الحوار المتمدن - موبايل



ج3من 5ج /هوامش سريعة على كتاب -تاريخ الإسلام المبكر-: مدينة مكة في القرآن والتوراة وفي موسوعة جواد علي

علاء اللامي

2018 / 4 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


نواصل في هذا الجزء من مجموعة الهوامش السريعة التي سجلناها على كتاب "تاريخ الإسلام المبكر" لكاتبه محمد آل عيسى.
11-لنحاول مقاربة قصة تلك القرية الحجازية التي تسمى مكة: لم تكن مكة في صدر الإسلام مدينة بل قرية كبيرة ومن هذا الواقع جاء اسمها القرآني "أم القرى" (لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا- الأنعام ٩٢)، وتقع في واد أجرد، أو تحول الى أجرد بعد انقطاع السيول من الجبال المحيطة به، فهناك إشارات الى انه كان كما يصفه جواد علي في موسوعته (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ص 400 نسخة رقمية) بقوله (يغطيه الشجر الذي انبتته السيول ورعته الطبيعة بعنايتها) وتحيط بمكة ثمانية جبال بركانية. وقد شاهدتها شخصيا قبل عدة أعوام وكانت الجبال في الطريق إلى مكة من جدة أشبه بأكوام أو تلال من الحجر الداكن اللون. هذا الواقع الجغرافي والجيولوجي وكون مكة قرية كبيرة ولهذا سميت أم القرى لأنها أكبر القرى المحيطة بها، هو ما جعل كورنه وقبلها سال دان جيبسون يخطآن ويطيش بهما الخيال فيعتقد جيبسون أنه تخيل مكة (مدينة قديمة ذات أسوار كانت هناك مليئة بالبيوت والجنان والمباني والمعابد) فخاب أمله كما كتب في كتابه "مكة في جغرافية القرآن".
12-إن كون مكة قرية معزولة في منطقة وعرة وبركانية هو ما يجعلها غير ذات أهمية أنثروبولوجية تحتضن الكثير من البقايا الأركولوجية " الاثارية"، والواقع فليست مكة هي القرية أو البلدة الوحيدة التي لم يرد ذكرها في الجغرافيا والتاريخ القديمين قبل الإسلام، بل مئات القرى والمدن الشبيه بها والقائمة اليوم. أما إنكار وجود مكة مطلقا قبل الإسلام أو كونها موطنا لقبيلة كبيرة معروفة هي قريش فهو شيء لا يمكن تصديقه أو القبول به علميا. إن روايات الإخباريين المسلمين عن مكة وماضيها لا يمكن الوثوق به مائة بالمائة كأي روايات أخرى، ولكن أيضا لا يمكن الشطب عليه بخفة. وهذا الموقف النقدي غير العدمي هو موقف الباحث العراقي المعروف جواد علي صاحب أهم موسوعة تاريخية وجغرافية هي " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. جواد علي خصص نصا مهما لمكة وتاريخها تجده على ص 400 من كتابه وخلاصة ما قاله هو الآتي: إنه يتفق بانعدام أي ذكر لمكة كمدينة في العهود القديمة قبل الإسلام. ولم يرد ذكر مكة في نص آخر ملوك بابل نابونائيد الكلداني، والذي أقام في مدينة تيماء وجعلها مركز لعبادة القمر سين لأكثر من عشر سنوات بل ورد ذكر يثرب "يثربو" شمال مكة ويبدو أن الملك لم يتقدم جنوبا في تلك المنطقة الوعرة.
13-ويشكك العلامة العراقي جواد علي في روايات الإخباريين الإسلاميين عن مكة وعن " عام الفيل" ولكنه لا ينفي وجودها قبل الإسلام وهو يرجح أن يكون مكانها الحالي في بطن الوادي (حرماً آمناً يغطيه الشجر الذي انبتته السيول ورعته الطبيعة بعنايتها، ولم يكن ذا سور ولا سكن ثابت متصل بالأرض؛ بل كان سكن من يأوي إليه بيوت الخيام) وفيه البيت الحرام أو العتيق. أما سكانها فكانوا يسكنون في المرتفعات المطلة عليه. ويكتب جواد علي بهذا الصدد الفقرة المهمة