الحوار المتمدن - موبايل



حين يفهم القارئُ برجليه

سامي عبد العال

2018 / 4 / 13
كتابات ساخرة


ذهنية الأرجل ( الأقدام / الحوافر ) هي قلبٌ للفهم رأساً على عقبٍ، ودلالةٌ على انحطاط معاني القراءة عند مستوى الأقدام. حين يفهم الإنسانُ برجليه، فإنَّه يتوجه بنزوع جسدي نحو التعصب والانغلاق. ويَعتَّبرُ أيَّ موضوعٍ معركةً من الركل المتبادل لا يملك فيها غير الركض والمزاحمة. وبذلك يقضي على أهم وضع تشريحي لوجود العقل وآفاق الفكر من حيث إنسانيته. ومقارنةً بوظائف الأقدام في الثقافة العربية ما بين الرقص والتَّسفُل وهز البطن وحركة الارداف، لم يعد ثمة نشاطٌ اسمه المعرفة والتفكير في المجال العام.

إذن المسألة ملحةٌ وتحتاجُ إلى تحليلٍّ خاصٍ، يكشف أبعادَّها. لأنَّ ذلك الوضع المعكوس ينذرُ بقلب نظام المجتمع ككلٍّ نحو عملية الفهم بالأقدام، وهي عبارة عن تكريس لسياسات خاطئة لا تدرك مسار التطور وكيفية وضع المشكلات وضعاً صحيحاً، وأية حلول تغدو ناجعة للقضايا الإنسانية في الحياة. ويبدأ القلب الخاطئ من الفرد الذي يلغي إرادته ويتعلق بالأوهام.

والأحذية ترتبط باستعارة التغطية للأرجل التي نخفيها، فما بالنا إذا كانت الأحذية هي موضع الرأس المفكر؟ بهذا المعنى لا يرضي القارئ سوي بارتداء أحذية العقل كما لو كانت حاجبة له من الهواء النقي الخاص بتلاقح الأفكار وتوسيع المدارك وشحن القدرات على النقد. فالأرجل عكس العقل، الأرجل تُغطَّى عادةً، بينما العقل فيجب تعريته، لا ينبغي تغطيته وحجبه عن العالم والحياة.

الأرجل والمؤخرة صنوان في إظهار كم يكون المواطن مغلُوباً على أمرة. لأنه نتيجة تغييب العقول في المجتمعات العربية بدا الاهتمام زائداً بالأسفل حتى تضخم على حساب الأعلى. وبالتالي يتم النظر إلى المقروء كواقعة حسية غريزية تدعو إلى الاستنفار. ولو كان ممكناً رسم صورة لهذا القارئ، لظهرت قدماه فوق كتفيه بينما رأسه بالتراب والوحل.

لتتابع بعض الفضائيات ستجد كما مهولاً من الرقص الخائب والتعري الحسي والغناء المخنث بتأكيد سياسي، أي أنَّ الأنظمة الحاكمة تجعل من التفاهة أسلوباً لإدارة الذوق العام، فالمواطن الذي مؤخرته وأرجله بأعلى جسده يسهل إخضاعه. ولن يكون عصياً على الانقياد، والنكاية فيما هو إنساني أن بعض المواطنين لا يدركون اللعبة، يدافعون عنها دفاعهم عن كيانهم. وإذا وقعت بين رجليه نصوص وآراء مهمة لن يجد كبير مشقة سوى ركلها.

والصورة هنا ليست سوريالية صرفاً، لكنها افرزت عقولاً مشوهة، مقزمة تتلهى بالأفكار الكبرى كأنها تعجن طيناً. ولم يعد ثمة أسس لماهية القراءة ولا سوق صحي لتبادل الأفكار وتنقيح الآراء واجراء الحوارات. فهذه الأشياء تخضع لمقاييس حسية ابتداء، ماذا نأكل من ورائها، ماذا تقدم لنا، كيف نغلب خصومنا بالكلام والغوغائية؟! هذا إذا لم تُدْهس الافكار كما يدهس الارهابيون المواطنين العاديين في شوارع باريس ولندن وبرلين.

