الحوار المتمدن - موبايل



حلاجيات

إبراهيم الوراق

2018 / 5 / 3
سيرة ذاتية


حلاجيات
بين هذه الأشجار التي أصرت على أن تقول للإنسان: لا أرى شقيا سواك.
بدا لي أن الشجرة هي الكائن الأقرب إلينا، لأنك تحس حين تخاطبها بأنها تردد صوتك، لكي تجيبك.
أجل، بين هذه الأشجار، ننادي بالأسماء التي غابت عنا، ولم نطق أن نسمعها صوتنا، لعل ما تحمله من سر الصمت أن ينوب عنا في وصل الكلمة إلى من نرجو أن يسمعها وراء هذا الجبل، أو ذلك الكثيب.
هنا، يبدو الشيء بسيطا، لأن رائحة الطين، وروائح الشجر، هي التي جعلتنا نوقن بأننا أحياء، ونحتاج إلى أن نسير من هنا إلى سعادتنا، ثم ندرك أننا لم نفصل بين ماضينا، وحاضرنا.
هنا كان المنطلق، وقبل أنيتوحش المكان بمن أرادوا أن لا يتركوا الأشياء على فطرتها، فالحيوانات سجنوها في أقفاص، لكي تكون مشروع اقتصاد، والغابات حاصروها، لئلا تغيب عن قانون العرض، والطلب.
هنا كانت البساطة هي التوبة الحقيقية، لأنها تلبسك رداء التواضع مع الأشياء، فلا ترى ذاتك سوى جرم صغير.
هنا، نفترش المكان، لكي نتكلم.
خاطبت ربي بصدق، ولا أحد بيننا، هو يسمعني، وأنا أسمعه، وهو يعي ما أقول، وأنا أعي ما يقول، لأنني كنت جهورا بدعائي، ورأيي، وموقفي، وهو يعلم أنني لا أمتلك في تلك اللحظة يقينا سوى ما أقول، إذ قريبٌ منا حين نكون موقنين بأنه لا نملك في حياتنا سواه.
فالسبل اكتظت، وازدحمت، وصارت من كثرة الاحتكاك، تثير السعار في الكيان، والآفاق اسودت، والصوت انكتم، والفضاء مريب في تجهمه، وكأن الدنيا أطبقت على الصمت، ولا تريد أن تسمع صوتي، ولا صوت غيري، ولا حكايتي، ولا حكاية غيري.
إنها ملت من صراخ البائسين، ومن نحيب المرضى، ومن ضجيج الفقراء، واحتجاجاتهم، وشكواهم، وتواريهم وراء الظلام، لكي يزفروا بزفرة الصدق، ويقولوا: نحن في النهاية.
وكأن الكون انتهى عندها، وغدا كل ما يحتمل التغير ثابتا، وساكنا، وجامدا، لأننا آمنت بأن لا رجاء لها إلا في شيء واحد، هو الذي يضمره الإنسان، ويداريه، ويناجيه، وهو الذي يتألم بسبب حمايته، وهو الذي يفشيه حين لا يكون هناك نداء سواه.
هذا النداء، كان عندي كلاما صريحا بيني، وبين ربي. فلم يعنني ما قلته له، وما قاله لي، ولا ما اتفقنا عليه، ولا ما رضيت منه أن يكون حقيقة، لكن الذي يعنيني أنني أدركت أن لا شيء لي في الدنيا إلا هذا الصوت، وهو المكنون في أعماقي، والراقد في أغواري، والباكي في وجداني، والشاكي في خيالي، وهو الذي عاش مني سنوات ضياعي، وفراغي، وآلامي، وأحزاني، وهو الذي حزن معي حين عشت كئيبا، لا ألوي إلا على ضباب يتضخم بين يدي.
هو الذي لا أكاد أنصت إلا لصوته، لأن ما قرأته، وما تعبدت به، وما جعلته مسلمات، وما خلته حقائق، وما حاولت أن أزخرفه، وأجعله يد سلام تصافح عني غيري، لم يكن له نتاج إلا هذا الصوت.
