الحوار المتمدن - موبايل



الغزالي في مواجهة ابن رشد... تاريخ من الصراع

يوسف نبيل

2018 / 4 / 15
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مازال الصراع الذي تفجر منذ قرون مضت بين الغزالي وابن رشد يلقي بضوئه على الساحة كل عدة أعوام عندما تظهر قراءة جديدة له، أو طبعة جديدة من كتابي: تهافت الفلاسفة – تهافت التهافت، الذين سجلا حلقة من أهم حلقات الصراع الفكري في تاريخ منطقتنا، ولا أقول هنا الإسلامية؛ لأن أصداء هذا الصراع - في ظني - أكبر من أن تُحسر داخل الديانة الإسلامية – رغم أنها موضوع النقاش ومرجعيته – إلا أن الجدال كان مؤثرًا على العوامل الثقافية للمنطقة التي تضم عدة ديانات، فالإسلام لا يشكل ديانة الغالبية فقط، بل إنه قد أثر على كثير من السمات الحضارية والثقافية بطبيعة الحال.
أعادت هيئة قصور الثقافة طباعة الكتابين، وبالطبع نفذت النسخ في أيام قليلة، ولم أتمكن من اللحاق بنسخة تهافت الفلاسفة، وتمكنت فقط من شراء تهافت التهافت، ثم بدأت بقراءة تهافت الفلاسفة من طبعة أخرى، ومر الأمر بسلام، وحينما بدأت في قراءة تهافت التهافت وجدت صعوبة شديدة جدًا في القراءة بسبب عيب رئيسي في طباعة الكتابة. أعادت قصور الثقافة طبعة دار المعارف القديمة دون أي تغيير، وإذا بي أمام أسلوب غريب جدًا في تنسيق العبارات. النسخة المعاد طباعتها من تحقيق د. سليمان دنيا، وفي كل جملة يقارن سليمان دنيا النسخ القديمة ببعضها؛ فتجد في قلب العبارة الأصلية دائمًا (وفي نسخة أخرى كذا...وفي نسخة ثانية كذا... وفي نسخة ثالثة...) هذه الاستقطاعات المكتوبة في قلب العبارة تشتت القراءة تمامًا، وكان الأحرى بالطبع وضعها في حواشٍ أسفل الصفحة؛ لكن المتبع في قصور الثقافة، وفي مكتبة الأسرة أيضًا، طباعة الكتاب كما هو... في نوع من الاستسهال المشين.
تعكس مُقدمتي "تهافت التهافت" الخلاف الفكري الذي مازال دائرًا بين جزء من مثقفينا حتى اليوم. في مقدمة طبعة قصور الثقافة بقلم أ. د محمد إسماعيل، يتمثل أمر الصراع بين الغزالي وابن رشد أنه صراع بين الظلام والتنوير، ويذكر أن ابن رشد فنَّد آراء الغزالي بقوة، وبيَّن تدليسه وخداعه.... إلخ، بينما لا نجد الأمر كذلك في مقدمة د.سليمان دنيا الذي يحاول أن يوازن الأمر ويُبيِّن مكمن الخطأ لدى كلا المفكرين بادئًا بأن السباب ليس فلسفة بالأساس، ولا يترك الأمر كذلك بل يُتحفنا بكثير من الملاحظات الذكية جدًا عن متن النص نفسه.
ما دافع الغزالي لكتابة: "تهافت الفلاسفة"؟ لن نحاول هنا استشفاف أسباب خفية أو نخوض في تحليلات سيكولوجية، بل سنذكر ببساطة أسباب الكاتب التي درجها في كتابه. السبب الأول للغزالي يتعلق بمعارضته لقضايا فلسفية بعينها، وتنقسم إلى أقسام أخطرها من وجهة نظره ما يتعلق النزاع فيها بأصل من أصول الدين؛ كالقول في حدوث العالم وبيان حشر الأجساد والأبدان... باختصار إنه يخالفهم موقفهم من ثوابت وأصول في الدين ولا يتصور التخلي عن الإيمان بها مطلقًا؛ كاعتقاد وجود الله وبعثة الرسل والتكليف والجزاء وما إلى ذلك من القضايا.
