الحوار المتمدن - موبايل



طبيعة الإنسان -1-

إبراهيم الوراق

2018 / 4 / 30
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


طبيعة الإنسان
-1-
اختلفت الأنظار واختلطت في ماهية الإنسان، وطبيعته، وصفاته، وخصائصه، فقائل يقول: إنه حيوان عاقل. وقائل يقول: إنه حيوان مفترس. وقائل يقول: إنه كائن مدني. وقائل يقول: إنه كائن أخلاقي. وقائل يقول: إنه ماهية تاريخية. وقائل يقول: إنه يقول ماهية سياسية. أقوال كثيرة عبر فيها الإنسان عن ذاته، أو عن محيطه، أو عن رغبات حياته، أو عن تطلعاته التي ينتظر حدوث حقيقتها في كونه، أو في طبيعته، وهو فيما يفصح عنه من معان تجمعت لديه، وتكدست في تقاليده، وعاداته، وأعرافه، لا يكابد إلا معاناته، ومآسيه، ومخازيه، إذ لا يمكن لهذا الكائن أن يدرك بإدراك واحد، أو أن يفهم بفهم محدد، يكون هو الماهية المعبرة عن كنه كيانه، والغاية المطلوبة من هوية وجوده، لأنه في نهايته التي لا يألف سواها، ولا يستأنس بغيرها، ليس إلا خلاصة فكرة تراكمت في وجدانه الخارج عن متعلق الزمان، والمكان، وعصارة تجربة تكونت منها صور تصوراته، وتصديقاته، وبها استطاع أن يكوِّن فرادته المتميزة في ذاته، وينشئ خاصية علاقاته مع عوالمه الخفية، والجلية.
ولذا، يكون من العسير علينا أن نقول بصدق تعريف معين على ما نحدد ماهيته، ونزعم أنه الجامع لحده، والضابط لرسمه، لأن هذا التعريف الذي نخترع ميزانه، ونبتكر معياره، ومهما كان قالبه اللغوي صوريا، وملتزما بقوانين التفكير العقلاني، لن يكون إلا تعبيرا عن كيان واحد، هو الباحث بأدواته المنطقية، أو المبحوث فيه كماهية مجردة، يدور حولها اللفظ المنتزع من ذاتها بدقة، وإمعان، إذ البحث لا يكون إلا ذاتيا، ولو تجرد من أعراضه الخارجية، لأنه لا ينشأ إلا في دائرة الباحث، وما يستشكله من قضايا، ومعاني، وهكذا المبحوث فيه، فهو وإن كان يوهم بالموضوعية، على اعتبارها موضوعا مفارقا للذات، أو على اعتبارها محايدة في البحث عن الحقيقة، فإن ما نصل إليه من تشابه الصفات عند بعضٍ، وتقابلها في العينات المنفعلة مع إيحاء الاختبارات، والتجارب، وتماثلها في وقائعها الموضوعية، وتقاربها في أعراضها الواقعية، لا يمكن أن يكون مطردا في كل الذوات التي لم ينشأ البحث حولها، ولا الاستفهام عن حقيقتها، بل ما نراه تماثلا في الماصدق، أو تشابها في الأعراض، ما هو إلا تحديد جزئي لما تبين لنا بإحدى وسائل الدراسة، وأدوات التحليل، وتراءى لنا من خلال ما اكتشفناه من معالم، أو ملامح، نخالها بحكم معيارية المنهج حقائق كاملة، وثابتة. ومن هنا، يكون الإنسان هو الإنسان؛ كفرد، على اعتباره أنانية متحكمة في هويته الشخصية، أو موقفا متصلبا في كسب حقيقته الفردية، لأنه إذا قيدته الإيديولوجيات، والسياقات، وحددته السمات، والهيئات، أو ضبطته الأنساق، والقيم، والأخلاق، لا يمثل إلا شكله الجماعي؛ كجمع، وهو كل ما تآلفت فيه الصورة على معنى مشترك، وغاية محددة.