إنه تدبدب بين هنا، وهناك، كان جميلا، ثم صار قبيحا، ارتكب كل ما عساه أن يحرف سبيله اليوم، خالط ما يسوقه إلى ذله بما يتخيله عزا، وتاه زاهيا، وكأنه قد امتلك ضمانة من الغدر، والخيانة، وغاب طلبا لنجاته من حريق يحوط به، كان أراد أن يحترق به ليخترق، فبدا له أن تلك النيران لن تصهره رجلا، فانتهى إلى خبال في تدبير معجزة نجاته، لكن، وبعد أن بترت منه الساق، وقطت منه اليد، وجاء جارا أذيال الخيبة، وهم يتذمر في باطنه بالحسرة، إذ انتهى كل شيء إلى بوار. إنها النهاية حين تكون محضة، وصرفة، ولا تحتاج إلى مزيد عقل لإدراك ما فيها من قبور، وبكاء، ونسيان، لم يجد بين عينيه إلا هذا الصوت.
وربما أدركت يقينا أنه النفَس الذي لا نعرفه عن ماركس، ولا عن غيره، حين انحبس الصوت في عمقه، وأدرك أنه لا يملك شيئا لنفسه، ولا للبشرية.
ولو عرفناه كيف كان في جوفه، ولو عرفناه، وحتى عند الأنبياء، والحكماء، والأولياء، لكان له معنى عندنا، وربما سيطوي لنا المسافات الطويلة التي نتعذب فيها، ولا منقذ لنا من غفلاتنا، وأوهامنا، وأحلامنا.
هذا الصوت، هو الذي نبحث عنه بكل اللغات التي نطقنا بها، لكننا لم نستطع أن نجد له حروفا حقيقية تدل عليه، ولا تحتمل سواه؛ إنها حروف الكون، وما الإنسان فيه إلا ذرة، إن خرجت من ذاتها، تاهت، وانتهت، لكنها، لو نطقت به في عمقها، واستطاع ذلك الصوت أن تسمعه جميع قوى الذات، كان حركة سريعة نحو الخلاص، لأنك تدرك، أن الذي تملكه، هو ما يدور في تلك الذرة، وإن استطعت ولو بحيلة أن تنجو بها، فإنها قد فازت بالصوت.
إنه هو سر الإنسان، وهو الغائب الذي يدركه كل واحد منا في لحظة من حياته، إنه الخيط الذي يصلك بنهاية العجز فيك، لكي يمد لك خيط نور، وبعد أن انطفأ كل سراج في أرضك، وسمائك، وأنت تغمض عينيك مستسلما للموت، ثم ترى في خيالك نورا ينفذ من كوة، فتمد إليه يديك، وتهرول، وتحاول أن تصل إليه، وهو حاضر، وأنت غائب عن وجودك، ولا إحساس لأي شيء إلا ما تهت فيه.
هذا الصوت، هو الذي أخشاه على كل إنسان، إنه قد عاندني، ونسي كل العلوم والمعارف، لكي يقول: يا رباه، ارحمني فإني لا أراك إلا رحيما.
لم تشهدها، تلك اللحظة، ولو تخيلتها، ولكنها شهدتك، إذ لو شهدتها، لعلمت أن تلك الصورة لا يمكن نقلها للعيان، ولو نقلت، لانتهى سر الإله، لأن الإله سره في كل ما لا يحده عقل الإنسان.
هنا ناجيت إلهي، وألححت عليه في أن يشهد لي بمعجزة، حتى أرى أنني قد عدت إلى الحياة.ربت على كتف الهواء، وأنا أمد يدي إلى كل العوالم التي قاعتها قبل أن تقطعني، وصارمتها قبل أن تصارمني، وكأني أصافحها معترفا بخطئي في عدم احترام أدب الاتصال، والانفصال.
لكن إلهي، لم يردني أن أكون واحدا من هؤلاء، بل أرادني أن أكون أنا، فكنت أنا، وقالت لي: لا تفصلني عنك، فأنا لا أراك ثانيا، حتى تدرك أنك فاصلتني، بل أنا أنت، وأنت أنا.
يا رباه، يا رباه، وارخو بها نفسا عميقا، لكي تعلموا أنكم تنادون أنفسكم.
يا رباه.! والكون ساهم، والوجود صامت، يكون لها صدى.
