الحوار المتمدن - موبايل



الموت مُقابل الموت!!

سامي عبد العال

2018 / 4 / 18
مواضيع وابحاث سياسية


في غمار الأحداث السياسية الدامية قد يُنسينا الموتُ الناتجُ عنها ماذا نفعل. أقصد ماذا نتخذ من مواقف تنزلقُ لا مفر إلى تناقضات قميئة واقعياً. كانت تداعيات الحالة السورية الأخيرة ( الضربة الثلاثية ) هي أكبر ما وضَع أطرافَها تحت الانكشاف العاري بهذا المعنى. إنَّ الموت يجسد ذاته في صورة مفارقات بالنسبة لمن يحاربون أعداءهم دون النظر إلى ما يفعلونه هم أنفسهم. بحيث يجيء العداء كلياً ودافعاً إلى الوقوع في الأخطاء عينها ( الموت يسببه الطرفان )، فيحجب الرؤية عن التمييز ويضعف قدرة التعقل الفاحص للنتائج طويلة الأجل.

حقيقةً، لا تختلف ضربات أمريكا ( رد الفعل ) عن ممارسات نظام الأسد( الفعل ) إلاَّ في الاتجاه فقط، فالمحصلة هي الاعتداء على الكيان السوري المتمثل في دولته ومواطنيه. وانشغال الطرفين بتبادل اللكمات المدمرة أدى إلى ضياع فكرة الوطن وأوقع ضحايا تطارد الجانبين باللعنات والآثار نفسها. المواطن الذي تضرر لا يهمه ما إذا كان الضرر أتياً من شرق أو غرب، إنما الأهم أنه فقد حياته الكريمة، وأنه يعيش تحت التهديدات الخطيرة من حين لآخر. و لذلك كان يجب على نطاق أبعد التساؤل عما يضير الأوطان من أي صراع مسلح. فالأوطان لا تُبنى حضارياً وثقافياً بالأنظمة المحدودة بحدود ظروفها، بل بفكرة الإنسان الكلي الذي لا يتجزأ مع نظام أو ضده، مع جماعة أو غيرها.

هل يختلف الموت الذي يسببه الإرهاب للشعب السوري عن قتلى النظام الحاكم عن تدمير الضربات الأمريكية وضحاياها؟ أليست جميع الميتات واحدة، لأن القتلى - كما يوجدون في الحقيقة - هم أفراد الشعب السوري كله. في حين يتسابق المتحاربون الأعداء ( الإرهاب × النظام × القوات الغربية × المعارضة المسلحة ) على تسديد الضربات لبعضهم البعض بأجساد الغير. أي أن الضحايا بينهم جميعاً هم الطرف الرابع والخامس والسادس: طرف الشعب.

صحيح قد يختلف الموت كما قد تختلف الحياة، فالأخيرة تستحق أن تعاش بقدر ممارستها بآفاق حرة هي الحق بالوجود لزمانك ومكانك ووطنك، إلا أن الموت قد لا يختلف حقاً، ولاسيما في حالة اتخاذه ذريعة للدفاع عن الإنسان. وهي الذريعة التي رفعتها الضربات الثلاثية( أمريكا وانجلترا وفرنسا ) حفاظاً على حياة الشعب السوري وحمايته. فالضربات لم تفعل شيئاً بخلاف ما فعله الإرهابيين من تدمير المنشآت والمدن.

الموت لديه قدرة على فرز المواقف وإظهار أطراف الصراع أمام المتابع, وبخاصة أنه لم يكن هدفاً إلا بالصدفة كما يقولون. فبالتأكيد لم يكن النظام السوري ليهدف إلى القتل مجرد القتل. وكذلك المعارضة المسلحة لم تذهب إلى قتل دون وجود الصراع وأن الموت قد يقع وقد لا يقع بحسب احداثيات صراعية معينة. لكن ذلك كله يصبح لا قيمة له إذا حللت مشكلة الموت( القتل ) وتحول إلى سبب ونتيجة بالوقت نفسه. وبالتالي إذا كانت مقاومة الموت مؤدية إليه في النهاية، فلن تنتهي دائرية الفعل ذاته وسيتحول الموت إلى صورة من السخرية. تلك التي تطال الدوافع التي يمارسها المقاوم أو المدافع عن حياة الإنسان.

