الحوار المتمدن - موبايل



دروس في الأدب الثوري..... ح1

عباس علي العلي

2018 / 4 / 16
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


يخطئ من يظن أن الثورة هي مجرد محاولة الأنفلات القوي من واقع فاسد ومنحرف وظالم ومن ثم الإنقلاب والتحول من خلال حراكيتها ومنهجها، إلى واقع رؤية فكرية وعملية ترسم البديل النقيض بأستخدام القوة بمعناها أثر الفعل، لتعيد التوازن المفترض والطبيعي بين عنصري الحق والباطل أو الخطأ والصح، هذا المفهوم مطاط ومشوش وفيه الخلط الكثير بين الثورة كخيار وإرادة وبين فعل الثورة المستمر في الواقع ونتيجتها الحتمية التي لا بد أن تتحقق في ظل حراك الفعل لا حراك الفكرة.
الثورة هي بالملخص المبسط ((لحظة قرار عقلي وإرادة حرة على التغيير مصحوبة بتصور البديل العقلي والعملي للواقع وفق منهجية تستمد شكلها من هدف الثورة وغائية الثائر))، وهذا الفهم الذي يعتمد تلمس نتيجة ما هدفها الإنسان أولا ومصلحته الشمولية في ظل تناقضات الواقع والمفترض الطبيعي بناء على حصيلة القراءة والمعطيات التي يكتشفها الثائر، ويبني فكرته هذه ليس كرد فعل بل كفعل ضروري وحتمي لخلل بنيوي في حركة المجتمع، فإن أمكن أكتشاف طريق أخر غير الثورة يحقق ذات النتيجة لم تعد للثورة مشروعية، ولم تحقق الثورة هدفها الأساسي وتتحول من فعل خلاق إلى مجرد عنف وتغيير غير ملزم وغير ناضج، وقد يجر إلى أضرار بالإنسان ومصلحته لا تساوي النتائج المتوفرة من فعل الثورة.
هنا لمجرد أن تتحول الفكرة السامية لها إلى فعل عملي على الأرض تنتهي الثورة بالتتويج، لننتقل من دور ومرحلة التصميم والإرادة إلى مرحلة فعل الإرادة والترجمة والبسط واقعا، لتمضي في منهجها ووفق أهدافها وشعاراتها وهذا ما يسمى أجتماعيا بالعمل الثوري، وهو في الواقع كحراك ليس من الثورة كجزء بل كواقع أخر مسترشد بها ولكنه منفصل عنها، كون الثورة أفكار نظرية ومثالية تفترض وتمارس حق التدبر بالنقد الإيجابي لراهنية الأهتزاز الأجتماعي وغياب التوازن في حده الأدنى بين المقبول الطبيعي وبين الواقع المنحرف، والعمل الثوري ممارسة على أرض تترجم تقبل أختبار الفكر والبرهنة عليه وتمتحنه دون أن تتدخل الثورة في تنفيذه أو جره إلى برهان.
هذه المقدمة مهمة في دراسة شروط الثورة وكيفية التمكن من توصيف أي حركة إنسانية على أنها ثورة أو مقاومة واقع بغض النظر عن القائم بها أو الظرف الضروري الداع لها، فلكل ثورة لا بد من مبرر يمنحها الحق في أن تفرض رؤيتها على واقع المجتمع من خلال العمل الثوري اللاحق لأعلان الثورة وأنطلاق مسيرة الفعل الثوري، ولكن لا يمكن قبل ذلك أن نفترض أنها ثورة أو أنها تمتلك شرطها دون مبرر معقول في حده الأدنى ألا يكون عبثيا وألا يكون خارج سياقات الممكن الواقعي في موازنة بين المقدمات والنتائج أولا وبين العلل والأسباب والنتائج ثانيا، هذه الموازنة ثلاثية الأطراف تمنح الثورة شرطها الأول والضروري، وبغياب المبرر الأساس تفقد الثورة حقها في أن تقود مرحلة التحولات والتغيرات التصحيحية لحالة اللا تواز الأجتماعي بوجود بدائل أو بوجود أعذار حقيقية تمنع من أصلاح الخلل بوسائل أخرى.
