الحوار المتمدن - موبايل



الدين والتوسط الكهنوتي وبدعة المرجعية الفكرية.

عباس علي العلي

2018 / 4 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الدين والتوسط الكهنوتي وبدعة المرجعية الفكرية.

الكهنوتية ظاهرة دينية متجذرة في الواقع الإنساني ولا يمكن أن تكون بهذه القوة والحضور لولا قدرتها على تحريف الوعي الديني وجره للزاوية التي تريدها كي تنفذ للعقل الديني، ومن خلال السيرة التأريخية للتدين في حياة الإنسان نجد أن أول بذور الكهنوتية وصورها عندما ألتقط البعض فكرة أن الألهة التي تعبد لا تنطق ولا تتكلم، وبالتالي فهي بحاجة لوسيط بينها وبين الناس يترجم إرادتها وما تفرضه عليهم، كان ذلك في عصر الطوطمية الأولى عصر عبادة الأجداد والأصول والظواهر الوجودية، فمن كان يملك أسرار التواصل بين الطوطم وبين الناس كان هو الكهنوت الذي بيده أن يحرك المجتمع المتعبد كيف يشاء، قد لا تكون هناك أهداف أخرى غير الدافع النفسي الذاتي للكاهن في أن يجد له مكانا في حضيرة القوة والأمتيازات التي تمنحها هذه الصفة.
مع بدء الرقي العقلي البشري ومع تحول العبادات البشرية من عالم الطوطمية إلى عبادة الألهة التي في غالبها أما خفية متخفية لا يعلم بها إلا قليل أو أنها بعيدة جدا متوزعة في أركان السماء، كان التحول هنا بسيطا فقط ومنسجما مع المقدمة السابقة في المفاهيم أما في عمف الجوهر فبقي كما هو، سلطة وتسلط مقابل خضوع وقبول يفسر على أنه إيمان كامل بالألهة ورغباتها وقوانينها، وبهذا شكل التدين هنا نوعا أخر من العبودية المؤطرة بالقداسة والعظمة والجبروتية المطلقة، فبعد عبودية السلطة السياسية والاجتماعية والأقتصادية وأستبداها صارت الشراكة التبادلية والتخادم بين الكهنوت والسلطة السياسية عمود قيام المجتمع الإنساني وجدليته التي لا بد منها لتبرير التدين، الأول يظهر إيمانه وقداسته للألهة والتقرب منها والثاني يقدم بركاته ويأمر عبيده بالأنحناء لصاحب السلطة والسلطان.
في التحول الأهم في حياة البشر مع بدء عصر الرسالات والأنبياء لم يجد الكهنة دور ولا فرصة مناسبة للتحدث بالنيابة عن الله بوجود الرسول والنبي الذي في الغالب كان بين يديه معجزات أو خوارق لا يمكن للكهنوت أن يأت بمثلها، كانت المرحلة التبشيرية بالديانات السماوية مرحلة تعقل وفهم وإدراك جديد مختلف عن فترات التدين عن طريق الكهنوت، المشكلة ظهرت مرة أخرى برحيل هؤلاء الأنبياء والرسل وبدء فترة التنافس على زعامة الدين الجديد وتوجيههة والأستمرار به، مع وجود بقايا من المؤمنين الحريصين على نسقية الإيمان الرسالي ومدافعون عنه وقد يكون لهم المشروعية في الحفاظ على الدين من أصوله التشريعية، ولكن أيضا بقائهم كان محدودا بالزمان والمكان مع ضعف التواصل والأتصال والنزاعات التي حصلت بين الأتباع نتيجة ظروف وعوامل في الغالب مصلحية ذاتية لأطرافها وليست لمصلحة الدين أو منه.
وأخيرا مع ختام الرسالات وأكتمال الصورة الدينية بكل تفاصيلها كما جاء في الدين الإسلامي حدث النزاع سريعا بين خلفاء النبي، بين من فسر وأول وصاغ نظريته على أساس نتائجها وبين من تعلل وتصور وفكر وأفتكر أنه على الصراط وغيره في الضلالة، فظهرت الأحزاب القطبية أولا حزب قريش ومن ولاها وتمسك بالواقع الذي كان وحزب بني هاشم ومن أتبعهم على أساس أن الدين وجد ليبقى مرشدا ودليلا وخطة عمل لا علاقة لها ببقاء أو رحيل النبي، قد لا نجزم أن الدين في طبيعته هذه مصدر أختلاف وفرقة لأنه لم يحدد بوضوح أليات ومناهج الخلافة، ولكن نفهم أن الدين مجرد معرفة تحفيزية للعقل تطرح تصورات مثالية وإجمالية وتترك الإنسان لخياره وحريته في تبني الطريق وفقا لما يعتقد بأنه الصواب، وهذا هو سر قولنا أن الدين بهذه الوضعية حرر الإنسان من عبودية وتسلط مفهومه الذاتي للدين، بمعنى أنه مجرد أن يرسم لك خريطة وجوديه فيها خيارات ويترك لك حق المقاربة والمقارنة ويشدد عليك أنك حر في خيارتك، لكنك غير حر أيضا في رسم وتحصيل النتائج المتوقعة منطقيا وعقليا من قرارك الحر، هنا الدين قد وضعك موضع الأحرار وما عليك إلا البحث عن أقضل السبل التي تنجيك مما في التجربة وما بعدها من أبعاد غائية.