بجانب ذلك ليس التعامل بالمؤخرة كدماغٍ مجرد طرفة عابرة، ولا هي مثلية جنسية، لكنها مثلية فكرية تمكنت من رعايا الأنظمة السياسية والاجتماعية المستبدة. تضع صاحبها في كتلة من اللحم الذي يفكر بالعاطفة والإحساس بمثيرات ديماجوجية من الخارج( مفروضة عليه)، ولا يستطيع احتكاماً إلى معايير واضحة ولا نقدية، إنما يُساق مع ( المؤخرات/ العقول) في جو من الدعاية والتعبئة والاحتشاد ولافتات السياسة التي هي بالنهاية افرز لمؤخرات الحكام والمناخ الفكري الموبوء.

تجد القارئ / المؤخرة يعبد الشعارات التي لا تجعله مختلفاً عن المهووسين بالعنف الديني، إنه لا يملك وقتاً للقراءة مثل الحصان عندما يقدم له الطعام يأخذ في الصهيل وضرب رجليه الخلفيتين بالأرض فرحاً بما يتناول. وقد أخذ في هش ذيله مع تحريك مؤخرته باستمرار. لكن الفارق أنَّ قارئاً من هذا الصنف يشتم أقل أفكار تخالف فكره أو تعارض ما صُمم عليه كجهاز عضوي لاقط. ويتلقى ما يقرأ بقدميه فتراه يدهس المكتوب لعله يمزقه ويصدر حكماً قاطعاً أن الكاتب كافر تحت عناوين مختلفة علمانية أو دينية أو سياسية.

والذهنية هنا ممتدة في كافة الاتجاهات الفكرية العربية من أقصى اليمين إلى أطراف اليسار، لا يجيد القارئ تفريغ شحناته البيولوجية مع فعل القراءة. إنما يستنفر حواسه لتصبح جلداً (كالدروع الواقية) لمحاربة أي جديد، أي فكر منفتح. المهم لديه أن يؤكد وجهة نظره – التي ليست له- بالنفخ والارتعاش والتشنج بين الكلمات. حالة عصبية متقلبة تجعل عالمه ضيقاً ولا يرى الأوجه الأخرى للقضايا، أوضاع هوائية مستثارة لأقل القليل شاعراً أنه يدافع عن جسده ضد الغزو الشيطاني الذي يحاول أن يسكنه.

المؤخرة هي الثقل الجسدي الذي يعادل الجاذبية كي يسير الفرد معتدلاً، لكن عندما يستبدلها مكان عقله منتشياً بكونه كتلة من اللحم الاجتماعي السياسي، فلا يعني أنه يتشكك في الجاذبية أو يعادل متغيراتها، إنما يكشف جاذبية ثقافية من نوع ما هي المشجعة على اختزال الأفراد في مؤخراتهم، كونهم مادة لسياسات القهر والاستعباد. فالتربية الثقافية هي من ترسخ مفهوم المؤخرة داخل العقل، بتفاصيل الرأس جميعاً وليست في مكانها الطبيعي. فالنظر، السمع، الحركة، الرؤية كذلك على هذا المنوال.

وربما لا أمل هنالك للخروج بسهولة من هذا الوضع المقلوب، بل الأكثر انقلاباً. لأنَّ ثقافتنا العربية قائمةٌ على العلف، لا يفرق ظهر من بطن، أرجل من رأس، وذلك نتيجة اعتبار النتائج السياسية مبشرةً على هذا الصعيد. فالمواطن مجرد افراز لإحساسها اليومي بالحيوانية. مما يضع أمامنا ظاهرة التفكير بالمؤخرة، دون تمييز ولا ابداع، بل يخضع المواطن إلى سوق المؤخرات في أغلب مجالات السياسة والمجتمع.