الشرط الأخر مع توفر الضرورة والمبرر لا بد للثورة من صورة لما يجب أن يكون له بمنهج عملي يستمد واقعيته ليس من الراهن الممكن بل من الراهن الذي يجب أن يكون، هذه الصورة المنهجية يجب لها أن تحمل فكرة النقيض الأفتراضي ضد الواقع أو ضد موضوع محل الثورة الأساس، فليس من المعقول أن تقوم ثورة لمجرد وجود المبرر وغياب الحل وغياب الرؤية لصنع الحل وخلق البديل المناقض، هكذا أفكار لا يمكنها أن تشكل ثورة بل قد تتحول إلى ما يشبه الحاجة للتمرد ولكن بانعدام الوسيلة وإنعدام الغاية من التمرد، وهنا تشكل عملا عبثيا لا يثمر ولا ينتج إلا سلسلة من الأخفاقات الكارثية، عندما تحين لحظة الأستحقاق الوجوبي للبديل ونحن لا نملك جوابا ولا نملك صورة ما عنه، ونتحول إلى ثوريين تجربيين قد نصل أو لا نصل بالثورة لغايتها وقد ندفع الثمن أغلى من ثمن البقاء على الواقع المدان.
الشرط الثالث والأهم هو إيمان الثائر بالثورة وأخلاصه للفكرة وقدرته على التحول من ثائر إلى مناضل ثوري، مشكلة معظم الثورات التي فشلت تأريخيا وواقعيا في إنجاح مشروعها تكمن في هذه النقطة، عند غياب الإيمان الجاد والحقيقي بما قامت من أجله الثورة وروحيتها السامية، أو في تخلف أو ضعف الأخلاص الواجب والضروري للفكرة وللمبدأ وللغاية، وأخيرا الفشل الذاتي في التحول من مفكر ثائر مثالي نظري إلى مناضل حقيقي، يتعاط مع الواقع وينتسب له ويعمل بواقعية مع الحراك الثوري المطلوب في لحظته وظرفه الزماني بما يترجم فكر الثورة وهدفها النهائي إلى نتائج على الأرض.
السؤال أو الفكرة التي أطرحها هنا أن الثورة تبدأ من الأكتشاف ولكنها لا تنتهي بالتجربة الثورية أبدا، الثورة ميلاد سريع لمخاض طويل، هذه المسافة بين الأكتشاف والأعلان عنها كإرادة هي كل الثورة ومجمل وجودها كخيار عقلي مقاوم فقط، وكل ما يترتب على هذا الأعلان وما ينشأ من فعل حراك القوة ينتمي لروحية الثورة وقد يترجمها واقعا ولكن لا يمكن أن تكون الثورة مستمرة بهذا الشكل، الثورة تحتاج لمبرر وبمجرد أعلانها وفق للشروط ونهوض العمل الثوري تنعدم الحاجة لفكرة الثورة التي تعني مقاومة الواقع لأن الواقع سيتحول إلى حراك ثوري مستمر في فعله، وعندئذ لا يمكن توقع أن نثور على هدف صنعناه ونعمل لأجل تجسيده وإلا فالعقل لا يؤمن بهذا الفهم أن نثور على واقع فعل الثورة.
الآن يمكننا أن نفهم الثورة إرادة تغيير حقيقية مستجيبة لحتم ضروري بدي وتملك مشروعها ومنهجها المميز، الذي يصل بها إلى غائية سامية تربط بين حفظ التوازن الطبيعي بين مكونات الوجود واستجابتها للطبيعية الأصلية وبين حق الإنسان في رفض صور التقييد والأسر العقلي المعطل لحركة الزمن، قد تكون الثور هنا في أكتشافها للواقع المنحرف تنبع من حس أخلاقي أو ديني أو معرفي أصيل، ولكن من غير المقبول ولا المعقول أن لا تملك الثورة قيم وأن لا تحمل معها قيم دافعة أو أنها تنهض من لحظة خارج الوعي لمجرد عدم الرغبة في البقاء على راهنية الواقع الذي يرفضه من يقرر الثورة أو يقود العمل الثوري، الثورة الحقيقية هي ثورة المثل الواعية ضد أنحرافات النفس البشرية وتخبطها بين الزلل وبين الطغيان.
