الحوار المتمدن - موبايل



طُرْفةُ المِصْبَاحِ والسَّطْحِ

سامي عبد العال

2018 / 5 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


لا تخلو الحياة من طرائف تفسر إيقاعها البعيد. الحياة لا تفسر نفسها إلا َّبنفسها، بل تضع الإنسان على محك الاختبار: كيف يُمارس شؤونَّه العامة التي تُعرف بالسياسة؟ ماذا لو حاول أنْ يراوغ مجتمعه بما يناقض منطق المشكلات؟ هنا ليست القصة فكراً صارماً، إنما قدره إستراتيجية على فهم العالم ومسارات التاريخ وابتكار الطرائق الجديدة لإحداث التغيير.

الطُرفة الساخرة تقول: إنَّ جماعة من الحمقى أرادوا تركيب " مصباح كهربائي " بسطح إحدى الغرف. لكن بدلاً من صعود أحدهم فوق شيء مرتفع وتعليق المصباح في مكانه المخصوص بأسفل السطح عن طريق تثبيت مؤخرته ثم ضغط زر الإضاءة، تفتَّقت لديهم فكرة مقلوبة لهذا الغرض، حيث أمسك أحدُهم المصباح بقوةٍ، بينما راح الجميع يحركون السطح كلَّه حتى تتم عملية التركيب!!

يبدو أنَّها ليست طرفة عادية، هي طريقة حياة وأساليب عملية لمعالجة المشكلات في الذهنية العربية والشرقية إجمالاً. لأنها ذهنية لا تغير القابل للتغيير من أقصر الطرق( بحكم الأولويات )، لكنها تدفع إلى تحريك الثابت غير المتاح الآن إلاَّ على المدى البعيد. بكلمات أخرى، دوما تكون المعالجة في المكان الخطأ، وعن طريق الأناس الخطأ، وفي التوقيت الخطأ، وبالأدوات الخطأ مع النتائج الخطأ، ووسط المشهد الساخر الخطأ أيضاً.

على طريقة" ودنك من وين يا جحا "، فيلف جحا يده مختاراً الأذن الأبعد للإشارة إلى وجودها، في حين أن أذنه تعلو كتفه القريب مباشرة. وكما أن حجا لا ينتبه إلى وجود الأذن القريبة أو لا يريد كذلك، سيكون الحاكم العربي غير منتبه إلى معالجاته الخطأ إلا بعد فوات الأوان. وعندما تخرب مالطة كما يقول المثل الشعبي المصري، فالنتائج الكارثية ستكون ممتدة وأكثر خفاء.

كان الربيع العربي - بعد مرور هذه السنوات الغابرة من عمره - تجسيداً لتلك الطرفة، مثلما أظهرت علاقة العرب بإسرائيل أيضاً، لكونها هي الثابت البارز في منطقة الشرق الأوسط الرخوة( إسرائيل في مقابل سوريا ومصر واليمن وليبيا وتونس ). فلتغيير الأنظمة العربية كان على الشعوب تدوير الأسطح ( الدول )، بل تدميرها تماماً لانجاز المهمة وتغيير الحكام. ثم لم تحقق الشعوب آمالها من جهة العصر الجديد ولا من جانب دولة الحرية والعدالة والمساواة. تبعاً للطُرفة لم يغير الناس المصابيح ولم يستطيعوا تدوير الأسطح. أي بقي النظام السياسي على شموليته التاريخية ولم يكن الحاكم الجديد سوى قناع جلدي لما سبقه ولما سيأتي بعده.

لعل المعنى السابق ينطبق على كافة تفاصيل الحياة سياسياً واجتماعياً في ثقافة العرب. وبخاصة كون الاستبداد لدينا ليس على صعيد الحاكم فقط، بل يأتي كلُّ مستبد حاملاً معه برنامجاً لتغيير نمط الحياة في دورات ديكتاتوريته. إذ يترك بصماته على التعليم والممارسات السياسية والإعلام والعلاقات العامة والصحة والاقتصاد. وهو يدرك كونه يتغلغل بالتفافٍ ملتوٍ في أعماق المجتمع.

