الحوار المتمدن - موبايل



وكأني

إبراهيم الوراق

2018 / 4 / 28
سيرة ذاتية


وكأني
وكأني على وشك أن أودع كل من يعرفني، وأصافح من لا يعرفني، وأقول للجميع كلمتي الأخيرة.
كيف لا يألم بالحياة من فقد جوهرته في مشيمة أمه، ثم ولد بين ديار خربت حلم أبيه، وكسرت مجاديف أمله.؟
وكيف لا يشقى بالطبيعة من ضاعت منه الألوان، والأشكال، والموازين، والمعايير.؟
وكيف لا يتعس بالكون من تجرد من عشق الأفق، والعنان، والفضاء، والسماء.؟
وكيف لا يكتئب من الوجود من مسحت من ذاكرته الحروف، والألفاظ، والمعاني، والمفاهيم.؟
وكيف لا يموت من استوى عنده الجوهر ومادته، والكنه وماهيته، والهوية ودالتها، والدليل، والمدلول.؟
كيف يبقى في العقل شيء، وقد تواترت عليه الأوهام، وتواردت عليه الأورام، وتعاقبت عليه الأرزاء، وتواصلت فيه الأعباء.؟
شيء كنت أداريه بين الديار منذ زمن طويل، وأتجلد من أجل إخفائه لسبب عليل، وأواجه في سبيله غصصا أليمة، وأوضاعا أثيمة، لكن، أنى لي أن أقارع عاصفة الزمن الهادر بفوادح الفواجع، وغرائب الطوالع، وقد قلعت الشجرة من جذورها، وخربت القلعة على قدورها، وجرفت غدران الدم إلى وديان موغلة، وبحار موجلة، وبقيت عريا بلا ظل، وغمرا بلا أمل، وكأني ما عثرت هنا على طين، وما نشأت في حضن، وما كبرت في حصن، وما تشوفت إلى وطن.
سينصرف الناس عني كما انصرفوا اليوم، وقد ضقت ذرعا بمرارة الغدر، واللؤم، واختنقت بما كسر عضدي، وكبس سددي، وأوقعني في جب الألم الأبدي، واليأس السرمدي. لكن، لا تطالبوا السماء بالأجر في موتي، ولا تتزاحموا بالأكتاف على شتاتي، فإني ما عشت بين أكنافكم حيا بأربي، لكي أنال بكم براءة في غيابي.!
سأتيه كما تاه غيري بين حمم الظلام، وهو الغد وما بعده من مستقبل يخبو في عتمة الازدحام، ولا أدري متى سينتهي أمده، ولا متى سيحين بدده، فأكون شلوا ممزقا لأنياب الديدان المرتعشة، أو لمخالب الهوام المتوحشة. لكنه، وإن بقي شيء من هذا الزمن الذي صارمني عهده القديم، وغادرني صوته الرخيم، فإني قد انتهيت من بين أعينكم، ولم يصر لي جرم يُرى بين أعيانكم، وكأني ما مررت هنا، وما ارتحلت هنا، وما بكيت هنا، وما حزنت هنا، وما تضايقت هنا، وما خذلت هنا، بل كنت سجين الندم، وكنت حبيس الوخم، وكنت محصور النغم، وكنت مقصور الشمم.
وها أنذا أنفصل عنكم، وليس لي رجاء في أن ألتقي بكم، ولو أسعفني شيء من جمال المدن المطلية بدموع المذمومين، وطالبني بأن أغوص في لجة المحرومين، وأنعى ذكرياتي التي توارت وراء فؤاد متهدم الجنان، ومتهاوي العنان، فإننا لن نلتقي أبدا، أبدا، أبدا، بل سأذيق هذا المارد الذي يسكن الذات سما زعافا، وسأسومه خسفا، لكي يعلم أني كنت مخلصا لهذا الشبح المتمثل في وهني، والمتجسد في شجني، وهو كل أمنية فقدها الإنسان، وكل صرخة أطلقها الإنسان، وكل لعنة لحقت الإنسان، إذ لو لم أحب هذه الأصوات التي التفت على عنقي، والتأمت على حدقي ، لكي تطرحني أرضا، وتدهسني دحضا، ثم تذيبني في قيح البؤس، وشؤم النحس، لكنت تيسا يساق إلى مجازر الاستهانة، ويقاد إلى جزر الاستكانة، وليس لي من أمل، إلا ما أدخره من أجل، بل صارمني من لهم رأي اكتسبوه حيرة، وشبها، وجافاني من لهم جهد اكتنزوه رياشا، ورفاها، جعلهم أهل راحة، وأريحية، وجعلني فقدُ بريقه نسيئة أبدية.
