الحوار المتمدن - موبايل



خليل الجمل، اول فدائي لبناني في الثورة الفلسطينية

مهند طلال الاخرس

2018 / 4 / 24
القضية الفلسطينية


خليل الجمل ذلك الفتى اللبناني المولد والجنسية وصاحب القلب النابض بالعروبة والمثقف الذي لم يتجاوز عمره السابعة عشرة، مَلك ايماناً عميقاً سكنه وسار على خطوات كاتبي تلك الرسائل فكتب رسالة من كلمات قليلة: "أخي نبيل، سلامي لأهلك ولأمي، أرجوك لا تسأل عني. أنا بخير. سأعود". وضع الرسالة على مكتب شقيقه في مكتبة كركاس حيث يعمل في غرب بيروت، وغادر في 25 آذار عام 1968 الى فلسطين.

لم يعد خليل عز الدين الجمل، مشياً على الاقدام إنما عاد محمولاً على الاكتاف شهيداً، وفي استقباله مئات الآلاف. ليشكل استشهاد أول لبناني في صفوف الثورة الفلسطينية بداية مرحلة جديدة في لبنان ولا سيما في التعاطي مع القضية المركزية للعرب ولاحرار العالم.
نقلت قوات "العاصفة" جثمان الجمل، الى بيروت ليتم تشييعه. وكان في صحبة الجثمان رفاق السلاح الذين تحدثوا عن اقدام الشهيد وكبريائه وابائه ومناقبيته العظمية. في السابع والعشرين من نيسان/ ابريل 1968 مشى لبنان بأسره في موكب الشهيد. الشهيد في استشهاده شهد على اجتماع اللبنانيين بكل أطيافهم واحزابهم في الجنازة مع قرع اجراس الكنائس واصوات الأذان والتكبير. بدأ الموكب الكبير من شرق لبنان حيث وصل موكب الجنازة إلى المصنع عند الحدود اللبنانية السورية في تمام السادسة عصراً ليخترق آلاف المواطنين وفدائيي "العاصفة". اصطفت الجموع على اطراف الطريق من البقاع اللبناني الى العاصمة بيروت حيث اقيمت الصلاة على الجثمان في المسجد العمري الكبير في العاصمة، ومن الجامع العمري انتقل الموكب إلى مقبرة الشهداء.

كانت جنازة مهيبة للشهيد، بثت الروح الوطنية في الشعب اللبناني خصوصاً مع كتابات هامة نقلتها الصحافة اللبنانية، والهتافات التي اطلقها المشيعون واللافتات التي كتبت عبارات كثيرة منها: "لبيك يا فلسطين"، "تعيش العروبة"، "على دربك يا خليل".

تسابقت آلاف الأيادي في حمل النعش، من منطقة رياض الصلح إلى الباشورة والبسطة التحتا والفوقا، ومن ثم المزرعة. واحتشد على جانبي الطريق المواطنون ووقفوا على الشرفات يهتفون ويصفقون للشهيد وللموكب الذي امتد من المزرعة إلى رياض الصلح، لتنضم بعد ذلك إلى الموكب تظاهرة حاشدة نظمها طلاب الجامعة الأميركية، انطلقت من رأس بيروت عبر شارع فردان، فجامعة بيروت العربية.
وبعد الجنازة المهيبة ليس كما قبلها، فقد أصبح الجمل رمزاً يحتذى عند الشباب اللبناني الذي انضم قوافل في حركة فتح وبقية الفصائل الفلسطينية والمقاتلة ضد الاحتلال ولتحرير فلسطين.
خليل عز الدين الجمل، يكاد يكون الشهيد الوحيد الذي حمله أبناء وطنه على الأكف من مجدل عنجر إلى بر الياس فإلى جديتا ومكسي وصوفر وعاليه والكحالة والحازمية والضاحية والطريق الجديدة، وواكبته بعد الصلاة عليه من بيت أبيه عز الدين الجمل إلى مقبرة الشهداء.

صغيراً كان عندما حمل القضية، لكن ايمانه كان أكبر بكثير من اي عمر يمكن ان تسجله هوية وكان محركه الاول والاخير. خطوات ثابتة رافقت الشاب المراهق ليولد مقاوماً منذ نعومة الاظافر.