وإذا كان الإنسان هو الإنسان، وكفى، فإن أي تعريف له، يعتبر مجازفة، ومغامرة، لأنه لا يمكن أن ندرسه ككلية، وإنما تحلل جزئياته في حقول معرفية كثيرة، وينظر إليها على اعتبارها مكونات لكنه هذا الكائن المجهول كما قال ألكسيس كاريل. لكنه على التقدير الذي يجزئه إلى أجزاء خاضعة للتجريب، لا يبين لنا ما يكمن في الذوات البشرية من نوازع الخير، والشر، وما تضمره من دوافع الغرائز، والنزوات، وما تخزنه من روافد العواطف، والمشاعر، إذ بمقدور هذا الكائن ذي المرجعيات المختلفة بتعدد المقامات، والالتباسات؛ وهذا من خاصياته القوية، أن يكون ممثلا بارعا في تمثلاته، ومقنعا باهرا في تبدياته، فيجسد أنماطا متعددة في لحظة معينة، تتحقق بها أشكال صورته الخارجية، ويكُون لكل واحد منها دور يقصد وظيفة معلومة، وغاية معلولة، لأنه كما يطيق أن يغير من لهجة خطابه، فيتحول من أقصى دركات الكره إلى منتهى درجات الحب، فإنه يطيق أن يخفي كثيرا من أسراره التي لا يهمس بها إلا متحررا، ولا يجهر بها إلا متبرما؛ وهي تأوهاته وتنهداته التي يرخيها في غوره، وأفكاره وعقائده التي يكشف عنها في سربه. وتلك هي طبيعته في كل ما يراه جالبا لما يقتضيه جهده من حصيلة، ونتيجة، إذ هو غائي في قوله، وسببي في فعله، لأنه يقصد الأشياء بتخطيط، وتدبير، ولا يهتم بها، وربما يتجاهلها، أو يتناساها، إذا كانت غير مفضية إلى رغباته المستعرة في داخله، والمحتمية بأحلامه، وآماله.
ومن هنا، يكون الإنسان متشكلا في واقع تجلياته بحسب حاجاته، وضروراته، إذ هي التي تحركه بين دواليب مكاسبه، ومطالبه، وتسوقه إلى مهايع العزة، والأبهة، أو إلى مرابض المذلة، والمهانة، لأنه مرتبط بحقيقة لا يملك التخلص منها، ولا نفي ضرورتها؛ وهو كونه إنسانا تحكمه غريزة حب البقاء، أو الرغبة في الخلود، وسواء أظهرته كائنا جنسانيا، يكابد برغبة التناسل، والتكاثر، وبقاء النوع، أو أبرزته كائنا عدوانيا، يجاهد بحمية المحافظة على الذات، والجماعة، وشرف العقيدة. وتلك هي عقدته التي عذبت أنانيته، وشنقت إنسانيته، ونحرت فضائله، وصيرته كائنا جبانا، وذليلا، وحقيرا، أو مقداما، وعزيزا، وكريما، إذ لو لم يكن منحرفا عن صورته التي تضمنت كل أبعاد شخصيته المثالية، وما تحتويه من طاقات، وملكات، ومواهب خلاقة، لكان حريا بأن يجد كل ما فقده عند ظاهره سجينا في باطنه، وحبيسا في قاعه، لأنه لا يتآلم معه القصد، ولا يتحدد فيه الاتجاه، إلا إذا كان واضح الفكرة، وصريح الرؤية، إذ هي التي تفتح له أبواب الأشياء في الوجود، وتجعلها مملوكة له بكيفيتها، وكمياتها؛ وهي في سمو وجودها الموصول بالزمان، والمكان، لا تهب عذريتها إلا لمن غالى في تقديس روحها، واحترام صورتها؛ وهي كل ما يوضع في محله، وله ارتباط بما يقوم به من أمل في الإنسان، والكائنات الأخرى.
وإذا كنا لا نرى هذا الإنسان غير متميز بشيء يمكن له أن يتحول إلى خاصية متفردة، إلا ما يحافظ عليه من اغترار بأنه الكائن الأوحد الذي يحق له أن يسيطر على الطبيعة، ويتحكم في نواميسها، ويسخر قوانينها لخدمة رغباته النتنة، والعفنة، فإن تتبع موارد تطوره بين الأزمنة، والأمكنة، ومواطن انتقاله من حقل تاريخي إلى فضاء معرفي، يعتبر شيئا هجينا بالنسبة لما أنتجه المركب العقلي؛ وهو كل ما محصه الواقع، وغدا بقوة حدوثه روحا فاعلة، وكاسبة لموقعها في جحيم النزوات، وسعير الشهوات، لأن ما يقوم به من علاقات تفصل بين مرحلة ومرحلة، وتصل بين سياق وسياق، ما هو إلا طيش تعبه في كسب تلك اللحظة الهاربة، أو الومضة الآسرة، أو عبث نصبه من أجل الاحتفاظ على ما أحس بأنه كمال فيه، وجمال له، إذ لو قلنا بأنه تخلص من مخاض البهيمية، والحيوانية، وتوطن مهد سموه، وتعاليه، فما الذي استفاده من فهم لروح الوجود في مسيرته التاريخية.؟ أليس هو الذي صنع بطبيعته القاسية آلات الصيد، والقنص، والحرب، والدمار.؟ أليس هو من أفرز في بيئته الأوساخ، والأوبئة، والأمراض، والأوضار.؟
