الحوار المتمدن - موبايل



ج2 من 5ج/هوامش سريعة على كتاب - تاريخ الإسلام المبكر-: مصحف برلين وأقدم ذكر للنبي العربي في المصادر البيزنطية.

علاء اللامي

2018 / 4 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


نواصل في هذا الجزء من مجموعة الهوامش السريعة التي سجلناها على كتاب "تاريخ الإسلام المبكر" لكاتبه محمد آل عيسى.
6-ويقول محمد آل عيسى إن (أقدم كتاب عن السيرة المحمدية كتب بعد مئتي سنة من وفاة محمد المفترضة. والتراث الشعبي يعني أن نتذكر فقط الأشياء التي نريدها. فالنصوص الإسلامية الأولى لا تذكر محمدا بالاسم.) الكاتب يؤكد هنا أنه جاهل تماما بموضوع التأرخة، وحتى بالفرق بين التاريخ والتأريخ وكتابة التاريخ لدى العرب المسلمين. لنقرأ ما كتبه الباحث التراثي العراقي الراحل هادي العلوي (بدأ اهتمام العرب بالتأرخة مع الإسلام. وأول كتاب كتبوه هو السيرة النبوية وكذلك الحديث النبوي. وقد ظهر الرواة "الشفهيون" أول الأمر، وكان هؤلاء من الصحابة وتلاميذهم "التابعين"(الصحابي هو الذي عاصر النبي والتابعي هو الذي عاش بعد عصر الصحابة مباشرة ولكنه لم يعاصر النبي). ثم ظهر المؤرخون في بوابات القرن الثاني الهجري (أي بعد أكثر من مائة عام بعقد أو عقدين وليس بعد مائتي سنة كما كتب آل عيسى)، ليدونوا وينظموا ما سمعوه من الرواة. وأقدم المؤرخين هو أبو مخنف لوط بن يحيى المتوفى سنة 157 وقد كتب عددا وفيرا من التواريخ المبكرة لم تصل إلينا شأن المبكرات من التصانيف إلا أنها كانت مصادر أم "رئيسة" للمؤرخين اللاحقين كالطبري واليعقوبي - من أشهر ما كتبه أبو مخنف قصة استشهاد الإمام الحسين بن علي وعدد من صحبه وآل البيت النبوي في موقعة الطف بكربلاء حيث حصارهم الجيش الأموي وقتلهم وسبى نساءهم إلى دمشق الشام في القصة المأساوية البطولية المشهورة. ع.ل - وعن أبي مخنف روى الطبري في تاريخه معظم تفاصيل تلك الواقعة. ووجود هذه المدونات المبكرة يضفي عليها عنصر التوثيق إضافي على المصادر التي وصلت إلينا لأنها أخذت من تلك الينابيع الأولى. (من كتاب محطات في التاريخ والتراث – هادي العلوي – دار الطليعة الجديدة ص 6). وهذا يعني أن هناك آثار ووثائق مكتوبة منذ بدايات القرن الهجري الثاني أي بعد 120 أو أكثر أو أقل على الهجرة. وهناك أجزاء من مصحف موجود اليوم في مكتبة برلين، أكد العلماء السويسريون بعد فحص الرق الجلدي الذي كتب عليه بواسطة الكاربون المشع انه كتب على الأرجح بعد حوالي ثمانية عشر عاما على وفاة النبي محمد. أما قول الكاتب (إن اسم محمد لم يكن يذكر) فهو مضحك حقا، فكيف كتب ابن هشام السيرة النبوية نقلا عن محمد بن أسحق المتوفي سنة 150 هـ أي انه كتبها قبل عقد أو عقدين من وفاته على الأرجح أي في سنة 130 أو 140 هجري؟ هل كتبها عن شخص مجهول؟ أو عن شبح؟
وعن فقدان الكتب الأصلية التي لم تصل إلينا، بل وصلتنا كتابات واقتباسات مطولة جدا منها أقول: ألا ينطبق على هذه الكتب ما ينطبق على الألواح السومرية أو البرديات الفرعونية التي لا تتحدث مباشرة عن حدث أو ملك معينين مباشرة بل تنقل لنا شيئا بخصوصهما عن ألواح أخرى؟ ألا تتمتع بالصدقية العلمية مثلها وخصوصا انها كتبت بعدها مباشرة بعد بدء الدعوة الإسلامية في مكة، وانتقالها من ثم إلى يثرب بعدة عقود؟ وكيف يمكن لهؤلاء العابثين بالتاريخ أن يصدقوا إذن بروايات وأقاويل كل من هبَّ ودبَّ من مستشرقين وأشباه مستشرقين؟