السبب الثاني يرجع إلى طبيعة الأدلة التي ساقها الفلاسفة في قضية "العلم الإلهي"، فهذه الأدلة من وجهة نظر الغزالي لم تصل إلى مرتبة البرهان الذي يحصل به اليقين، وفي هذا يقول: "ولو كانت علومهم الإلهية متقنة البراهين، نقية عن التخمين، كعلومهم الحسابية، لما اختلفوا فيها كما لم يختلفوا في الحسابية". ويرصد الغزالي قضاياهم بالتفصيل وأدلتهم ويبعث الشكوك حولها مبينًا خطئها.
أراد الغزالي أيضًا أن يصل إلى أن كثير من المسائل الغيبية لا يمكن حسمها بالعقل حتمًا؛ لأن معطيات العقل قد تعجز عن الحكم عليها، لذا يجب أن تُترك إلى الإلهام والوحي، على الأقل طالما لم يتوفر للعقل – حتى هذه اللحظة - سبيل إلى مناقشتها. والغزالي يعني أنه مادامت التجربة - في عهدهم - لم تكن قد وصلت إلى الحد الذي يمكنهم معه أن يتأكدوا من حال السموات مثلا فلا نستطيع أن ننكر ما أُنزل عنها، ومادام العقل لا يستطيع أن يقول كلمته الفاصلة فما الذي يجعلنا نعارض الوحي إذن؟
هكذا شعر الغزالي بالضعف في كثير من براهين الفلسفة، وجادلهم فيها بطريقتهم، وانتهى إلى نتيجة واضحة، وهي وجوب تكفير الفلاسفة في ثلاث مسائل رئيسية: قدم العالم – قولهم إن الله تعالى لا يحيط علمًا بالجزيئات الحادثة – إنكارهم بعث الأجساد وحشرها. وإن كان الغزالي يستخدم الحجاج العقلي والاستدلال ليبين ضعف حججهم، فهو لا يريد أن يصل بها إلى نتيجة عقلية معينة سوى بيان وهن استدلالات الفلاسفة فيقول: "فأنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت".
والحقيقة أن مقدمة ابن رشد في حد ذاتها تفصح عن كثير من المشاكل، فهو يقول: "إن الغرض في هذا القول أن نبين مراتب الأقوايل المثبتة في كتاب تهافت الفلاسفة لأبي حامد، في التصديق والإقناع، وقصور أكثرها عن مرتبة اليقين والبرهان". هذا ما دفع د. سليمان دنيا إلى التساؤل عن مقصد ابن رشد بهذه الكلمات؛ فإن كان يعني موقف الغزالي من أدلة الفلاسفة، فهو لا يلزم حد الإنصاف فمن يناقش أدلة دعوى لا يلزمه أكثر من أن يشكك فيها، فإن الأدلة التي تسمح بقبول التشكيك، لا تصلح لإنتاج دعوى، فلا يلزم أن يكون الطعن في الأدلة بالغًا حد اليقين، وإنما يكفي أن يجعل الشك عالقًا بها.
وإن كان ابن رشد يعني أن حشر الأجساد وعلم الله بالجزئيات مثلا ليست من أصول الدين، فهنا بداية الانحراف في رأي د. سليمان دنيا، وهو رأي صحيح بلا شك؛ لأنها أمور واضحة في القرآن إيضاحًا لا يحتمل اللبس. وابن رشد يواصل ما بدأه ابن سينا في التحلل ليحوّل وضوح النصوص إلى تأويلات غريبة رصدها سليمان دنيا في حواشيه الرائعة.
لا شك أن بعضًا من الأمثلة التي طرحها الغزالي يمكن الرد عليها، وقد فعل ابن رشد ذلك، ولكن دعاويه في أغلبها تكشف عن مشاكل جذرية بالفلسفة المقحمة على الديانة الإسلامية في ذلك الوقت، والتي كانت منصبة في الأساس على تحوير الفلسفة اليونانية مع بعض الشروحات والإضافات غير الجوهرية.
الغريب في الأمر أنه على الرغم من هجوم الغزالي العنيف على بعض الآراء الفلسفية في أيامه؛ إلا أنه قدم مفاهيمًا فلسفية غاية في الأهمية، وعندما ظهرت في الفلسفة الأوروبية بعدها بمدة طوية اعتُبِرت تجديدات هامة. رأيه مثلا في قضية العلة والمعلول، وأن ما نظنه علة ومعلول قد يكون تكرارًا في أغلب الوقت لظاهرتين متتاليتين، لكن التكرار في حد ذاته لا يمكنه أن يبين علة الحدث، فإن رأيت مثلا النار تحرق الورقة، فهذا يعني وجود نار مشتعلة، ثم اقتران ذلك بإحراق الورقة؛ لكن هذا التعاقب لا يفسر لنا لماذا تحدث النار في الورقة هذا التأثير. هذا عين كلام هيوم بعده بقرون. وقد رأي البعض أن تفتيت مبدأ السببية يعد هجومًا مباشرًا على العقلانية، في حين أن الفكرة ظهرت صحتها في بعض المسائل العلمية مثلا مثل تعاقب البرق والرعد الذي ظن الناس أنه علة ومعلول في حين أنه كان مجرد تعاقب لظاهرتين طبيعيتين، وسواء كان رأي الغزالي صحيحًا أم لا، إلا أنه كان إسهامًا جديدًا.
