الحوار المتمدن - موبايل



مابعد غرب ؟؟

عبدالامير الركابي

2018 / 4 / 18
مواضيع وابحاث سياسية



نصف قرن مضى، وانا منشغل بالانقلاب الكوني الكبير، لم يكن من المتاح، او الممكن في الستينات، او السبعينات او حتى قبل سنتين، او لنقل سنة من الان، الاعلان عن "مابعد غرب" وبالتحديد عن نهاية الطور الاقصر، والاكثر اثرا من بين الاطوار الانسانية، فاوربا بدات نهضتها الانقلابية الحديثة فعليا، منذ القرن السابع عشر، وراحت تتراجع منتقلة لزمن من "الانحدار الطويل" * بالاخص في القرن العشرين، قرن الحروب الكبرى، والايديلوجيات القاتلة للعقلانية والانسان، عدا التهديد النووي. لم يفلح الغرب في اقران ماتحقق له، وتحقق فيه من منجزات، عدت استثنائية، بالارتقاء على المستوى المفهومي الانساني، عمليا، لما يوازي منجزه العلمي والمعرفي، واذ هو قارب الافكار الكبرى، واطلق ضجيجا هائلا، حول المباديء والحقوق، فانه لم يخلف وراءه، غير الجشع، والاستلاب، والظلم بحق الانسان والطبيعة، بينما ظلت مسألة نقل العالم برمته الى حيث ارتقى الغرب نفسه، من قبيل الكذبة المستحيلة، المخالفة لطبيعة تكوين وينبة الغرب المجتمعية التاريخية، ولايوجد طور في التاريخ الانساني، كان مشحونا بالقسوة، وبالمظالم الرهيبة، مع قوة التبرير الايديلوجي، ناهيك عن تهديد الوجود البشري، ووضعه على الحافة، مثل مايعرف بزمن الحداثة الغربية، الذي نريد ويجب علينا، مغادرته من هنا فصاعدا.
ولم يكن من المتخيل قبل عقود، اختراق الهيمنة الاكراهية، على المستوى المعرفي، للغرب، وقد الحق العلوم والمعارف، بحس الغلبة المطلقة، فوحدهما، مع قوة ميله القاهر للسيادة، ومع ان مفاهيم الغرب عند تشكل التاريخ ( البرجوازي)(1) لم تتبلور فعليا، الا مع القرن التاسع عشر، وبدايات العشرين، الا انها تمكنت مستفيدة من،خلو الساحة الحضارية، وتوقف الفعاليات التاريخية المقابلة ـ غير المتاحة في حينه ـ من مصادرة التاريخ، واقفاله دونها، ومن تنصيب نفسها سيدة نهائية، باثر رجعي عليه، لتصبح بهذا بغاية اللاعقلانية، استنادا الى رهن المعرفة، بالغائية المسبقة، والمقررة، سواء بالفعل الواعي، او اللاواعي، وبالمزج الحاصل بين تاريخانيات التاريخ، ومايعرف ب"علم الاجتماع" و"النشؤوئية الارتقائية"، المقطوعة، والمتوقفة عند نطاق الارتقائية الحيوانية (2)، فلقد انتزعت من اي مجال تاريخي اخر، اي حضور له قيمة، بما انها، اصرت فعليا، على نفيه من مجال الحضور والفعل الاساسي، الابالقدر الذي لايتعارض مع مشروعها، وفي الغالب، بما يزيد من تكريسه، او تعزيز غلبته.
واذ تتداخل في منطقة شرق المتوسط، اشكالات كبرى متوارثة، مصدرها درجة حضور الفعالية التاريخية، او مستوى اقترابها من عالم التاثير، مع اجمالي المنظومة الغربية النموذجية، والمعرفية الهائلة، المتاخرة، فان العقل هنا يصبح بغاية العجز، ولايعود هنالك من امل له، بان يخترق مثل هذا القدر من المعيقات، والموانع، وغياب الفعل البنيوي، الا اذا اسعفته الضرورة او الغائية العليا( نفترض لحين الاثبات لاحقا، وجود "غائية عليا"، لابد انها تذكر ب"الحتمبة التاريخية" الماركسية، مع ان الاخيرة موضحه، ومانقصده ينتظر التوضيح نظريا)، مقحمة اياه مجال الفشل الذي لاينتهي، بحثا عن لحظة الانفصال عن العالم المترسخ، نحو عالم مواز، لو تحقق هو بذاته، فلن يكون في البداية اكثر من محطة، سابقة على ممكنات احلال المتصور، المنبثق الجديد، محل عالم سابق، مستبد وثقيل الحضور، لدرجة البداهة المطلقة.