أين ورد أقدم ذكر للنبي العربي في المصادر غير الإسلامية وخصوصا البيزنطية؟
7-يقول الكاتب (في السجلات التاريخية للقرن السابع لا يوجد ما يمكن تسميته بالإسلام. وعندما جاء العرب إلى القدس لماذا بقي المسيحيون في أماكنهم؟) الكاتب هنا يطرح سؤالين لا علاقة بحثية بينهما. السؤال الأول يحتوي على معلومة مضللة وغير صحيحة تقول (لا يوجد ما يمكن تسميته بالإسلام في القرن السابع في السجلات التاريخية) أي سجلات يقصد الكاتب؟ هل هناك مديرية اسمها هكذا، أم يقصد في " السردية التاريخية المدونة"، وفي أي مكان؟ أ في بلاد العرب والمسلمين أم في الغرب الذي يضع عينه عليه؟ إذا كان يقصد في بلاد العرب والمسلمين فالشواهد المكتوبة والمدونة كثيرة وتعود كما ذكرنا الى منتصف القرن الهجري الثاني ويقابل 760 ميلادي. أما في الوثائق المكتوبة غير العربية فأقدم وثيقة تصلنا عن الإسلام والنبي محمد وتعود للمصادر الرومانية البيزنطية كتبت بعد مدة وجيزة من وفاة النبي سنة 632 م والوثيقة معروفة لدي الباحثين والمؤرخين باسم تعليمات يعقوب المعمد حديثا (Doctrina Jacobi nuper baptizati) وفيها موقف وكلام سلبي جدا عن النبي العربي الكريم وعن الدين الجديد ضمن حوار بين يهودي تحول الى المسيحية وبين عدد من اليهود. و كتب أحد المشاركين في الحوار أن شقيقه كتب له كلاما سلبيا عن نبي جديد ظهر وسط الشرقيين. وكتب شخص آخر كلاما سلبيا أيضا يهجو فيه النبي العربي ووصفه بأوصاف الشدة والتبشير بالحرب، وهذا يؤكد أن وجود النبي كان معروفا لجهات الدينية المسيحية واليهودية في ذلك العهد، أي حين كان النبي على قيد الحياة والتأسيس لدينه ودولته، ولكنهم لم يذكروا اسم النبي العربي في هذا الجدال أو المناظرة بل ذكروا صفاته، ربما لأنهم يجهلون اسمه، أو قد يكون ذلك تجاهلا له ضمن سياق الهجاء والذم لعدوهم الديني والدنيوي القادم. وهذا ليس أمرا جديدا فلم يكن اليهود وأحبارهم يذكرون اسم يسوع المسيح بل يشيرون إليه بأوصاف سلبية عديدة.
ونحن نذكر هذه الوثيقة من باب التوثيق ليس إلا، ولا يهمنا المضمون الوارد فيها لأنه يدخل في أجواء معاداة يحملها أصحاب أديان قديمة وراسخة لدين جديد قيد التأسيس ومن قبل نبي جديد لم يعرفوا عنه الكثير ومن الطبيعي أن ينظروا إليه بسلبية شديدةسيما وأن اليهود كان لهم وجود في يثرب وكانوا شهودا على قيام دولة الإسلام فيها وكانوا طرفا في الأحداث التي حدثت لاحقا. وربما كان شقيق الشخص اليهودي الذي ورد ذكره من يهود يثرب.
8-ولكي ننتهي من هذا الزعم حول "لا حقيقية النبي محمد" التي يكررها بحماس آل عيسى نقول، نسجل أيضا أن هناك مصادر أخرى معاصرة لعهد النبوة وصدر الإسلام، مثل كتابات وعظات البطريرك صوفرونيوس Sophronius بطريك أورشليم القدس ( ولد سنة 550 م وهو الذي استقبل زعيم العرب المسلمين وخليفتهم عمر بن الخطاب وسلمه مفاتيح المدينة المقدسة). وكتاباته تعتبر أقدم نص غير إسلامي يتحدث عن الفتوحات التي بدأت بعد عامين من وفاة النبي العربي، أو بعدها مباشرة بحسب الروايات والاعتبارات التاريخية، أو كما يصفه الباحث حسام عيتاني في كتابه (الفتوحات العربية في روايات المغلوبين) ، أول صوت مسيحي يتحدث من موقع الحدث / الفصل الثاني من الكتاب.