لكم تباكى دونالد ترامب على ضحايا الشعب السوري نتيجة استخدام السلاح الكيماوي. وأعلن صراحة أنَّ الضربات الثلاثية ليست إلاَّ رداً على القتل الذي يبدو من وجهة نظره مجانياً. كان الأجدر به ( وبنا وبهم وبجميعنا وحتى بالحيوانات) التساؤل: إذا كان نظام الأسد يقتل شعبه، فلماذا نحن نطلق ضربات تقتل المزيد؟! كيف نتوعد بالموت المتهم بكونه قاتلاً لشعبه؟

فليكن هناك اقتصاد للموت على الأقل حتى لا تهدر قيمة الإنسان سواء أكان معارضاً أم مؤيداً للنظام السوري أم منتظراً تصفية أحد الطرفين. ألم تزعم أنت كغرب أن هناك حقوقاً إنسانية وأن حق الحياة أسماها منزلة، ذلك بوصفها الأساس لكل الحقوق الأخرى. لماذا إذن تعالج الموت بالموت ؟!
في الحقيقة تلك الفكرة وضعت الضربات الثلاثية وكل ما يخصها تجاه الشعب السوري ( خطاب، تحذيرات، مناشدات، عبارات أسف، تعليقات حول ما أسفرت عنه...)، أقول وضعت كل ذلك في دائرة الشك. لأن موتاً هو الوحيد غير القابل للتبرير مهما تكن ضآلة الخسائر... قيلت إنها إصابات فردية وتهديم الأبنية والمعامل الكيماوية التي صنعت السلاح المجرَّم دولياً.

لأول وهلة قررت الدول الثلاث توجيه نوع من الموت الذكي إلى الدولة السورية. وكم نوه ترامب في حينه أن الصواريخ التي ستوجه هي صواريخ ذكية، مما أحدث بلبلة في التعليقات على الأحداث. انشغلت الفضائيات بأسئلة من قبيل: ماذا سيحدث ؟ هل هي عملية واسعة أم عملية جراحية تستأصل أنياب الأسد الكيماوية ؟ وأيا كانت التفاصيل فلا يستطيع أحد تجنب وإبعاد أعراض الترقب والخوف على نظام الأسد وعلى السوريين العاديين في الشارع اليومي.

وبخاصة أنَّ تجارب الدول الثلاث في ليبيا واليمن وافغانستان كانت تقذف بعماء الموت المباشر فوق الأبنية والاحتفالات والجماهير ومظاهر الحياة، ألم تضرب وتقتل الطائرات الأمريكية مواكب وأفراحاً في افغانستان واليمن، وفرنسا دمرت الأبنية المدنية وقتلت الأطفال والنساء في الربيع الليبي. لقد غدت التدخلات الغربية في دول الربيع العربي عنواناً لتكنولوجيا الموت العابر للحدود.

وذلك تثار قضايا مهمة هل يجوز في ظل القوانين الدولية تصدير الموت للشعوب باسم الدفاع عنها؟ كيف يبرر القانون الدولي وقوع ضحايا دون حساب ولا عقاب؟ وإذا كان كل موت محلي( بسبب الأنظمة المستبدة) سُيرد عليه بموت عولمي، كيف سيكون حق الإنسان في الحياة؟ وما هي الضوابط والمعايير التي يتم بناء عليها استعمال القوة في حالات مثل سوريا؟ ومن أعطى الحق للقوى الغربية بأن تقتل وتدمر باسم الإنسانية؟!