وتتوافق الاشتراطات التاريخية، في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر، مع ماينتمي الى نوع من الحتمية، تفرض وفرضت على المنطقة الابراهيمة، الناطقة بالعربية، المرور بحقبة خضوع للهيمنة الغربية المفهومية، بغض النظر عن التسميات التي اطلقت عليها، لتمنحها دلالات مخالفة لحقيقتها، من نوع "عصر النهضة العربية"، وافكار "التحرر"، فالعالم العربي كان قد انقطع عن الفعالية الحضارية، وغادرها منذ القرن الثالث عشر، بحيث عاش متوهما في العصر الحديث، حقبة من ( التفكرات العربية في عصر نهضة الغرب الحديثة)، اهم مايميزها، الاتباعية، باسم اليقظة، التي هي نوع من التلمس شبه الاعمى، غير المبرر بنيويا، على التطور العالمي الجديد، ماقد كرس شعار اللحاق بالغرب توهميا وايديلوجيا، باسم: ( الشيوعية، والقومية، والليبرالية)، بغض النظر، لابل ومن دون اي تحر في الاسباب والعوامل المادية والتاريخية، اللازمة للانتقال، او للحاق كما يقال، ويردد بلا كلل وبلا اي نتيجة تذكر، بالظاهرة الغربية الحديثة.
وكما حدث في حينه، وحفز الميل الى الاتباعية، تتجمع اليوم في الافق، مبررات مغادرة تلك اللحظة، من التاريخ الانتقالي الفاصل، بين العثمانية، و"مابعد غرب"، فلم نعد اليوم، سواء على صعيد الغرب نفسه، او انعكاساته على منطقة الانماط الثلاثة والمجال الوسط، او المفتوح، الشرق متوسطي، لمابين النيل والفرات (3) حيث التشكيل المذكور، يقابل بتفاعليه، المجال الاحادي الطبقي الديناميكي بالحد الاقصى الممكن، من بين كيانات نمطه، ومشابهاته من المجتمعيات المغلقة الاحادية،على الضفة الاخرى من المتوسط. والجدير بالملاحظة، مع اطراد تفاقم الازمة التاريخية العالمية، المتوالية الدلائل على الضفتين، هو تراجع، لابل مايقرب من انعدام الفعالية الكونية، للنموذج الغالب والمهيمن منذ القرن السابع عشر، فالغرب الحالي، لم يعد هو نفسه، وهو محكوم بالاقتراب من تسليم القيادة التاريخية لغيره، الامر المترافق مع الانتقال من "الانتاج الالي"، الى" الانتاج التكنولوجي، وكل ماقد تبقى من حضور، مايزال يحفظ للغرب مكانة موروثة، صار يتاتى من قوة الحقبة المنقضية عالميا، وهو مايتمثل اليوم بالربط العشوائي البداهي، بين التكنولوجيا كحقبة مستجدة، وبين الغرب "منتجها"، باعتباره الاقدر على التفاعل معها، ومن ثم على ادامة قيادته للعملية التا ريخية.