لقد كتب البطريك صوفرونيوس رسالة إلى المجمع الديني الخلقيدوني في روما ويرجح المؤرخون أنها كتبت في سنة 633 أو مطلع 634 م. أي قبل قرن ونصف من بدء العرب المسلمين حركة التأليف التاريخي. وفي رسالته هذه يحرض البطريك القيادة الدينية في روما على مساندة المسيحيين لمواجهة البرابرة القادمين شاهرين سيوفهم. وبعد سنة من رسالة البطريك، حالت غارات العرب المسلمين بين الحجاج المسيحين والوصول إلى مدينة بيت لحم في فلسطين. فألقى البطريك عظة دينية في ظروف الحرب مفسرا غارات العرب المسلمين بانها عقاب من الله للمسيحيين بسبب ابتعادهم عن تعاليم دينهم ...الخ. ونقرأ في موقع البطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس على النت في سيرة حياة البطريك سوفرونيوس الآتي (ثمّ كان الفتح العربيّ الإسلاميّ وحوصرت أورشليم سنتان. فاوض صفرونيوس، على أثرها، الخليفة عمر بن الخطّاب، فأمّنه على المسيحيّين وأماكن العبادة التابعة لهم وفُتحت أبواب المدينة. كان ذلك سنة ٦٣٨م. لم يعش قدّيس الله بعد ذلك طويلاً لأنّ الرّب الإله اختاره إليه. كان ذلك، فيما يُظنّ، في حدود العام ٦٣٩م.)
9-ثمة أيضا ما ذكره المؤرخ الأرمني سيبيوس الذي عاش وكتب في القرن السابع الميلادي أي في عصر النبي محمد، وكتب سيبيوس أن رجلا ظهر بين العرب وادعى النبوة، وانه أعاد الاعتبار الى صلة النسب التي تربط العرب بإسماعيل (بن النبي إبراهيم القادم من أور الكلدانية). وفسَّر ذلك بأنه تم بإيحاء من اليهود، وعاد سيبيوس ليفسر الأحداث وكأنها عقاب من الله للمسيحيين جراء الخطايا التي ارتكبوها. وأطلق سيبيوس على العرب المسلمين اسم " الوحش الرابع" الذي يريد أن يبني المملكة الرابعة الشريرة" في إشارة الى ما ورد في التوراة - سفر دانيال عن المملكة الرابعة الوحشية والشريرة.
*ولكن الصوت الأكثر شهرة في الغرب والذي تكلم عن العرب المسلمين في العقود الأخيرة من القرن السابع الميلادي هو صوت يوحنا الدمشقي "يوحنا منصور بن سرجون" الذي ولد سنة 676 م أي بعد نهاية عصر الخلفاء الراشدين بمقتل علي بن أبي طالب بثلاثة أعوام تقريبا، وبدايات الدولة الأموية. وكان والد يوحنا يعمل موظفا كبيرا في بلاط الخلافة الأموية، وقبله كان جده يعمل رئيساً لديوان الجباية المالية فيها، بعد ان كان مسؤولا ماليا في الدولة البيزنطية لدى الإمبراطور هرقل. ويعتبر هذا الراهب مثقفا يجيد اليونانية والعربية، وكان له موقف سلبي جدا من الإسلام ونبيه، وله رسائل عديدة في هذا الباب. وقد ترك مؤلفين هما محاورتان ساقهما بين مسيحي ومسلم، وكان الغرض من هذين الكتابين أن يكونا مستنداً مساعداً في مناقشة المسلمين، شدد فيها على كون المسيح ابن الله وحرية الإرادة الإنسانية التي أنكرها الأمويون (ضمن ثنائية: هل الإنسان مخير أم مسير؟)، في كتابه De Haeresbius (الهراطقة). واعتبر يوحنا الدمشقي الإسلام نوعاً من المسيحية المهرطقة. وفي الكتاب المذكور، سردَ الدمشقي قائمة مائة هرطقة ظهرت بين القرن الأول والقرن السابع، ونال الإسلام الترتيب المائة في تصنيف الدمشقي.