نتيجة تكرار أفعال الموت من قبل القوى الغربية غدت أمريكا ودوائرها علامات قتل مسجلة في ذاكرة الشعوب. لم تجف دماء آلاف وآلاف العراقيين جراء الاجتياح الأمريكي لبلدهم... منذ أيام قلائل خرج أحد الجنود الأمريكيين متباهياً بأنه قتل أكثر من خمسة آلاف عراقي قنصاً طوال فترة الغزو الأمريكي. بينما أشارت بعض الإحصائيات الانجليزية غير الدقيقة أن عدد القتلى بين عامي ألفين وثلاثة 2003 إلى ألفين وسبعة 2007 حوالي مليون ومائتي ألف 1,200000 قتيل. هذا بالطبع غير القتلى الآخرين الذين يقدر عددهم بضعف هذا العدد فيما قبل ( حرب الخليج الأولى) وفيما بعد نتيجة ظواهر العنف المترتبة على الاحتلال ( الصراعات الطائفية وصولاً إلى داعش ).

من جهة تالية قدَّرت وحدة البحوث في الكونغرس الأمريكي، وهي هيئة بحثية مرموقة، أن تكون الولايات المتحدة قد أنفقت على تلك الحرب حتى نهاية العام المالي2011 مبلغا قدره 802 مليار دولار أمريكي على تمويل الحرب، وقد جرى بالفعل تخصيص 747.6 مليار دولار منها. إلاَّ أن كلاًّ من الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز، الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد 2001، وليندا جي بيلميز، محاضرة في شؤون السياسة العامة والتمويل والموازنات بجامعة هارفارد الأمريكية، يعتقدان أن تكون الكلفة الحقيقية لحرب العراق قد بلغت ثلاثة تريليونات مليار دولار، وذلك إذا ما أخذنا بالاعتبار الآثار الإضافية لتلك الحرب على الميزانية والاقتصاد الأمريكيين.

وهذا معناه أن أكبر حضور لأمريكا كان على خطوط الموت المباشر لمواطني الدول التي تواجدت فيها. وأن الموت مدفوع الثمن، لأن هذه الأموال تم نهبها من ثروات العراقيين الطبيعية والبشرية وتمويل الدول الخليجية التي تم تسويق أن نظام صدام حسين كان موجهاً إليها بالمقام الأول.

أمريكا بهذا الصنيع تطيح بالقانون الدولي، لأن هناك خلطاً معيباً بين النوازع الإنسانية، وأمريكا بآلتها الإعلامية تعرف كيف تثير هذه القضية، وبين نواياها التدميرية التي تخدم مصالحها. وبفضل هذا الخلط، فإنَّ الموت هو الرد الوحيد لإيقاف وتيرة أي موت آخر( إيقاف الموت بالموت ). وبذلك تماثل عمليات التدخل العسكري أعتى عمليات الإرهاب، كلتاهما تنتهكان خصوصيات الشعوب وتستغلان أوضاعها في حصد الأرواح وهدم مظاهر المدنية التي استغرقت سنوات من البناء.

وفي هذا ينبغي تدعيم نزعة إنسانية كونية ذات طابع كمي تتجاوز فكرة القوى الغاشمة التي تستل مآربها الخاصة. وتكون بارزة بروزاً نافذاً إزاء حالات انتهاك الحقوق الإنسانية بصرف النظر عن الأنظمة والدول والمجتمعات. بحيث تنحاز لصالح الإنسان في المقام الأول مجرداً من أوضاعه المزرية ومن مرتبته المتدنية. ويكون لها الدافعية الذاتية لحماية هذا الإنسان بكل ما أوتيت من قوى الحياة حتى لا يصل إلى حافة الموت. وهذا معناه إشاعة روح المساواة والعدالة ومساعدة المجتمعات على تجاوز تخلفها وتنمية مؤسساتها وإحلال آفاق الحياة المتعاونة لا المتقاتلة.







اخر الافلام

.. اليمن.. أمنستي تتهم التحالف والحوثيين بتعريض حياة 100 ألف طف


.. أمهات يبحثن عن أبنائهن الذين انتزعن منهن في ألمانيا الشرقية


.. سواقي مدينة مراكش المغربية.. إرث معماري بحاجة ماسة للترميم




.. فرنسا.. منع سيارات الديزل المصنعة بين 2001 و2006 بداية من 20


.. إيطاليا.. المجتمع في صقلية يكافح لإنهاء المافيا