رأي الغزالي أيضًا في الزمان وكونه غير موجود بشكل موضوعي، وإنما هو مؤسس داخل العقل الإنساني؛ ليدرك به الواقع.. هذا أيضًا عين كلام كانط بعدها بقرون. نحن إذن أمام مجدد حقيقي في الفلسفة شنَّ هجمة ضارية على فلاسفة، اعتبرها المؤرخون هجومًا على العقل، وتمثيلا للظلام، في حين اعتبروا ابن رشد وجهًا للدفاع عن الفلسفة، رغم أنه فشل في الدفاع عن كثير من انتقادات الغزالي، واستخدم أساليبًا يغلب عليها التحايل. اندفع الكثيرون لمهاجمة الغزالي على شنه حملة على العقل، دون الرد على حديثه الرئيسي المتمثل في عرضه لبهتان كثير من أدلة الفلاسفة.
هذه الثنائية الغريبة لها عدة أسباب. الأول يتعلق بمفهوم التكفير، فهناك الآن قناعة بأن من يُكفِّر أحدًا ظلامي، وفي واقع الأمر مَن كفر بشيء يعني أنه أنكره، وعندما أنكر أمرًا أساسيًا في أصول ديانة معينة، فالنتيجة أن يطلق كلمة كافر عليَّ، ونحن بهذا المعنى جميعًا كفرة بآراء كثيرة وديانات عديدة في العالم، لكن المشكلة تكمن في تبعات الكلمة، من حيث إباحة القتل والدم والاضطهاد. الحقيقة أن موقف الغزالي في تكفير الفلاسفة كان غريبًا. فهو يقول: "فإن قال قائل: قد فصلتم مذاهب هؤلاء، أفتقطعون القول بتكفيرهم، ووجوب القتل لمن يعتقد اعتقادهم؟ قلنا تكفيرهم لابد منه في ثلاث مسائل..... إلخ" أي أنه ذكر قضية القتل، لكنه لم يُجب سوى عن سبب التكفير! والأمر هنا لا يخلو من إشارة إلى إيعاز بقبول القتل أو الاضطهاد، وهو أمر خطير، وهو يستدعي في الأساس مناقشة قضية التكفير في الإسلام، فإن كان جزاء من يكفر بتعاليم الإسلام "القتل" فهو أمر يُلزم المرء بمراجعة موقفه كاملا من الإسلام، بل وربما يدفعه إلى رفضه لتناقض ذلك مع أشد بديهيات حقوق أي إنسان في قبول أو رفض أي رأي ديني، وتناقضه مع نصوص أخرى تجيز هذا، أما إن كان موقف الإسلام ليس كذلك، فنحن هنا نواجه إيعازًا من الغزالي بإمكانية الموافقة على قتل الكافرين.
تعرض كثير من الفلاسفة لاضطهادات مريرة وادعاءات لا صحة لها، وأجد أن ابن رشد لم يستطع الرد على كافة آراء الغزالي بشكل حقيقي. كان الجدال الفلسفي أحيانا ينتهي بمساندة نظام حكم فاسد لفريق ضد آخر؛ حتى الفرق التي تقول أنها تعلي من شأن العقل مثل المعتزلة، مارسوا في فترة ما نفس القمع على فرق أخرى مخالفة.
ساء الأمر في ظل تنامي الاستبداد داخل بعض النظم السياسية للدولة الإسلامية... ذلك الاستبداد الذي صاحبه الاستعمار الأوروبي بعدها بقرون، وحين تحررت الدول من الاستعمار الخارجي وجدت نفسها مستعمرة من الداخل لصالح أنظمة حكم عسكرية تتحالف طوال الوقت مع بعض الفرق الدينية لإعادة إنتاج التخلف والرجعية في دائرة مقيتة تبدو وكأنها لن تنتهي أبدًا.