التشكيك بوجود مدينة مكة القديمة وتوثيقات العلامة جواد علي في موسوعته "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام".
10-يشكك محمد آل عيسى بوجود مدينة مكة القديمة باعتبارها مهد الإسلام، فتارة ينكر وجودها في موضعها الجغرافي المعروف وتارة يقول إن الاسلام ولد ونشأ في الشام ثم انتقل إليها، وهو يكرر مقولات باتريشيا كرونه في كتابها " الهاجرية " (Hagarism) ويرجم خطأ احيانا بـ "الهاجريون"، نسبة إلى الشخصية التوراتية والقرآنية هاجر زوجة النبي إبراهيم وأم النبي إسماعيل الذي تنسب إليه العرب المستعربة " العدنانيين"، ورأيها القائل بوجود موقع آخر مفترض واحتمالي لمكة قرب البتراء في الأردن الحالي. إن آل عيسى يكشف بكل هذه المقتبسات المنتزعة من سياقات مختلفة ومتباعدة عن أنه لا يحمل فكرا شخصيا يخصه هو، بل يقوم بعملية مونتاج تأليفية لأقوال وكتابات كل من شكك أو قال سوءاً حول الإسلام وحول وجود مكة. وحتى السيدة كورنه احتفظت بشيء من الأصالة الشخصية هي وشريكها في تأليف الكتاب مايكل كوك، وقدمت حججا ومقاربات نظرية يمكن لنا مناقشتها ونقدها ورفضها أو قبولها، ولم تكتفِ بتجميع نظريات ووجهات نظر غيرها لتجمعها في كتاب شامل حول الإسلام ككل أي كدين وقصة تاريخية ...الخ.
كما أن آل عيسى يستنسخ ويستلهم خبط عشواء محتويات الفيلم الوثائقي التاريخي الذي صنعه توم هولاند، المعروف باسم " ظل السيف: معركة الإمبراطورية العالمية و نهاية العالم القديم- 2012 "، وهولاند شخص لا علاقة له بعلم التاريخ، وهو أقرب الى الصحافي الهاوي المغامر وحتى في سيرة الشخصية المعلنة نقرأ انه (كاتب ومؤرخ شعبي قدم بعض كتب غير أكاديمية، وعمل مع إذاعة البي بي سي، وقدم لها برنامجين تلفزيونيين تاريخيين. وبعد الضجة التي أثارها فيلمه "ظل السيف" الذي حوله الى كتاب، أعلنت أكاديمية التعليم والبحوث الإسلامية (Islamic Education and Research Academy (IERA)) والتي يرأسها أنتوني واكلاو كرين (Mr Anthony Waclaw G Green) ومقرها المملكة المتحدة أن الفيلم الوثائقي "غير دقيق تاريخيا" وأن "التحيز فيه واضح". وقد صرحت "إيرا" في بيان لها (أن في الـ74 دقيقة للفيلم كان الفيلم ملئ بالحجج المعقدة والمعتمدة على المنح الأكاديمية، حيث أنه كان يجب على هولاند أن يقضي وقت أكثر مع المؤرخين الإسلاميين بدلا من إضاعة وقته في التعلم من البدو).







اخر الافلام

.. جائزة -بايو- تكرم ضحايا النزاعات من مراسلي الحروب


.. تركيا: قصور البوسفور للبيع وأثرياء الخليج أول الزبائن


.. أكثر من 60 ولادة يوميا في -مصنع الرضع الجدد- بإقليم خوست الأ




.. بعد اتصاله بالعاهل السعودي.. ترامب -يبرئ- الملك سلمان من اغت


.. في ساو باولو البرازيلية.. سيارات مصفحة للوقاية من السرقة وال