نكمل مبحثنا ونتابع دراسة الواقع العراقي من منظور الثورة الضرورة والثورة الترف، وهل نحن ثوريون بمعنى قادرون على الأستجابة لشروط الثورة ومبرراتها أولا؟ أم أننا مجرد صدى فارغ لمسمى كثيف وضخم وشديد الوطأة على كاهلنا المتعاجز عن فعل الضرورة؟، ثم نسأل أنفسنا ما هو رصيدنا الروحي من ثورة الحسين كمثال لمؤمن المتدين والثوري الذي يؤمن بها؟ والتي غيرت مفهوم الدين من عقيدة إيمان بأن الله هو المدبر القادر على التغير إلى تجسيد معنى لا يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، القضية الصادمة والتي نعيشها اليوم وفي ظل ذكرى النهضة الحسينية أننا كعراقيون لم نغادر مع اعتزازنا وفخرنا بثورة الحسين وتجلياتها موقع التمني والتفاخر بالغير وبالسلف دون أن نبادر الفعل الإيجابي الذي يمزق حالة الظلم والأستكانة والرضوخ للواقع، إلا أننا ما زلنا نؤمن بأن الإنسان أقل قدرة على التغيير من كونه فاعل إلى كونه مفعول به، لذا تمسكنا بالدعاء والأمل والدعوة على الظالم وتركنا السلاح من هدف التغيير إلى هدف التنابز والتشاتم والقتل السخيف.
في الوضع العراقي الذي يشهد حالة أنفصام حقيقي بين الواقع المتعب والمتشظي بين أفكار ورؤى لا يجمعها جامع ولا يربطها رابط، وبين حقيقة أننا كشعب عانى الكثير من الظلم والاضطهاد والاحتلال والتغييب والتغريب، شعب منهكة حقوقه من السلطة وما وراء السلطة، مسلوب الإرادة من مؤسسات حولت المجتمع إلى وسائل للمكاسب المحرمة والمشبوهة دون أن تمنحه شيئا بالمقابل إلا وعود كوعود الجنة وصكوك الغفران.
هذا المجتمع الذي يختزن في داخله غضب في مراجل من نار لكن تلك المؤسسات التي تلعب بعقله الجمعي تنجح في كل مرة لتوجيه غضبه للطريقة التي تدمر الشعب وتنتهك أخلاقياته وأعرافه، لتنجوا من غضبته وتعود لتستمطيه مرة أخرى وبعنوان جديد، هذا الشعب والمجتمع يبدو لمن يراها ظاهرا أنه مهيأ تماما للثورة العارمة التي تطيح بعرش الظلم والتخلف ويرى الشرارة بين بين، ليعود بعد فترة أخرى وينظر وإذا الصورة مختلفة عاد الشعب لنومته والمجتمع لتمجيد الظالم والمحتل والمستحمر.
هل هذا يعني أن الثورة بعيدة عن الأنفجار وأعلان الولادة ليكمل رجال الثورة النضال الثوري الحقيقي لقيادة المسيرة نحو الهدف الذي بلور الثورة، كل الظن أننا كعراقيون ومن خلال قراءة في ضميره الأصيل أرى أن الثورة بالطريقة التي تحصل عادة وحصلت في الكثير من المجتمعات لا يمكنها أن تغير واقع ولا تستبدل رؤية برؤية، ما لم تسبقها ثورة بالوعي تعيد للضمير العراقي الجمعي قيمته وتخلصه من أسر الحرام والقداسة والخوف والتردد والشك، العراقي اليوم مشتت بين تأريخية مقيته تمزق