هذا الصراع ألقى بظله على طبيعة الصراعات التي اندلعت حديثًا في المنطقة، إلا أن مستوى السجال قد تدنى للغاية. فإن كان الرافضون للغزالي يعتبرونه قد شن حملة شنيعة على العقلانية الإسلامية بأكملها، إلا أن أحدًا منهم لا يمكنه إنكار أنه استخدم الحجاج العقلي والاستدلال والبرهان الفلسفي كي يوضح بهتان بعض الآراء الفلسفية... لا أحد يمكنه إنكار موهبة الغزالي الفلسفية واتباعه الأدلة العقلانية، واستخدامه نفس أدوات الفلسفة للرد على الفلاسفة.. لم يحاججهم عن طريق النص الديني، بل عن طريق الأدلة العقلية كما فعلوا. إلا أن طبيعة انحدار النظام السياسي في الشرق قد أثَّر بطبيعة الحال على السجال الفلسفي، فمع مرور الوقت تحوَّل الأمر إلى مهزلة كاملة.
الغريب أن بعض المثقفين لا يؤمنون بالدين في واقع الأمر، ويبدو هذا واضحًا في كتاباتهم بصورة لا تقبل الشك، لكنهم لا يتعاملون على هذا الأساس، بل إنهم يصرحون للعامة بأن بعضًا منهم هم مفكرين إسلاميين في واقع الأمر، ثم يبدأون في عرض صورة الإسلام الصحيح من وجهة نظرهم، وهي صورة تهتم في الأساس بانتقاد وجود صورة حقيقية، والبعد عن أي مصدر للمعيارية وإسالة الأمر بأكمله، وبالطبع تتبعها موجات ضارية للهجوم على التراث الإسلامي. وما يحدث في واقع الأمر هو هجوم كثير من غير المؤمنين بالإسلام على الإسلام، تظاهرًا بأنه هجوم على التراث فقط للوصول إلى واقع وجوهر الدين، وفي المعسكر الآخر لا يُسمح لأحد بالرد أو يتم تسليط الضوء عليه سوى لأشد الفرق الإسلامية تشددًا وتكفيرًا، بل وجهلا أيضًا... مثل الفرق السلفية المتشددة. وفي هذه الأجواء يشعر بعض المختلفين مع الدين بخطورة الوضع إن صارحوا بآرائهم – وهم على حق فقد يتعرضون للقتل – فيقومون بالتدليس وعرض أرائهم على أنها من داخل الديانة كي تمنح الآخرين صورة أدق عنها! هذا الوضع الملتبس يسيطر عليه الخوف كاملا الذي يمنع غير المؤمنين من حرية التعبير بصراحة عن آرائهم، لكنه ليس مبررًا للتدليس.
بعض المفكرين العلمانيين الذين ادعوا أنهم مفكرين إسلاميين يحملون شهادات علمية مزيفة، والكثير يعرف المفكر الذي يدَّعى إنه إسلامي ويظهر في بعض البرامج التليفزيونية ويتحدث عن عدم التعارض بين الإسلام والعلمانية، ومعروفة أيضًا شهادته العلمية المزيفة، وقد تم كتم أصوات الإعلاميين الذين فضحوا أمرها منذ عدة سنوات. أما حواراته الواهنة فلا يعطى الرد سوى لمشايخ السلفية التي لا تملك أية وسيلة أو أداة للحوار الفلسفي، والتي تكفره بالطبع، بل ومن الممكن أن تجيز قتله في أية لحظة... لكن بالنهاية فإن هذا المشهد المطروح لا يشبه الغزالي.. بل هم مجرد عملاء لأنظمة أمنية معروفة.
في هذه الأجواء العبثية يتم تمجيد واحترام بعض الأفكار التي لا تستحق سوى الضحك والسخرية... في أوساط المثقفين يتم الحديث مثلا عن كتاب "مفهوم النص" لنصر حامد أبو زيد بكثير من التبجيل والاحترام، وهو الكتاب الذي يقدم فرضية واهنة. يعرف الجميع عن خلفية أبو زيد الماركسية، وعن موقفه الحقيقي، لكن أحدًا لا يجاهر بذلك... إننا لم نشهد في الإعلام لقاءات مع مفكرين من قبيل: عبد الوهاب المسيري أو من على شاكلته... بغض النظر عن قبولك أو اختلافك مع أرائه إلا أنه مفكر حقيقي له لغته ومصطلحه، لكنك لن تشاهد على التلفاز سوى مشايخ السلفية الجهماء.
