الحوار المتمدن - موبايل



الأرخميديون

فاطمة ناعوت

2018 / 4 / 16
الادب والفن




“كلُّ معماريّ عظيم، هو بالضرورة شاعرٌ عظيم. فعليه أن يكون مترجمًا عظيمًا لعصره.” صدق "فرانك لويد رايت" قائل تلك الكلمة البليغة. فالمعماريُّ هو الجسرُ الأول بين الإنسان وبين الطبيعة. أينما نظر الإنسانُ حوله ليحاور الطبيعة، في لحظات سحرها ولحظات شراستها، يبرزُ "المعماريُّ"، ليترجم هذا الحوار. لأنه الأقدرُ على فهم لغة الطبيعة المعقدة وفك شفراتها، ثم ترجمة تلك الألغاز لصالح الإنسان.
كنتُ أفكّر في تلك المسألة وأنا أشاهدُ طلابَ قسم العمارة بكلية الهندسة جامعة عين شمس، يمثّلون مسرحية "يوريكا"، التي ألفوها وأخرجوها وأنتجوها ومثلّوها بخبيئة إبداعهم الناضج الطازج. هم أبناء جامعتي وكُليتي التي تخرجت منها، فكنتُ أنظرُ إليهم وأرى نفسي منذ سنوات بعيدة وأنا طالبةٌ أدرس العمارة وأكتبُ الشِّعرَ وأرسمُ اللوحات وأمثّلُ على مسرح الجامعة دور "الراوي" في مسرحية "مسافر ليل"، للشاعر الآسر صلاح عبد الصبور.
شاهدتُ نفسي بينهم في صباي أمام الأستاذ الذي علّمني في سنوات الجامعة معيدًا، وقد صار اليوم رئيس قسم العمارة الذي يُعلّم الطلاب الهندسة والعمارة ويشجعهم على إنتاج فنون المسرح والكتابة الأدبية. أ.د. حسام البرمبلي، الأكاديمي المثقف الذي دعم أبناءه ليُطلقوا العنان لجياد إبداعاتهم الجموح لتُحلّقَ في فضاءات الفن على نحو أدهش الحضور لما تحمل مسرحيتهم الأولى من رسائل فلسفية ووجودية.
“يوريكا" هي الصيحة الشهيرة التي أطلقها عالمُ الفيزياء الإغريقي "أرخميدس"، حين اكتشف قانون الطفو الذي مكّنه من تصميم أول سفينة عملاقة في التاريخ في القرن الثالث قبل الميلاد. طلب منه الملك هيرون أن يجد طريقة لتصميم سفينة شراعية تفوق حجم السفن الحربية بخمسين ضعفًا، لكي يقدمها هدية لملك مصر العظيم بطلميوس. وأطلقوا عليها اسم "سيراكوسيا"، على اسم المدينة الإغريقية. مواصفات السفينة كان مخيفة في ذلك الوقت: أن تكون قادرة على حمل أوزان هائلة تتكون من 400 طن من الحبوب،10,000 قنينة سمك مملح، 74 طنًا من مياه الشرب،600 طن من الصوف، بالإضافة إلى 1000 مسافر،20 حصانًا، فضلا عن ثمانية أعمدة مراقبة على هيئة تماثيل للعملاق الأسطوري أطلس الذي يحملُ العالم فوق كتفيه. وأن يكون في مقدمة السفينة منجنيق ضخم يقذف أحجارًا بوزن 180 رطلا. وعلى متن السفينة متنزه للتسرية عن المسافرين، وحدائقُ وحمام سباحة، ومكتبة حاشدة بالكتب والتماثيل، وكذلك معبدٌ للإلهة "أفروديت"، وجيمينزيوم للتريض! شيء أسطوري يشبه القصر العائم، كما "تايتانيك"، ولكنها في القرن الثالث قبل الميلاد؛ قبل ثورة العلم والصناعة باثنين وعشرين قرنًا من الزمان! كيف تطفو سفينةٌ وزنها 2000 طن على سطح الماء، لتقطع عباب البحر من اليونان إلى شواطئ مصر، هديةً مهيبة لمليكها المهيب؟
لم يكن مسموحًا للعالِم الجليل بالفشل في تصميم تلك المعجزة الطافية، فعصف بأفكاره حتى اكتشف قانون الطفو. وصل للمعادلة وصاح "وجدتها، يوريكا" وهو مستلقٍ في حوض الاستحمام غارقًا في معادلاته، فوجد أن الماء يفيض عن الحوض بنفس حجم الجزء المغمور من جسده.
هكذا استلهم طلابُ قسم العمارة تجربة العبقري "أرخميدس"، الذي تعلّم في مكتبة الأسكندرية القديمة، ليقدموا مسرحية فلسفية رمزية جميلة خلُصت إلى حكمة تقول إن في داخل كلّ منّا حلاً لمشاكله. من العبث أن يبحث المرءُ عن حلول المشاكل عند الدولة أو الأهل أو الحظ، الحلُّ دائمًا موجودٌ في أعماقنا، كل ما علينا هو التنقيب داخلنا لنهتف: “يوريكا"، حين نبصر الإشراق مع تفكك الأزمات.
كانت قاعة المسرح حاشدة بالحضور المميز من الشخصيات العامة: د. عصام شرف، رئيس الوزراء المثقف، المعماري المثقف سيف أبو النجا، والمعماري عصام صفي الدين واللواء إبراهيم صابر رئيس حي مصر الجديدة، وزميل دراستي مهندس خالد أبو ضيف رئيس حي النزهة، وكاتبة السطور، وغيرنا الكثير من جمهور المكتبة، جئنا يحدونا الشغفُ لنرى ما في جعبة أولئك الصغار الواعدين. وكان الفرحُ غامرًا بتلك العقول النابهة التي قررت تغيير العالم بدءًا من تغيير النفس. الأسبوع القادم سأحدثكم عن مجلة "حبر أونا" المدهشة، التي دشّنها ذلك الشباب الرائع. تحية احترام لكليتي، هندسة عين شمس، التي تنجب العظماء.







اخر الافلام

.. -حرروا الكلمة-.. شعار مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان


.. صباح العربية | أم كلثوم في بعلبك بعد 5 عقود


.. الموسيقى والتراث على منصات مهرجان جرش الأردني




.. مهرجان بعلبك يكرم أم كلثوم في افتتاح موسمه الجديد


.. الفلكلور الشركسي.. تراث تتناقله الأجيال