هو الصوت لكل من أنجز التاريخ، إذ هو ليس إلا صدى يتردد في الآفاق، لكي يسمعه من انهزم، وانكسر، وانحصر، وانحبس، ولم يبق له من كلام الناس حرف له معنى، فاستكان لما له لفظ، وصوت، ومعنى، فنطق به، لكي يعلن أن كل الخيارات انتهت، ولم يبق له إلا خيار الاعتراف بالضعف، وأنه ميت، وأنه الآن في قبره، وأنه الآن يخرج إلى الكون، ليقول يا رباه.!
إذا التأمت الحلقات، وأنت في وسط الدائرة، وتريد أن تخترق تلك الحجب، لكي تخرج إلى الوجود، ولكنك لا تستطيع أن تفك تلك العقد، ولا أن تعرف عددها، ولا أن تعلم كم مسافتها، ومساحتها، وتمد يدا، وتخفق، وتمد حبلا، وتخفف، وتمد حيلة، وتخفق، وتمد عدم مبالاتك بها، فتخفق.
كلت اليد، وعييت، وسقطت، وتساقط عليها ما تلاشى، وتراكم، وتكاثر، وكان كومة، ثم جبلا، ثم الكون كله، ثم نهاية كل القوى الذي تمشي، وتفكر، وتقصد اتجاها.
في هذه اللحظة، تحتاج إلى أخ، أخت، صديق، صديقة، رفيق، رفيقة، أي إنسان، ولو كان أحمق، يتحدث، وأنت تستمع إليه، وتوهم نفسك أنك تسمع شيئا.
في هذه اللحظة، تحتاج إلى شيء، كيفما كان، ولو صرخة طفل بريء، ولو بكاء عاشق ذاق مرارة البين، ولو شجار من سخن قاع رأسه، وخال الخصام دواء، ولو صوت بائع محلول مطهر الأواني، المهم أن تسمع شيئا، لكن سرعان ما تلاشت الأشياء. ذابت، وتبخرت، وحتى من يريدونك، ويحبونك، ولو لكونك تدل في عقولهم المتعالية على من خالف طبيعتَه، وجاء في غير زمنه، فما أنت فيه من ألم، لا يسمح لهم بأن ينقذوك، ولو أنقذوك، فأنى لهم أن ينقذوا تاريخا كلها أحزان، ابتدأ بصرخة، وانتهى بسقطة. هنا، ولو قيل لك بأن خيطا رقيقا معلق في شجرة، وفي غابة موحشة، والطريق مخوف، والرفيق ماكر، ومخادع، يمكن له أن ينتشلك، لسرت إليه بكل ما يأتيه بقوتك، فعلت، ولكنك أخفقت، هنا، يبدو الإله الكامن في الباطن، لكي يمد لك يده.ويقول لك: أنا هو أنت، ما دمت تستمد مني القوة حين تبخل بها البشرية.
دعوا الإله أيها الأنذال صورة جميلة في قلب الإنسان، بل احترموه حتى فيما تكتبونه من أراجيف.
اكتبوا عن كل شيء إلا عن الإله.
الصورة الإلهية البهية، تطعمك بالأريحية، وفي لحظة لا يطيق كل مخلوق وُجد، وأنى وُجد، أن يفعل في سبيلك أي شيء.!
هي الحياة. إنها الطاقة التي يمكن لها أن تطعمك بالروح.
هذه الصورة، هي التي لا تخذلك في الزمن الذي يغدر بك الكل.
فدعوها ولو كانت وهما، أو خيالا، أو فكرة، أو ابتكارا، أو أي شيء.
إن قيمتها من أنها تنقذ الإنسان حين يغيب عنه كل شيء، وتكون معه حين لا تنفعه الأديان، ولا الأعيان، وهي التي تعلمه أن الإله ليس في هذه الصراعات، ولا في هذه الحروب.
هنا ناجيت إلهي، وكان مما قال لي: إياك إياك أن تنهزم.







اخر الافلام

.. يحتفل محبو الشاي باليوم العالمي للشاي


.. المظاهرات مستمرة رغم تنازلات الحكومة الفرنسية


.. ترامب: وزير الداخلية سيغادر الحكومة نهاية 2018




.. مقتل جنديين في انفجار لغم شمال شرق نيجيريا


.. السعودية تدعم تونس بـ 830 مليون دولار