبر زاوية عرفها تاريخ المغرب الحديث وهي الزاوية الناصرية. إذ قام الشيخ محمد ابن ناصر بالزاوية الناصرية خزانة بجلب إليها الكتب من المشرق والمغرب حتى وصف بصقر الكتب لحبه اقتناءها بشتى الوسائل ثم جاء ابنه أحمد الخليفة من بعده وبنى بجوارها مدرسة لايواء طلبة العلم وواصل استقطاب الأساتذة من مختلف جهات البلاد، اكتسبت خزانة الزاوية الناصرية منذ نشأتها صيتا عالميا لما تضمه من كتب ومخطوطات فاق مجموعها أربعة آلاف كتاب. وكم تقنا لزيارتها بعد أخبرني بذلك الرجل الدرعي التي جلس جواري من ورزازات إلى زاكورة، بعد أن أخبرته برحلتي، فقال لي : 《من اللازم أن تزور مكتبة تمكروت》 .

عبد الله عنتار / زاكورة - المغرب/ 9 أبريل 2018







اخر الافلام

.. مقتل القيادي الحوثي صالح الصماد في غارة للتحالف العربي باليم


.. روسيا تتهم الغرب بتعكير الأجواء في سوريا


.. داعش يهدد باستهداف الانتخابات العراقية




.. رعاة الاتفاق النووي يتصدون لمحاولة ترامب تعديله


.. لبنان.. الحملات الانتخابية وورقة العلاقة مع حزب الله