قد يكون هذا غير مقنع لمن رأى الإنسان عظيما بحدة إدراكه، ووعيه، وجسيما بشدة فعله، وصنعه، لأنه شهد بريق ما يلمع من أضواء باهرة على أرضه، وأمداء شاسعة بين عينيه، فخالها نهاية لما هو مراد للطبيعة، ومرام في الكون البشري، إذ ما يحدث من إغراء في ملحمة الحياة القاسية، وما تؤثر به من أوهام على تجارب الإنسان، وما تقوم به من ضغط على إرادته، وإكراه لاختياره، وإجبار لقدرته، وما يلزم بذلك من تلوين الأحلام بالبياض، أو بالسواد، هو الذي يقصر الهم في حدود الصراعات، والاضطرابات، والصدمات، ويحصره في دائرة الآلام النفسية، والجسدية، والاجتماعية، لأن وجود إغراء الأشياء بين الجوانح، والأحشاء، وجسها بملكات العقل، وطاقاته المكتسبة، وحفظها بمقتضى الرعاية من الفوات، والضياع، والانفلات، لا يعني أنها تعري وجه الحقيقة المرغوبة بالأصالة، وتكشف عن تلك العوالم المكبوتة في الذات البشرية، إذ ما يكون سببا في الإثارة، والاستفزاز، والاستجابة، هو الذي يستحيل مع تكامل صورته ألما في النفس، وتعاسة في الكيان، ثم يحدث يأسا في النظر، وانسدادا في الأفق، وانحسارا في العطاء، لأن إمكانية انتقال الأشياء بين الأيدي الطالبة لها بحرص، ودهاء، وتحولها من حال إلى حال مغايرة، ومباينة، وفقدها لخلل يقع في محتواها، أو خوف يعرض طريقها، وارتحالها إلى مكان آخر بسبب ضياع زمامها، أو انفلاته، وشروده، هو الذي يجعل عقيدة الامتلاك بلا قيمة، ويصير مصيرها لئيما، ومشئوما، إذ عدم الوثوق بعهد المكاسب، وود المجالب، ونبل المطالب، هو الذي يصير التضحية في سبيلها عذابا، وذعرا، وهلعا، لأنها قد تكون موجودة بين سجن الذات، ولكنها لا تلبي ما فيها من رغبات، ولا تستجيب لما هو مظنون فيها من أمنيات.
وإلا، فإن ما وصل إليه الإنسان من إجهاد لعقله، وإضناء لذاته، لم يكن نتاجه إلا ما يعانيه من عدم الجدوى، والطوبى، لأن قيمة ما نراه ساطعا، ونخاله لامعا،لا نملك ناصيته إلا بأحد المعاني التي اطمأن إليها العقل؛ وهو كل ما يدبر الشيء بما يمكن فيه من روح خالدة، إذ هي التي نملكها عند توافر أسباب استكانتها، وعلل اطمئنانها، وهي معنى الأشياء البائنة عن أعيانها الملتبسة بأندادها، وأضدادها، وإن تجسدت في مادتها، وتبدت في مظهرها، لأن ما هو مفارق للذات، ولو اتصل بها في الأعراض، لا يمكن أن يكون وصفا لها إلا مجازا، أو استعارة، إذ لو كان حقيقة مشخصة، وذاتية، لما نفر عنها بطلب معاكس، ثم صار من إباقه سببا في الانفعالات الغاضبة، والانطباعات الكابية. ولذا، ألا يحمل ذلك البريق ضياع الإنسان، وفراغ طبعه، وخمود وجدانه، وموت إحساسه، وفناء عواطفه النبيلة.؟ ألا ينقل إلينا ذلك صورة بؤس المدن، وضجيجها، وصراخها، وصخب دروبها الشاحبة.؟
إن في فعل الإنسان تكمن تجربة صولته، وخبرة جولته، لأنه من شدة عقلانيته التي توهمها في بهاء ظاهره، وسناء خارجه، بحث عن كل ما يطور حياته، ويمهدها لولادة سعادته. وهذا ما فارق به عالم بداوته، وبربريته، وسافر على رفرفه إلى عالم الغموض في الأشياء، والمجهول في الحقائق. لكن، ليس كل ما قيل من أقاويل قديمة، أو حديثة، يستند إلى صحة القضية في كل أحوالها، وأطوارها، وأشكالها المرتبطة به كظاهرة غير مستقرة، وطبيعة غير ثابتة، لأن اعتباره