يطرح أبو زيد في كتابه مفهوم النص فارقًا رئيسيًا بين النص والتأويل، ويقول إن النص مقدس لكن التأويل ليس كذلك، ويفتح الباب أمام التأويلات المتعددة للنصوص الدينية، وهو هنا لا يقول أن بعض النصوص في حاجة إلى التأويل – كما قال ابن رشد قديمًا – بل إن كل النصوص تصلح للتأويل. وفي بداية الكتاب يوضح طريقته في التحليل المادي لنصوص القرآن، فيقول إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تؤثر على النص فقط، بل تنتجه، وهو لا يرى أي تناقض في إنتاج الظرف الاجتماعي والاقتصادي للنص وبين الإيمان بوحيه. والمرء هنا يتساءل كيف يمكن مثلا أن يقبل بذلك إن كان يعلم جيدًا أن مصالح الطبقة في الماركسية تنتج أرائها الفنية والدينية، بل ويؤثر النشاط الاقتصادي على كل شيء وينتجه في كثير من الأحيان؟ كيف يمكن التوفيق بين هذه الرؤية المادية للحياة وبين ديانة منزلة من السماء في رأي معتقديها لايمكن أن تنتمي لطبقة معينة أو تنحاز لفرقة بعينها؟
وبالنسبة لموضوع التأويل؛ فإن كانت كل النصوص في حاجة إلى تأويل، وإن كان لكل شخص الحق المطلق في تأويل النص كما يحلو له، ولا يحق لأحد أن يطلق على هذا الرأي صحيحًا أو فاسدًا، فأين مضمون الديانة تحديدًا؟ كيف يمكن التعامل مع ديانة يُجرى إسالة كافة مفاهيمها وتفتيتها بدعوى حرية التأويل؟ إن ذكر القرآن وجوب الصيام مثلا فهل يمكن أن أفسره بعدم الصيام؟ إن أجاز الزواج من أربعة فهل يمكن أن أفسرها بأن العدد أكثر من ذلك؟ أين حدود التأويلات، وكيف يرسل الله نصًا يحتاج بأكمله إلى تأويلات متعددة متناقضة؟ إنها أراء سهلة التفنيد في واقع الأمر لكنها لم تخضع للفحص، فقد منع الاستبداد استمرار السجال الحقيقي، وأصبح ما يحدث عبارة عن خدعة يتم توارثها عبر أجيال عديدة حتى يموت أي سجال حقيقي.. السجال الدائر بين مدعين وعملاء أمنيين.. هذه هي طبيعة السجال في أبسط صورها.
يحكي لي صديقي المترجم والأديب عن صديق له يجاهر بإلحاده على صفحات الفيس بوك، ولا ينكر ذلك بأية صورة، وليس لديَّ مشكلة في ذلك. المهم أنه سافر إلى ألمانيا وهناك أتم رسالة دكتوراة في الفقه الإسلامي! أعرب صديقي عن تعجبه له فلماذا يتخصص ملحد في الفقه؟ من الممكن أن تدرس اللاهوت أو الفكر الديني بغض النظر عن قناعاتك، ولكن المعاملات الطقسية والفقهية.. ما الحاجة إلى دراستها تحديدًا إن كنت لا تؤمن بالديانة من الأساس؟ وطلب صديقي منه أن يترجم رسالته إلى العربية حتى نقرأها هنا ونستفيد منها، إلا أنه رفض وقال أن الشرق غير مؤهل الآن لاستيعابها، وأنه قد يتعرض لتهديدات بالقتل إن قام بذلك. حسنًا... ما الهدف إذن من هذه الرسالة؟ هل هي موجهة لعدد من الألمان لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة؟
مثل هذه الالتواءات في تفكيرنا تحيط بنا دائمًا، ولا أحد يفهم ماذا يحدث بالضبط، لكن السبب معروف... السبب يكمن في إرادة التخلف والرغبة في الإبقاء عليه إلى الأبد.







اخر الافلام

.. مراسلة فرانس24: أكثر من ألف مستوطن يقتحمون المسجد الأقصى ودع


.. نجاة نائب الرئيس الأفغاني عبد الرشيد دوستم من هجوم انتحاري ت


.. ماذا يعني إقرار إسرائيل قانون -يهودية الدولة-؟




.. استئناف المستوطنين عمليات اقتحام المسجد الأقصى


.. هل يصبح حمزة بن لادن يوماً زعيم الإرهاب الجديد؟