نوازعه التحررية وتشتت وعيه وتأخذه لمساحات فارغة إلا من عبث جنوني، وبين حاضر مؤلم يجرده من كل قيم الثورة ويربطه ككائن خائف بمصلحة البقاء من أجل البقاء، لذا ترى العراقي اليوم راغب ومتحمس للثورة ولكن سياط الخوف والعوز والقلق والتشظي تجر به من رأي إلى رأي ومن فكرة لفكرة لينتهي كما يقال في المثل (جالس على الحديدة) ينتظر الفرج من الله، لقد قتلوا روح التمرد في نفس العراقي وحولوه إلى كائن مهزوز كائن يمشي خلف خوفه ولم يسبق قدره لذا لا ثورة في الأفق الآن.
المشكلة النفسية الأساسية التي يعاني منها المجتمع العراقي والمتمثل بنموذج الشخصية العراقية وتكوينها التأريخي، هي التقاطع المتعارض بين واقع يفرض شروطه وأحكامه القاسية بأعراف خارج منظومة المعتقد الديني، وبين تقليد وتعلق غير مسبوق ولا مماثل له في كل السلوك البشري فيما يخص أرتباطه بالعقيدة، كما يقول الدكتور علي الوردي وكثيرا ممن درسوا الشخصية العراقية تجد العراقي متدينا حد الذوبان في الدين ولكن لا مانع لديه أن يكون ملحدا وأنتهازيا مع الله في موقع أخر، ويرى ذلك من باب الضرورات أو من باب مقولته العامية (شسوي هاي قسمتي).
هذا التبرير يأت دائما في مقدمة الأعذار التي يسوقها للهروب من تهمة الأنفصام السلوكي، لذا فلا ثورة الحسين يمكنها أن تدفع به لموقع التمرد والأكتشاف والتحدي، ولا الضرورات التي تفرضها حالة التناقض بين كونه يعيش في مجتمع يملك كل أسباب الغنى والرفاهية وبعاني أعلى درجات الفقر والعوز من أن ينحاز للثورة والحرية ويبادر لرسم المنهج الثوري والأنتقال من مرحلة التنظير إلى مرحلة العمل المؤسساتي الذي يمهد لقيام الثورة.
لذا فلا يمكن كما أسلفت أن نتوقع مخاض ثورة حقيقية في الواقع العراقي، فبعد ثورة الحسين عام 61 للهجرة وبعدها ثورات ابناءه زيد بن علي وثورات متلاحقة قام بها العلويون والزنج والقرامطة لأسباب وعلل وما عانت البيئة الحاضنة لهم من التنكيل والتعقيب والقتل والدمار، لم تحدث ثورة حقيقية في العراق وكل التغيرات التي حصلت هي تغيرات خارجية لعبت بها قوى اقليمية وأعاجم بمعنى أنهم ليسوا من أهل البلد، وحتى ما يقال عن ثورة 14 تموز عام 1958 لم تكن ثورة عراقية بمعنى ثورة شعب ومجتمع، بل كانت حركة تمرد عسكرية خالصة، والدليل أنها لم تغير من بنية المجتمع وأفكاره وثقافته من الجذور، فبمجرد أن سقطت قيادة التمرد سقط التمرد وعادت العلاقات والقيم القديمة من عشائرية ودينية لتلعب دورها، الثورة الحقيقية هي الثورة التي تعيد صناعة الإنسان ليتماهى مع روح الثورة وتجعله منساق تماما مع هدفيتها ومحققا لها بوعي ومنهج متكامل.







اخر الافلام

.. انا الشعب


.. نوري المالكي يطالب بتلبية مطالب المتظاهرين ومحاسبة الفاسدين


.. رئيس كوبا يعين الحكومة ويحتفظ بوزراء كاسترو في بعض الحقائب..




.. كوبا تسعى لبناء نظام اشتراكي بعيدا عن الشيوعية في مسودة الدس


.. الولايات المتحدة الأمريكية تعلن تضامنها الكامل مع مطالب المت