ومن ثم لا تتم القراءة بالمؤخرة فقط، بل كل شيء يتم عن طريقها لدى المواطنين العرب الذين ربوا وعلفوا سياسياً واجتماعياً على ذلك. الجري في المجال العام بالمؤخرة، بل هو مجال المؤخرات بامتياز تاريخي ( ألاَ ترى أن المؤخرات هي ما تميز تلك المنطقة العربية الموبوءة بها؟ ) التصويت الانتخابي بمؤخرته، العمل النقابي بمؤخرته، الفهم بمؤخرته، المشاركة الحزبية بمؤخرته، التظاهرات بمؤخرته، ماذا يبقى غير أن يعلق مؤخرته فوق رأسه ليدرك العالم والحوار والآخرين.... وقد تم ذلك بالفعل نتيجة ثقافة التلقي السلبي ( الصب في المصالح ).

شاع تعبير أن سياسات الاصلاح الاقتصادي في بعض الدول العربية تصب في صالح المواطن، ولعل سخرية من قرأ العبارة على مواقع التواصل الاجتماعي يعني أن هناك من يخجل من تلك العملية. لأن الإيحاء لا يخفي التماثل بين الإدراك بالعاطفة وبين تحويل المواطنين إلى حصالة لجمع من المصالح مجهولة الهوية. إذن في كل الأحوال سيكون المواطن منفعلاً وليس فاعلاً، رديفاً وليس متقدماً!!

والسبب جد خطير: أن هؤلاء المواطنين مجرد مؤخرات للأنظمة السياسية العربية، وتحرص الأنظمة شديد الحرص على تربية هذا القطيع من المؤخرات الضخمة بلا نهاية. ولو ودت لجعلت كل المواطنين بلا عقول، بلا شعور، بلا فهم، بلا نقد. فقط مجرد مؤخرات تصب فيها القرارات وتستعملها وقتما تشاء. بالمقابل فقد استكان المواطن إلى مؤخرته التي لا تخيب ظنه في التعامل مع الحياة، فخير لك أن تكون مؤخرة يعبث بها الحكام وتعبئها الثقافة الشائعة من أن تأخذ التفكير على محمل الجد، فلا وقت هناك لإجهاد العقل في تحديد المشكلات ومعرفة السياق والتحليل وفهم ما يقال حتى تتبلور الرؤى والمواقف.

إن بعض القراء العرب هم أداة غبية في أنظمة المؤخرات. والموضوع ليس هزلاً لكنه قمة الجدية لدرجة أنَّه بإمكاننا أنْ نبرز تاريخ المجتمعات العربية من خلال الفكرة السابقة. ولذلك ليس غريباً أنْ يدلى بعض القراء بتعليقات وآراء كأنهم يمارسون " اهتزاز المؤخرات". مثل بعض الطيور – كالطواويس المخاتلة - التي تنكفئ نحو الأمام ثم تنتصب ريشات المؤخرة مؤدية رقصات إغراء لكي يفهم الطرف الآخر ماذا تريد.

والقارئ / المؤخرة كائن مفرغ من إمكانية التروي واتخاذ موقف عقلاني. دوماً لا يجد ذاته إلاَّ فيما يملأه من وظائف خارجية. والقراء بهذا الوضع هم من يمثلون وقود المعارك في الأنظمة الاجتماعية ويحرقون قيم الحرية والتمرد. لكونهم اعتادوا على ادمان الأصوات الجوفاء والقضايا الفارغة دون معرفة الواقع، وكيفية تغييره للأفضل. ويغدو أملهم أن يلتحقوا بركب أوهام تصطنع الأعداء والكفرة الذين ينبغي القضاء عليهم!! حين يسئلون عن مبرراتهم يرفعون لافتات : النضال والمقاومة... أي نضال إذا كنتم مجرد أحذية معلقة في فراغٍ!!







اخر الافلام

.. مداخلة الفنانة -درة- و -ايمي سمير غانم- للحديث عن استخدام قص


.. صباح العربية تراب الماس في صدارة أفلام العيد


.. الموسيقى تساعد مرضى الخرف من الشعور بالاكتئاب والتوتر




.. احيا وأموت على البصرة .. الغناء البصري الرائع


.. وحدة لسان الحاج.. دور إنساني يتجاوز خدمة الترجمة للحجاج