التالية (واما أهل المرتفعات فكانوا، إذا داهمهم عدو أو جاءهم غزو، اعتصموا برؤوس المرتفعات المشرفة على الدروب، وقاوموا العدو والغزو منها، وبذلك يصير من الصعب على من يطمع فيهم الوصول إليهم، ويضطر عندئذ إلى التراجع عنهم، فحمتهم الطبيعة بنفسها ورعتهم بهذه الرؤوس الجبلية التي أقامتها على مشارف الأودية والطرق. فلما أسكن "قصي" أهل الوادي في بيوت ثابتة مبنية، وجاء ببعض من كان يسكن الظواهر "العوالي" لنزول الوادي، بقي من فضّل السكن في ظواهر مكة، أي على المرتفعات. يقوم بمهمة حماية نفسه وحماية أهل البطحاء من تلك المرتفعات، وهم الذين عرفوا بقريش الظواهر.
14- يواصل العلامة العراقي الراحل جواد علي بحثه في تاريخ وجغرافية مكة فيكتب (لم تعد لأهل مكة سكان الوادي ثمة حاجة إلى اتخاذ الأطم والحصون، وبناء سور يحمي المدينة من الغزو، لا سيما والمدينة نفسها حرم آمن وفي حماية البيت ورعايته. وقد أكد "قصي" على أهلها لزوم إقراء الضيف ورعاية الغريب والابتعاد عن القتال وحل المشكلات حلاً بالتي هي أحسن. كما نظم أمور الحج، وجعل الحجاج يفدون إلى مكة، للحج وللاتجار. ثم أكد من جاء بعده من سادة قريش هذه السياسة التي افادت البلد الآمن، وأمنت له رزقه رغداً). ويناقش جواد علي موضوع عدم ورود اسم مكة في الكتابات الجاهلية النادرة أصلا ويمكن تبرير ذلك بما ذكرته عن جغرافيتها ووعورتها وقلة أهميتها كواحدة من قرى كثيرة في المنطقة. وبهذا الخصوص كتب جواد علي (ولم نتمكن من الحصول على اسم "مكة" من الكتابات الجاهلية حتى الان. أما الموارد التأريخية المكتوبة باللغات الأعجمية، فقد جاء في كتاب منها اسم مدينة دعيت ب "مكربة" "مكربا" "Macoraba"، واسم هذا الكتاب هو "جغرافيا" "للعالم اليوناني المعروف "بطلميوس" "Ptolemy" الذي عاش في القرن الثاني بعد الميلاد. وقد ذهب باحثون إلى إن المدينة المذكورة هي "مكة". وإذا كان هذا الرأي صحيحاً يكون "بطلميوس" أول من أشار إليها من المؤلفين وأقدمهم بالنظر إلى يومنا هذا. ولا أستبعد مجيء يوم قد لا يكون بعيداً، ربما يعثر فيه المنقبون على اسم المدينة مطموراً تحت سطح الأرض، كما عثروا على أسماء مدن أخرى وأسماء قرى وقبائل وشعوب.
ولفظة "مكربة" "Macoraba"، لفظة عربية أصابها بعض التحريف ليناسب النطق اليوناني، أصلها "مكربة" أي "مقربة" من التقريب. وقد رأينا في أثناء كلامنا على حكومة "سبأ" القديمة، إن حكامها كانوا كهاناً، أي رجال دين، حكموا الناس باسم آلهتهم. وقد كان الواحد منهم يلقب نفسه بلقب "مكرب" أي "مقرب" في لهجتنا.) وفي الفصل نفسه من كتابه " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" يضيف جواد علي (وقد عرفنا من الكتابات الثمودية أسماء رجال عرفوا ب "مكي". ولم تشر تلك الكتابات إلى سبب تسمية أولئك الرجال ب "مكي". فلا ندرى اليوم إذا كان اولئك الرجال من "مكة" أو من موضع آخر، أو من عشيرة عرفت ب "مكت" "مكة". لذلك لا نستطيع إن نقول إن لهذه التسمية صلة بمكة.) وأخيرا يلخص جواد علي رأيه فيقول (ولا أستبعد وجود صلة بين لفظة مكة ولفظة "مكربة" التي عرفنا معناها. ولا استبعد إن يكون سكان مكة القدامى هم من أصل يماني في القديم، فقد أسس أهل اليمن مستوطنات على الطريق الممتد من اليمن إلى أعالي الحجاز، حيث حكموا أعالي الحجاز وذلك قبل الميلاد. وقد سبق إن تحدثت عن ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب، فلا يستبعد إن تكون مكة إحداها. ثم انضم إليهم العرب العدنانيون، ولأهل الأخبار روايات تؤيد هذا الرأي. وقد ذهب "دوزي" إلى إن تأريخ مكة يرتقي إلى أيام "داوود" ففي أيامه-على رأيه أنشأ "الشمعونيون" "السمعونيون"، الكعبة. وهو يخالف بذلك رأي "كيبن" "GIBBON"، ورأي جماعة من المستشرقين رأت إن مكة لم تعرف ولم تشتهر إلا في القرن الأول قبل الميلاد، مستدلةً على ذلك بما ورد في تأريخ "ديودورس الصقلي" من وجود معبد، ذكر عنه انه كان محجة لجميع العرب، وان الناس كانوا يحجون إليه من أماكن مختلفة. ولم يذكر "ديودورس" اسم المعبد، ولكن هذه الجماعة من المستشرقين رأت إن هذا الوصف ينطبق على الكعبة كل الانطباق، وان "ديودورس" قصدها بالذات. ص 402).
15-وأخيرا فهل ينكر محمد آل عيسى مؤلف كتاب" تاريخ الإسلام المبكر" وجود مكة إنكارا مطلقا، أم انه ينكر أن تكون موجودة كمهد الدعوة الإسلامية؟ إذا كان ينكر وجودها مطلقا فهناك الكثير من الأحداث التي حدثت فيها بعد وفاة النبي والخلفاء وبعد انتقال علي بن ابي طالب منها الى الكوفة في العراق والتي صارت عاصمة الإسلام والأحداث الدامية التي حدثت فيها في العهد الأموي كثورة بن الزبير سنة 73 هجرية والتي لا ينكرها الكاتب. المقصود إذن، والهدف الذي يسعى وراءه محمد آل عيسى هو قطع الصلة التاريخية بين الإسلام ومهده الجغرافي مكة دون أن يقدم دليلا واحدا على ما يقول سوى عدم ورود اسم مكة في الآثار الأركولوجية المعثور عليها من قبل المستشرقين الغربيين. ولكنه يسكت سكوتا مريبا عن وجودها كمركز للأحداث في سنوات لاحقة في القرن الهجري الأول. ولنسأل أنفسنا سؤالا منطقيا: إذا كان الكاتب يعترف بوجود مكة خلال ثورة ابن الزبير في سنة 73 هجري فهذا يعني أن الناس الذين كانوا أحياء في زمن هذه الثورة ولدوا سنة الهجرة أو بعدها بقليل أي أنهم كانوا شبابا أو فتيانا وشهودا على انطلاق الدعوة الإسلامية في مكة ومن ثم الهجرة الى المدينة والأحداث التي جرت في سنوات الإسلام الأولى وبعضهم ربما يكون قد شارك فيها أو رأى النبي وصحبه أو حج الى مكة في تلك السنوات؟
أما في الكتاب المقدس - سفر المزامير وفي أشهر ترجماته الانجليزية المنشورة اليوم، كما أشار الصديق منير التميمي، وتجد رابط صفحة الكتاب المقدس في الهامش، فنجد ذكراً صريحا لاسم مكة القديم : ( بكّة ) مرسوما بحرف B كبير (Capital letter ) دلالة على كونه اسماً من أسماء العلم للمكان مقروناً بالتأكيد على كون بكة : ( وادياً جافاً ) وهي الإحالة القرآنية : وادٍ غير ذي زرع .مع صورة لاحد اشهر التفاسير المختصرة لهذا الاسم. ومعروف أن لفظ "بكة" ورد في القرآن أيضا ما يعطي قوة إضافية الى الاسم التوراتي لمكة أو بكة، وتحديدا في الآية 96 من سورة آل عمران (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ).
رابط صفحة تفسير الكتاب المقدس باللغة الإنكليزية.
*http://biblehub.com/psalms/84-6.htm

*كاتب عراقي







اخر الافلام

.. نحو 6.5 مليون سوري يواجهون انعدام الأمنِ الغذائي | الليلة


.. البث المباشر لسكاي نيوز عربية


.. واشنطن وطهران.. انتقادات وتهديدات متبادلة




.. الحصاد-سوريا والقوات الأميركية.. الجبير ينطق عن الهوى


.. الحصاد-ذكرى استعادة سيناء.. صعوبات إنسانية وأمنية