عاقلا، يعني أحد أمرين: أنه يعقل الأشياء بقيود ما يتصوره في ذهنه من حقائقها، ووقائعها، أو أنه يعقلها بما يوجهها إليه من جلب المنافع، أو دفع المضار، إذ هذان التفسيران، ولو طرأ عليهما تفسير آخر، أو تفسيرات عديدة، لا يجوز لنا أن نتجاوزهما في عملية حصر المراد على ذاته، وقصره على معنىة حقيقته، لأن ما نحصله في حدسنا لماهية العقل، لا يكون إلا بواسطته، إذ هو الذات، والموضوع، والهيولي، والمادة. والشيء لا يمكن أن يدرك جوهر ذاته، ولا أن يستكنه مطلق كنهه.
ولذا، فالقول بأنه قد وعى ماهيته، وأفرزها عن أصل الوجود الأزلي، ونظام الحقائق الكلية، ما هو إلا تجل لما استطاع أن يعن له من معارف، وعلوم، وعرفان، قد ظنها وافية في العلم بالمعلوم، والفهم للمفهوم؛ وهي ليست إلا ما اخترعه الفكر لهذا الكائن (أو لهذا العقل) من أقمشة مزخرفة، يحسبها من رآها نهاية في الزينة، والجمال، فإذا بها لم تكن إلا ما أفضى إليه الكبد في تركيب الأشياء، وترتبيها، والتحديق فيها لرؤية مكامن قوتها، ومواطن ضعفها، رغبة في الوصول إلى مظهر الإبهار في عناصرها، ومحل الاستلاب في نظامها، لئلا يكون ما غاب عن الذهن في الرسم عرضة للنقض، فيزول، ويفنى، ثم لا يبقى له أثر على الفاعل الكامن وراءه؛ وهو العقل حين يستطيع أن يستوعب الماضي، ويستحضر الحاضر، ويكتشف خيط الربط بين الأزمنة التليدة، والعوالم الجديدة. وهذه هي ميزة العقل حين يكشف النقاب عن لحظة الوصل، أو الفصل، ويرى في قدرة الإنسان ما اقتدر على هتك ستر سره، ورمزه، لكي يصل بين الأمس، واليوم، والغد، ويربط بينها بما يضيفه من أصالة إلى لوحة الوجود؛ وهو ما وصل إليه الجهد البشري حين هدم المعبد الدامس على الراهب المكفهر الجنان، وبنى على أشلائه المتعفنة حديقة يزورها من ابتغى الاستمتاع بما تبتسم به الطبيعة من صناعة، وحضارة.
وبناء على هذا، فإن القول بالتفسير الأول؛ يعني أن ما يعقله الإنسان من الأشياء الموجودة في عالمه، ما هو إلا ما يحس فيه بتمام مكونات كيانه، ومركبات ذاته، وكمال طرق تفكيرها في الضرورة المحضة، وتدبيرها للحاجة الصرفة، وجمال بنائها لأنماط الحقائق، وغامض الدقائق. وهكذا القول بالثاني، لا يعني سوى أنه يتصور المعاني أولا؛ وهي كل ما تجمعت عليه حدوسه بإمعان، وروية، واتزان، وكان له وقع في عمقه، ووضع في ذهنه، ثم يبحث لها ثانيا عن الوسائل الممكنة في سياق التجربة، وأخلاقها المعتبرة، وأوضاعها المقبولة، لكي يكون الشيء المرجو محصورا لعقله، ومملوكا ليده، فتتحقق له بذلك عقدة التملك التي هي في الغاية من معاني الشتات، والفراغ، والضياع، والاغتراب، لأنها حقيقة لمعنى الحلم الذي يراود الإنسان عند اشتداد خوفه من المجهول، وطبيعة لمدلول الوهم الذي يجعله عبدا لوثن الذات، وأصنامها العاجزة عن التحرر من آسار الماديات، وأغلالها الصدئة. إذ لن يحوز من اللذات طبيعة، إلا ما تجود به لا محدوديتها من بلالة، أو علالة. ولذا، لا يستساغ أن نجعل الامتلاك غاية قصوى لإدراكنا، وسرُّنا قابع بين ضفاف أعماقنا، وهو الممنوح لنا عطاءه، والموهوب لنا فضله، ولو لم نشعر فيه بأنه أبدي، وأزلي، لأن اختفاء ما هو مملوك حقيقة، لما هو مرغوب افتراضا، لا يسبب إلا الاختلال في الموازين، والمعايير؛ وهي بدون توازن حدود مفاهيمها في قضية السعادة الإنسانية، تحدث البلبلة، والفتنة، والصراع، والانتحار البطيء.