الشهداء كثيرون، كرمل الشاطئ، كصخور الجبل، لكن فتى الثورة الأغر وشهيدها اللبناني الأول، خليل عز الدين الجمل، يظل متمتعاً بشرف السبق. فمن هو، وما هو السبق الذي ميّز الشهيد خليل الجمل عن غيره؟

خليل عز الدين الجمل (21 كانون الثاني/يناير 1951 - نيسان/أبريل 1968) هو شاب لبناني أول من استشهد من اللبنانيين في سبيل القضية الفلسطينية والذي سقط في الأردن في نيسان 1968م فيما عرف بمعركة تل الاربعين. وكان استشهاده الشرارة التي شجعت شباب عرب من غير الفلسطينيين على المشاركة في النضال إلى جانب الفلسطينيين.

ولد في 21 يناير 1951 لأبوين لبنانيين هما عز الدين محمد الجمل والسيّدة وداد مصطفى شهاب. تلقّى علومه الابتدائية في "المدرسة العصرية" ثم أكمل دراسته التكميلية في "مدرسة المخلص" المسائية. عمل نهاراً ودرس ليلاً. وبحكم عمله مع أخيه الأكبر نبيل في المكتبة كان دائم الاطّلاع والقراءة، ما مكّنه من تكوين ذاكرة ثقافية عن الصراع العربي الإسرائيلي.

عند الساعة التاسعة من مساء يوم العاشر من نيسان 1968، تلقت مجموعة فدائية فلسطينية إشارة من احدى وحدات المراقبة الأمامية بدخول القوات الإسرائيلية إلى منطقة "تل الأربعين" !ذ أقاموا جسراً حديدياً متحركاً بالقرب من "بيارة أبو فريدس" في منطقة الأغوار ودفع على هذا الجسر دبابة وعدداً من السيارات المصفّحة. كما قامت طائرة هليكوبتر بإنزال أكثر من 30 مظلياً في المنطقة. اخترقت الدبابة والسيارات الحدود وتقدمت داخل الأراضي العربية حيث كانت وحدة مراقبة تابعة لقوات "العاصفة" ترصد تحركاتها وما أن وصلت إلى "زبارة" قرب "تل الأربعين" حتى أبلغت وحدة المراقبة مجموعة من "قوات العاصفة" كانت ترابط في كمين خلفي. كان خليل من أفراد هذه المجموعة، فتوزعوا على ثلاث وحدات، وبحركة التفاف حاصروا قوات العدو وفاجأوها بنيران غزيرة من رشاشاتهم والقنابل اليدوية، فارتبك رتل العدو المتقدم وكان يضم 75 جندياً من المظليين والمشاة فتجمعوا خلف الآليات المصفحة بعد أن سقط منهم 10 جنود بين قتيل وجريح. وأمام صمود الفدائيين، بدأت قوات العدو بالتقهقر وهي تحمل قتلاها وجرحاها من منطقة الاشتباك. كان خليل بين عناصر المجموعة التي طاردت فلول العدو المندحرة وهي تتراجع إلى مواقعها داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، واستمروا في مطاردة القوات المتقهقرة حتى وصلوا إلى نقطة متقدمة من خط وقف اطلاق النار حيث كثرت مراكز النجدة التابعة للعدو، فأمر قائد المجموعة رفاقه بالانسحاب إلى مواقعهم بعد أن أوقعوا في صفوف العدو 15 جندياً بين قتيل وجريح. واستمرت رماية قوات العدو من داخل الأرض المحتلة على المجموعة التي لاحقتها، وبينما كان خليل يحمي انسحاب رفاقه وتراجعهم إلى مواقعهم أصيب في كتفه فحاول عنصران من رفاقه مساعدته في التراجع ولكنه رفض الانسحاب وأصرّ على البقاء في موقعه ليحمي انسحاب بقية رفاقه وكان أن عاد بقية رفاقه إلى قواعدهم سالمين وسقط خليل بالإضافة لشهيد فلسطيني أخر هو علي عبد القادر حيان في أرض المعركة.