أن تكون حرا في دينك يعني أن تكون حرا في دنياك وهذا ما يشترطه العقل السليم حين يقرر ما يريد، فالعقل أيضا يؤمن بالحرية منطلقا حتى يكون في قراره الإيماني يعرف تماما حدود مسؤوليته الوجودية على مستوى التجربة وعلى مستوى النظام العقلي أصلا، حينما يريد أن يكون العقل حرا لا بد أن يضع نفسه موضع الفاحص الغير ملزم بمسبقات ومقدمات وجوبية، لأن ما بني على الوجوبي كل نتائجه ستكون قهرية ملجئة لا أثر عقلي منطقي فيها، فلو قدمت أصلا لهذا العقل طريقين أبيضا وأسودا وألزمته جبرا بالطريق المحدد منك وطلبت منه أن يتعقل بحرية، لا يمكنه أن يختار بفعل قدرته وقراره لأنه ملزم أصلا بطريق وليس بطريقين، وهنا سيتم أغتيال العقل ووضعه في سجن العبودية من أول لحظة، النتائج المتوقعة أما تمرد وكفر بقرار الألجاء وبالتالي لا بد من السير في الطريق المخالف حتى لو كان غير حقيقي وغير منتج، أو الرضوخ الأعمى وكل محاولات التعقل التي يحاول أن يفعلها تكون في حدود تزيين السجن وتلوين جدرانه على أنها جميلة وومتعة.
هل قال الله تعالى في نص أو مناسبة أنه لا بد من وسيط بينه وبين الناس أو مترجم أو مفسر وهو الذي يسر الذكر وبين ما يحتاج له الإنسان في دنياه؟، الوساطة بكل أشكالها إذا أرتدت ثوب الإلزام فهي باطلة لبطلان مقدمتها ولا تبني إيمانا حقيقيا، قال الله بشيئين ونحن عليها وفيها أولا الأتباع بإحسان (الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه)، والثاني بأمر الطاعة {أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم لعلكم تفلحون}، والإطاعة أمر خياري لأنه جاء من باب الأمر الإرشادي وليس المولوي كما في (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، ولأن الإيمان أصلا أختيار وموقف في الحياة، إن النقطة الأهم في تجديد الروح الدينية اليوم هو أن ننجح في رفع الأغطية الثقيلة والحجاب المفروض علينا كهنوتيا ومن باب تقليد من سبقنا في الدين وجعلوا منه الباب الوحيد للوصول لله ولحكمه وإرادته.
إن تضمين الإيمان شرط قبول الوصاية والوساطة بين الله والناس وجعله من شروط الصحة والتام شكلا فاضحا من أشكال الكهنوتية التي لا تتوافق لا مع منج الدين وحقيقيته، ولا تتوافق مع كون الإنسان كائن معرفي متعقل له الحرية في الوجود مطلقا كما له الحرية في أن يكون كما يريد، لا أكراه في الدين تلك القاعدة التحررية التي حاربها الكثير ممن يسمون أنفسهم فقهاء وعلما وقالوا أنها من المنسوخات والتي تم إبطال حكمها مع نزول آيات السيف والدعوة الجبرية، فهم يكذبون مرتين على الله فلا ناسخ بمعنى الفسخ والإبطال في النصوص، لأن النسخ بمعناه الذي ورد في القرآن هو أعادة فرض حكم ونسخه مرة ثانية ليكون جزءا من أحكام الدين، وبكذبون مرة أخرة حين يدعون بأبطال أحكام وتعطيلها كأن الله أراد لها أن تكون زيادة وعبث لا فائدة منه في النصوص، ولو كان الله حقيقة أراد تعطيل الحكم لأمر نبيه بحذها وأو القول بأن أية لا أكراه باطلة ومعطلة ولا يجب أن تكون في كتاب الله.







اخر الافلام

.. هل يصبح حمزة بن لادن يوماً زعيم الإرهاب الجديد؟


.. إيران تحتضن إبن اسامة بن لادن


.. جماعة بوكو حرام تهاجم قرية قريبة من بحيرة تشاد




.. المستوطنون يستأنفون اقتحام المسجد الأقصى


.. -قُطّاع الطرق الجدُد- مافيات إيران وميلشياتها الطائفية تعترض