وهكذا، فإن ما يمتلكه الإنسان، أو ما يشتهي امتلاكه؛ وهو لن يصير مملوكا له إلا بمقدار عمره، لا يمنحه قيمة في الاعتبار، ولا تقديرا إلا في عينٍ فاقدة لحاسة التذوق للجمال فيما يخفيه الفنان من قيم الإبداع المزروعة بين ألوان لوحته، ورسومها الطازجة بمعانيها الوجدانية، لكي يقرأها راحل إلى عوالم روحه، أو ناظر إلى ظواهر ذاته، إذ في كل لوحة كونية منقوشة على فضاء العقول التليدة، لا نؤول في حقلها الدلالي إلا إلى ما يختمر بين أذهاننا من صور، وظلال، وملامح، ومعالم، ومعان، لأن عدم القدرة على الخروج من زنازين الذات المتضايقة، وأصفادها المشتهاة بعنف، وقوة، أو عدم رغبتها في تعريف ما محبوب، أو ما هو مكروه، أو عدم شعورها بتدبير ما يرغمها على الاعتراف بالافتقار، أو الاتكسار، أو عدم حرصها على تكسير كل القوالب التي تهددها بالهدر، والإدانة، هو الذي يصرف الفكر عن حقيقة عذابات الإنسان، وما يعانيه من توتر جهاز إدراكه، وقلق أدوات فكره، لأنه في طبيعته التي نخالها عاقلة، وفاعلة، لا يمكن له أن يسمى بذلك الوصف، ما لم يطق أن يضع لنمو حياته قانونا متساميا؛ وهو كل مطلقاته في الخير، والجمال، والحق، والصدق، والإخلاص، وناموسا يميزه عن غيره في تجريد المعاني المتعارضة، ويمنحه القدرة على تجاوز لحظات تعذيبه لذاته، وتحقيره للذاته، لأنها لا تكون سامية إلا بنياته، ولا راقية إلا بغاياته. وعلى هذا، يجوز للعاقل أن يصف كيانه بالواعي، وينعته بما يستحق الاعتبار في المعاني البشرية.
وإلا، فإن الإنسان مُشاكل للحيوانات في كثير من أحواله، وأوضاعه، لأنها في طبيعة تعقلها بمرامات الجسد مرتبطة بحدود ملكاتها، وإمكاناتها الذاتية، ومتعلقة بقيود ما تعيشه من آثار العوامل البيولوجية، والبيئية، إذ هي أيضا تتصور الأشياء بطريقتها التي لا يلتبس فيها المراد بالتضليل، والتلبيس، والتخوين، وتحاول الوصول إليها بوسائلها الممكنة في عالمها المنغلق علينا فهم أصول أصواته، ولغاته، وألسنه، لأنها صريحة فيما تُبينه من أفعال تبدو غير منطقية لنا في الدائرة البشرية، وجديرة بأن تنعت ماهيتها بالتوحد مع سلطان الحقيقة المطلقة، وقمينة بأن توصف ذاتها بالرغبة الصادقة، إذ لا تتعالى في جنسها بحلية الصفاء، ولا بحيلة النقاء، ولا تتسامى في قوتها بنشوة الفروسية، وغلمة البطولة المشرقة، لأنها تعبر عن قوة الافتراس بما لا يحتمل غيره في القصدية، وتعرب عن منطق جسدها الناطق بقصدها بلا تورية، إذ ما ينظم السلوك في العالم الحيواني من غرائز تهيج الكيان، وتحدث في أجهزته التشويش، والبلابل، هو ما يؤلفه في العالم البشري، ويبنيه في خياراته المتسمة بالتعصب، والعنصرية، والعدوانية، إذ الدوافع الكبرى الذي تغذي الكائن الحي بالرغبة في بقاء الحياة، ونمائها، واستمرارها، واتصالها بالأزمنة الكونية، تشترك فيها البهائم مع غيرها، وإن اختلف الموضوع المتفق حوله غاية؛ وهو مقارعة الموت، أو محاربة العدم، وكان لكل عنصر شهواته، وغاياته؛ وهي في كليتها متصلة بضرورات الجسد المادي، وإن وصفت خداعا عند الإنسان بالإشراق الروحي.







اخر الافلام

.. #هاشتاغ_خبر | فيضانات مدمرة تجتاح تونس


.. سوريا.. تسهيلات العودة ومخاوف المعارضين


.. مصر.. مكافحة الإرهاب بكل الأشكال




.. حكومة نتنياهو تبحث خياراتها تجاه غزة


.. بوتين: الإرهابيون شرقي الفرات بسوريا احتجزوا مواطنين أمريكيي