الحوار المتمدن - موبايل



المعرفة والتجربة وصورتهما في المدرسة العقلانية

عباس علي العلي

2018 / 4 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


من جديد نعود للعقل والعقلانية وحقيقة دور المعرفة في نظامها الفلسفي، طبعا المعرفة هنا ليست المنتج فقط بل الأدوات والمنهج والأليات وأصالة العنوان مقارنة بالمدرسة التجريبية المنافسة، التي تستكثر على العقل الإنساني قيمة ودور المقدمات الفطرية التي يتبناها كأس أولي وضروري في بناء التجربة المعرفية، وهنا يصف ويتهم الفكر العقلاني بأنه فكر مطاط ومهلل وقد يكون مشوشا في تبني قضية المعرفة أصلا، يقول الفيلسوف جان لوك مثلا ((العقل نفسه لا يشكل جزءاً في عملية تكوين الأفكار البسيطة فهي أُحدِثَت من قبل الأشياء نفسها)).
المشكلة التي يثيرها دعاة التجريبة من خلال قراءة فلسفية نقدية خالصة أنهم وقعوا في فخ الوجود الأول الناشئ وتباينه من حيث الماهية عن الوجود الثاني المكتشف، فحتى التجربة الحسية في نفس هذا المنظار لا تشكل جزأ في عملية التكوين الأول بل هي جزء من ألية أنتاج الوجود الثاني والعقل هو من يتحقق ولو خارجا من موضوع القضيتين منفردا، وبناء على معيار المطابقة التكرارية أو اليقين المتكرر حين يثبت هذا وينكر ذلك وهذا هو الأهم.
التجربة ضرورية وركن مهم من أركان التعقل كعملية وظيفية للإنسان في أكتشاف التساؤل المحيط به ليس فقط في أكتشاف المعرفة بل بعلاقة المعرفة في الوجود وهو ما يسمى بالمعرفة الكونية المركبة، والحسية هي الطريق الطبيعي لتبلور الإدراك العقلي بصورته النهائية كمنجز خام قابل للهضم والتداول، وهما من ضمن سلسلة الفعل العقلي في سيرورته الطبيعية، ولكن وصفها كجزء مستقل أو فاعل بمعزل عن قدرة التحكم والفرز والتصنيف والتوظيف والخزن والأسترجاع لا يمكن القول به، التجربة الحسية في الأخر تجربة العقل ذاته وبدون وجوده وسيطرته على المسار التطبيقي لا يمكن أن تولد تجربة، حتى في عالم الحيوان نشاهد بعض نماذج التجربة ولكنها أما تجربة غريزية تنم عن وعي فطري أو تجربة آنية تتوافق مع مقدار ما للحيوان من قدرة للفهم.
قادت تجريبية “جون لوك” إلى المساعدة أيضاً في وضع أساسيات المنهج العلمي التجريبي ولكنها أيضا أخطأت بتقدير التفريق بين المعرفة والواقع، فقد فتح “جون لوك” باباً للمشككين سيصارع التجريبيون اللاحقون لإغلاقه لأنه يتناقض مع المنطق العلمي وقانون العلية والسبب، فلا معرفة حسية يتبناها الواقع دون أن تمتحن بالبرهان العقلي وحده، قد تنجح التجربة مختبريا ولكن السؤال هنا من يقدر النجاح والفشل، هل هناك معيار أو ناطق باسم الحقيقة غير العقل؟، أم هل هناك محدد أخر يمكننا أو يمكنه أن يخبرنا أن التجربة الحسية قد أكتشفت وتبنى المعرفة؟، سؤال أخر أساسي هو من يفترض مقدمة التجربة ومن يضع منهاج البرهان؟، هل هي المعرفة المختزنة في الموضوه محل التجربة أساسا أم أنه يحتاج لمقرر خارج عنها ومكتشف لها، وهنا العقل يقر ويؤكد أن كل المعارف والقوانين العلمية موجود وقديمة لكن الإشكال ليس في وجودها بقدر ما يكتشفه الإنسان منها، لولا هذه الحقيقة العقلية لا يستطيع جون لوك أن يخوض التجربة دون الأعتماد على هذه الفكرة العقلية فكرة الأكتشاف.