لن يلومني أحد على ما أبرمت، ولن يعاتبني على ما استوخمت، ولو لامني، أو نعاني، فإني قد عشت هنا بلا أقارب، ولا عائلة، ولا أصدقاء، وحييت بين أقوام يفاخر جهابذتها بأنهم رحماء، ولطفاء، وكرماء، فإذا بهم غرزوا في خاصرتي سهام الفوت، ورماح الحتف، ونصال الموت. كلا، بل شقي الزمان، وفجر المكان، وصرت من بؤسي أراني ما وجدت هنا إلا خطأ، ولو أمكن لي أن أعود إلى لحظة الشبق التي جعلتنا في الوجود أرقاء، لما اخترت أن أرجع إلى هنا أبدا، أبدا، أبدا. وأنى لي أن أجد موقعي بين ديار تنكبت عن القصد، وانحرف فيها الود، وغدت من شدة الظلام الذي يغشى الوجوه، والنفوس، والقلوب، والعقول، لا تؤمن بوجودي، ولا ترغب في حضوري.
فآه، آه، قد انتحر الشوق في صدورها، وانطمس العشق بين ظهورها، وانخسف الأمل معها، وانكسف الحظ الذي يجاريه البائسون منها.
فكيف سيلومني إخوة تنكروا لعهد الإخاء، وبددوا صلة التاريخ، ونفثوا أصلال الحقد الدفين في الأعماق الموحشة.
وكيف سيلومني مؤمن بالإله، أو موقن بالإنسانية، وهو من ذبحني قربانا لطهارته، وهو من تركني فسيلة مبتورة من عروش المنى.
وكيف سيلومني رفيق جرته التعاسة إلى برك الخزي، والعار، وهو ما مشى معي على درب الصراخ، والجلبة، والضوضاء، إلا لأنه أحس بأني كنت أمانا من طعنةٍ كان جرم جسدي قادرا على أن تنفذ في أحشائه، فإذا به يسمع في جوفي خوفا، ورعبا، وجبنا، ويشهد مأتما وعويلا وبكاء، ينزف من عمقي بشدة، وحدة، وقوة، فخشي من هزات المكان، ورجات الزمان، فالتأم النظر على أن يودعني قبل أن ينتحر الصوت، والحرف، والفكرة، وتزول العين، والجرم، والحيز. وهل وجد إلا ليعيش سعادته.؟ وهل هي مملوكة لي، لكي يحس بها على بساطي.؟ وأي فراش لي، ما دمت لا أعيش إلا بين الحفر الممتلئة برجيع السنين، وصديد المعاناة، ونقيع المأساة.؟
وأي مأساة يمكن لها أن تجد الأسى، والسلوان، أو أن تعثر على يد تربت على جرحها الغائر، وهي ما سميت بذلك الأسامي الخادعة، إلا لأنها أرادت أن تكون السكين الذي يفري ودجي، ويقطع أوصالي، ويذيبني تحت نيران الهزيمة، وجحيم الانكسار.؟
شيء ذقت تباريحه بين من أنتسب إلى عقيدتهم، ودينهم، وتراثهم، وتاريخهم، وحضارتهم، وهم ما نازلوني إلا باسم ما اشتركناه من مسير، أو مصير. فها هو ذا أودع عشه الذي استوحشني، واستمرأني، وانطوى على ليلة حمقاء، انبجس فيها الانبثاث، والاجتثاث، وكأنه ربع لم أسكنه أبدا، ولم تطأه خفي يوما، ولم يسمع شخيري ليلة، ولم يقني قيظ الشمس نهارا. فأي عبث هذا الذي أعيشه.؟ وأي فوضى خدرت الكون بين عيني، ولم يعد له ملمح الوضوح، وقد كان من ذي قبل، وفي غفلتي يعدني بالوفاء.؟ وها هي تلك الأفكار تنز عني، وتنازعني، وتصارعني، وتسابقني، وكأنها ما استوطنت قلبي في لحظة من اللحظات. وها هي بهجة ما قرأت، أو ما تعلمت، أو ما حصلت، قد التبس فيها المراد، وانتهى فيها الشوق الذي راودني، وغازلني، وأنا ما كنت إلا وفيا لأيامها العجماء، ولياليها البكماء، ولأزمنتها العجفاء، لكن في غباء الحظ، وفساد الدار، ونكد الإنسان، كانت السيف الذي مزقني إربا، إربا، ثم دفنني بين الأجداث حيا، وكأني ما سمعت منه صوت العفو والتسامح والتعاضد والتآلف والتآزر.