ولان هذا الافتراض غير مدقق به، وناشيء عما يخالف طبيعة الفكر والعملية التاريخية، تستمر الازمة بالتفاقم خارج الوعي الانساني، انني شخصيا، لست بصدد ايراد مايعرف عادة بالتواضع المعرفي الكاذب، ولااجد مايمنعني من ان اعلن عن تقديمي قاعدة، واساسا في النظرلخصوصيات منطقة التوحيدية الابراهيمة، بنيويا، والأهم لاستمرارية فعلها في الحاضر، وبرغم وجود الغرب، وادعاءات تاثيره التغييري البنيوي الحاسمة، خلال القرنين، او الثلاثة المنصرمة، ولعموم الغرضية المصممة من "الغاية العليا" للوجود الانساني، وللاليات التي تحكمه، وتتطابق مع اغراضه المضمرة، والتي ماتزال خافية عن مدركات العقل الانساني.
ولست ادعي بان هذه المهمة قد استكملت، فالعمل مايزال، وسيظل مستمرا، لحين التوصل الى بنية معرفية، ورؤية، تنطوي على مقومات الشمول الضروري، في اية فكرة مستجدة تغييرية على المستوى التاريخي، الا انني استطيع الجزم، بان الغرب لم يعد هو المحور الحاضر الحي، والمتصل بعملية الانتقال الكونية البشرية الراهنة، ولا الملبي لاشتراطاتها، وتجلياتها، وان مثل هذا التطور، سائر للانتقال، او للعودة مرة اخرى، الى فعل وحضورالموقع الحضاري التاسيسي الشرق متوسطي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• يتطابق مفهوم "الانحدار الطويل"، او التحول بين الازمان، مع منظور مختلف عن ذلك المتعارف عليه اليوم، من نوع "المراحل" الاقطاعية، او الراسمالية، على سبيل المثال، فهذه المصطلحات، تخص نوعا من القياسات، تدخل ضمن سياق زمني محدد، وهي جزء منه، فمثلا الانتقال من الصيد واللقاط، الى انتاج الغذاء، هو انتقال "زمني" يمكن تقسيمه لفترات، ومانقصده هنا، من طبيعة انتقالية راهنه، ينتمي لنفس اشتراطات التحول الزمني الطويل، حيث تنتهي المجتمعية والانتاج اليدوي الالي، ويحل بدله، نمط من الانتقاج العقلي المؤقت، قبل ان تحل اشكال انتاج، غير قابلة للتصور من الان. وهو مايحل على العالم اليوم، وقد يطول مستمرا لعقود طويلة، قبل ان يصبح من قبيل الحقيقة القابلة للمعالجة الواعية العملية.
(1) مما يشكل اضاءة مفيدة، ويسيرة بهذا الخصوص، كتاب "ماكس هوركهايمر" المعنون "بدايات فلسفة التاريخ البرجوازية" ترجمة محمد علي اليوسفي/ دار التنوير/ بيروت 1981 .
(2) النشوئية الارتقائية الدارونية، لاتصلح كنظرية، الا في النطاق التحولي الحيواني، اي من الخلية الاولى، الى الانسان العاقل، ومن يومه صار هذا الفرع مختلفا، ويتطلب نمطا من البحث والنظر، ينصب على مايجب تسميته "النشوئية العقلية"، التي توافق صيرورة الكائن العاقل، المختلف كليا عما جاء، او تحدر منه، وهو ماسنتوسع فيه، في كتبابنا القادم، قيد الاعداد.
(3) ضمنا ذلك، كتابنا الصادر عام 2008 عن دار "الانتشار العربي/ بيروت /" ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ" 460 ص / ط1







اخر الافلام

.. القلق المالي سبب رئيسي لأمراض الجلد بين أوساط الشباب


.. موريتانيا: محمد الأمين.. أحد أشهر المدونين الشباب يخوض غمار


.. ليبيا: -كنز بنغازي-.. سرقة أكثر من 10.000 قطعة أثرية من مصرف




.. هل موافقة حماس على المقترح المصري يمكن أن تؤدي إلى المصالحة


.. فصيل على صلة بالحشد الشعبي يعلن استعداده للقتال مع الحوثيين