النقطة التي لا يرفضها العقلانيون بمختلف تفرعاتهم أن التجربة مهما كانت متواضعة فهي في الأخر طريق ضروري ومهم للعقل ونظامه العام، فمن خلال الحواس يمكنه التغلغل بين المجهول الواقعي وبين الواقع المعلوم، وبالتالي كل تجربة هي طريق يؤدي للتراكم في مصفوفات العقل المخزنة والمنسقة في مضمور ما، فهو يهضم الفكرة أولا ويتقبلها ومن ثم يحولها إلى قيم رمزية أو قيم مرمزة يمكن للمعرفة أن تتخذها أساسا للتجديد والبناء النوعي، وحتى المعرفة التي يقسمها لوك إلى ثلاثة أصناف هي مرتبطة بالعقل أولا ومقدمة ونتيجة، المعرفة البديهية هي المصفوفة المتكررة والثابتة، والمعرفة البرهانية هي التي يقررها العقل ويشترط لها منهج منطقي ويخضعها للتدقيق، والمعرفة الحساسة التي لا تبدأ إلا من خيال العقل حين يتحرر من أسره لينفذ إلى مدارات خارجه عن واقعه هو، حتى الحس أحيانا وتجريديا لا يدركها بالمباشر ودون تدخل العقل في رسم ماهية ذهنية لها تكون حساسة بشكل صوري أيضا.
هنا يمكننا أن نقر وبعيدا عن التنازع الشكلي في أساسيات المدرستين التجريبة والعقلانية أن العقل هو مالك وصاحب التجربة، وأن من يفعلها ليست المعرفة خارجا بل المعرفة ذاتيا وفرديا في الوعي الإنساني الذي هو وعي عقلي وليس إحساس منفصل عنه، وننحاز للواقع العملي والعلمي من أن المدرسة الواقعية والحقيقية هي المدرسة العقلانية التجريبية بصيغتها المتكاملة، حين يتداخل الفعل التجريبي بشكله العقلي وبمنظومة العمل التفصيلي في رسم وإرشاد الحس في طريقه لأكتشاف المعرفة.
هذا الترابط ليس ضروريا فقط بل هو أساسي وطبيعي ولا حقيقة هناك غير ما هو مطروح هنا، أن التبادلية الجدلية في الأدوار بين المعارف الفطرية التكوينية التي تستمر في ثرائها كلما خاضت تجربة وكلما كانت التجربة هذه تستجيب لشروط العقل وتماهييه في نظامه، وبين العلم والمعرفة كمنتج نهائي قادر على البقاء والتواصل مجددا في رحلة لا تتوقف عن الخوض في كل المواضيع والأشياء، فلا يمكن عزل الطريق عن نقطتي البداية والنهاية وننكر أنه هكذا هو في الواقع غير محدد، وأيضا لا يمكن عزل هذه النقاط عن حقيقة وجود رابط بينهما يسمى طريق لأن وجود النقطة على سطح ما هو دلالة بداية لشي أو نهايته حتما.
المدرسة العقلانية لا تنكر التجربة ولا تنكر الحس كما لا تتبنى بالكامل المفاهيم المثالية التي تعزل العقل في برجه العاجي عن مجريات حركة الإنسان في الوجود، المدرسة العقلانية الواقعية تنظر للفعل الإنساني كاملا من المقدمات المعطيات والمناهج والوسائل وظرق التفكير وأساسيات الوجود البشري كفاعل، فهي مدرسة شمولية وتكاملية ترى الموضوع من زوايا عديدة لتشكيل الصورة بأكثر من وجه لتقرب بذلك المسافة بين العلم وبين الواقع، ولا تجتزئ الموضوع في أطار مخصص لتثبت هذا المحل دون غيره، المدرسة التجريبية ساهمت وبفاعلية عالية في إرساء طريق علمي حقيقي لكنها تجاهلت دور العقل المحوري في القضية، في الوقت الذي تبنت الموضوع من ماهيته بما قبل التجربة وما في الحس منعزلا عن النتائج النهائية للعملية التعقلية.







اخر الافلام

.. 11 بالمئة من سكان العالم -تحت خط الفقر-


.. شاهد: فتاة تمشي على حبل معلق في منطقة مونمارتر التاريخية…


.. ظاهرة طبيعية فريدة في حضرموت




.. الحصاد- اليمن.. التراث الإنساني في خطر


.. الحصاد- سوريا.. تساؤلات التهجير