لن أنزف بعد اليوم، وقد سالت دمائي على الطين الذي حُشي بفجع عمر ضائع في فراغ، وسادر في لواعج لعينة، وتائه بين دروب تافهة، وهائم وسط أحلام ساقطة، وكأني لم أهن لما أذل هامتي، وأدال همتي، إلا لأني أشفقت على هذا التاريخ الذي ارتبطت بحمقه، وجنونه، وهو سبب كل الحروب الذي خاضها الفكر في قاعي، وفي قيعاني، وفي آجامي التي افترستني فيها سباع الدهاء، والمكر، والخداع، ثم استمر معها الوجع إلى يومي، فاستحالت رمادا، كان نارا، ثم بال عليه الزمن التعس، فانطفأ ما فيه من وقدة، وصولة، وصبوة.
إني أعلم يقينا أنكم لن تقرؤوا كلامي، لكن، سيقرأ في زمن آخر غير زمنكم.
فسواء أنتم، أو غيركم، بل كل من توارى وراء جبة السماء، ما هو إلا أبرهة في فستان جشع ، وطموع، يريد هدم معبد الإنسان البهي، لكي يؤم الناس شطر قبته السوداء، ثم يغدو مع مرور الزمن في معرة الدجل، وسبة الخرافة، هو ذلك الإله الذي يئد، ويغتصب، ويقتل، ويحرق، وينسف.، وينهي حياة البشر إلى سقر العناء، والشقاء.
سواء ذا، أو ذاك، فالأمر عندي هو نهاية في الهذيان، وغاية في التوهان، لأنه ما كان رحمة للإنسان، لكي يكون حياة له، وما كان أملا له، لكي يصير فرحا ومسرة في سيره، وسربه.
أنهار متشابكة، وبحار متعاندة، ومجاديفي تكسرت، وسفني غرقت، وأفواه التماسيح تبتلعني، فهل سأحيى أشلاء بين أجواف غائرة.؟ حدقت في الأرض، وحملقت في السماء، ناديت الإنسان فلم يستجب لي، وخاطبت الجن فلم يعبأ بي، وناجيت الملاك فلم يكترث بي، وتوسلت إلى الآلهة، فلم يعبر كلامي حنجرتي، فهل انحبس الصوت في صدري، وغادرته الألفاظ، وباينته الملامح.؟
تلك هي النهاية التي تحس بها حين لا يشخص بين عينيك شيء يجوز له أن يحميك، وتلك هي المهلكة التي تخب بين غوائلها حين تفارقك لحظات زمنك، ويصير كل شيء لا يرد عليك إلا بلون واحد. فسواء ليل الأرق، وسواء نهار القلق، فكل ما في الوجود غير موجود، كل ما في قاع الذات غير معلوم.
فلا تمدوا أيديكم العفنة، لأنكم لو مددتموها، فلن تكون إلا قذارة، ووقاحة. فاخسئوا جميعا، إذ لو كان لي في عالم الأنذال واق، وراق، لكان هو ذلك الذي اشتركنا معه الآباء، والأجداد، وافترشنا معا مهدا واحدا، لكن، أنى لمن كسر الزمن شراعه، أن يشفق عليه من لم ينهزم، ولم ينكسر، إذ لا يعرف ما ينطوي عليه الفؤاد من كبوة القدر، إلا من دهسه بغل الفقر، ورفسه جمل الغدر.
فتحيتي لكل البائسين والمحرومين والمقهورين والمنبوذين.







اخر الافلام

.. -ما لا تعرفه عن زياد الرحباني؟--| الجزء الأول


.. إيران تعزز حضورها غرب نهر الفرات بسوريا


.. إجلاء الآلاف من سواحل المكسيك تأهبا للإعصار ويلا




.. الفقر يستفحل في اليمن والموظف يفقد اغلب راتبه


.. انطلاق أعمال مؤتمر الإستثمار السعودي