صغيراً كان عندما حمل القضية، لكن ايمانه كان أكبر بكثير من اي عمر يمكن ان تسجله هوية وكان محركه الاول والاخير خطوات ثابتة وبوصلة واضحة رافقت الشاب المراهق ليولد مقاوماً منذ نعومة الاظافر.

الشهداء كثيرون، كرمل الشاطئ، كصخور الجبل، لكن فتى الثورة الأغر وشهيدها اللبناني الأول، خليل عز الدين الجمل، يظل متمتعاً بشرف السبق بالانتماء الى صفوف الثورة الفلسطينية وبقرع الجرس وبطبعه قُبلة الانتماء لقِبلة الارض فلسطين.

ولعلنا نفهم الاسبقية والزلزلة التي أحدثها خليل الجمل برميه حجرا في البحر العربي الراكد، ما قاله الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في حقه عند حديثه عن الثقة بالإنسان العربي، حيث وجه له تحية مباشرة في كلمة ألقاها في نيسان من العام 1968 قال فيها:
"اللي عنده 17 سنة و18 سنة، واللي بيقاتلوا في داخل إسرائيل يثبتوا أيضا إن احنا ندّ، ويثبتوا أن الإنسان العربي قادر على دفع التحدي. الشاب اللبناني اللي أخد سلاحه وطلع من لبنان وترك رسالة لأهله قالهم أنا ماشي ومش حا غيب.. وحا ارجعلكم، وطلع ودخل مع قوات العاصفة إلى إسرائيل علشان يقاتل في سبيل أرضه ومات ورجعوه امبارح إلى لبنان.. يثبت أن الأمة العربية كلها بكل أبنائها قادرة على تحدي هذا العدوان".

ولم تكن اسبقية الجمل اللبنانية اقل تأثيرا مما احدثه عربيا، ولعلنا نجد في رثاء غسان تويني له ما يوصف هذه الحالة التي احدثها: "من زمان لم يمت منا شهيد.. شهيد حقيقي.. شاب يُحلّ الوطن في مقام أعلى من الحياة. من زمان لم يعتبر شاب منا أن ثمة ما هو أثمن من الحياة، هو فداء الحياة. من زمان لم يكتب لنا أحد بدمه رسالة حرية.... خليل عز الدين الجمل، تعود إلينا ولم نعرفك. كأنك ما متّ إلاّ لتعرفنا بما فينا. بأن فينا إرادة الحق حتى الموت والإيمان حتى الشهادة".

ان حدث وزرت مدافن الشهداء في بيروت ستجد قبر خليل الجمل يتوسط المقبرة كالعلم فقرأ لروحه الطاهرة الفاتحة واقرئه منا السلام ، وان حدث وتجولت في شوارع بيروت ستجد شارعا بإسمه في الرملة البيضاء، هذا الشارع له وقعه الخاص في النفوس، ان سرت فيه تذكرت خليل الجمل حتما، فطيفه كإسمه لا يغادر المكان.

*المراجع
-موقع وكيبيديا
-مراجعات مع اللواء راجي النجمي، واللواء فؤاد البلبيسي "موريس"
-خليل عزالدين الجمل، قبسات من نور شهيد بيروت والعروبة، صحيفة المستقبل، عدد 5 أيار 2010 - العدد 3643.
-غسان تويني، افتتاحية جريدة النهار، 27 نيسان 1968، النهار
-موقع حركة فتح، مفوضية الاعلام والثقافة
-دراسات وتجارب ثورية "كراس"، الشبيبة الفتحاوية/الاردن
-نبيل الجمل شقيق الشهيد خليل الجمل صفحة الفيسبوك
-محمود شكر الله عباس، خاص مجلة القدس العدد السنوي 333، خليل عز الدين الجمل: أنا بخير وسـأعود
-بوستر الشهيد خليل الجمل، اصدار اعلام حركة فتح.







اخر الافلام

.. قوات المقاومة اليمنية المشتركة تواصل تقدمها في الحديدة


.. الحديدة.. والخطة الحوثية لافتعال الأزمات


.. قتلى ونزوح جراء قصف النظام لبلدات في ريف درعا




.. تكتل إعلامي دولي لمواجهة قرصنة -بي آوت كيو-


.. شاهد.. أختام داعش والمتفجرات التي عثرعليها الجيش بدرنة