وهذا له ارتباط بترسيخ نمط التفكير السائد الذي يغرق مجالات الحياة في فوضى الواقع. فالحاكم الجديد يعمل بالإستراتيجية نفسها التي عمل بها سابقوه. فهو لا يطور أحد القطاعات سوى بطريقة السطح والمصباح، أي يكيف جوانب المجتمع لسياساته الخائبة من أجل توصيل الصرف الصحي مثلاً في أحد الأحياء. وبمجرد أن يجلس على الكرسي يعتقد أنَّه يجلس على كرسي السماء( العرش ) ليجعل من نفسه مصباحاً ثم يطلب من المجتمع أن يدور ويلف حوله.

لنأخذ مثالاً كمصر، فلم يتغير فيها الوضع سوى بطريقة تدوير السطح. خرج أقطاب النظام القديم من القضايا التي أدينوا بها. وكان مطلوباً من المجتمع كله أن يكيف نفسه مع الأوضاع الجديدة، وأنْ يعتاد على إنهاء آماله الثورية دون طائل، وأن ينسى أية وعود ألقيت إليه كلقيمات رخيصة جراء الحراك الشعبي بالخامس والعشرين من يناير ألفين وأحد عشر.

مثال آخر اليمن، فلكي يتغير نظام عبد الله صالح، تم تدوير نسيج المجتمع اليمني جميعه، بل من خبث نظام المخلوع أنْ استدعى فكرة القوة البديلة في صورة الحوثية السياسية لتدمير الدولة الأم. والتغيير لم يكن لرئيس الدولة بقدر ما ظهر في تفكيك بنية المجتمع على كافة المستويات. وهو عمل كان النظام السياسي يرسخه تاريخيا بمنطق القبيلة والحزب واقتصاد السلطة.

ومأساة سوريا أنها تشتعل الآن على طريقة ( المصباح والسطح )، لم يكن نظامها السياسي فرداً بعينه بل طائفة، أي قطاعاً كبيراً من المجتمع السوري له مصالحه وتوجهاته داخل الدولة. وعندما أراد الثوار تغييره( بشار الأسد)، ذهبوا إليه منفرداً بينما هو يتحرك على هذا المستوى الجمعي.

أيضاً مارس التحالف الدولي اللعبة نفسها، تجاهل الجانب الطائفي وراء بشار الأسد وأعلن أنه يحاول منعه من تدوير السطح ( الطوائف والقوميات ). لكن نظراً لأن بشار يتحرك بكامل السطح طائفياً، فالأسطح الأخرى( طوائف وقوميات) هي ما أضيرت ودمرت بعضها البعض في هيكل الدولة وتجلياتها.

وأيضاً طرفة " المصباح والسطح " تفسر سلوكيات الجماعات الدينية، فالأخيرة تعلم جيداً أن تدوير السطح أهم من تغيير المصباح كي تضمن ولاء المجتمع والتمكن منه طوال التاريخ. وربما أن الإسلام السياسي هو ما حرص على الغباء في التعامل مع المشكلات السياسية والاجتماعية. وهو ما عرف بـ" أخونة الدولة" في فترة الرئيس مرسى مندوب الإخوان داخل الرئاسة المصرية.

إنَّ أخونة المجتمع شرط أساسي ليستمر بقاء الإخوان. وهم يدركون ذلك بالحس الحيواني المتنمر، والشرط يتحكم في تغيير أي مصباح صغيراً كان أم كبيراً. وهذا التصور القائم على الطرفة السابقة يكشف الاستبداد العميق الذي يسكن قاع جميع الاتجاهات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وهو ما يعوق بناء مفاهيم الدولة وأسسها في تربة الثقافة العربية. لأن تغيير السطح ليست وظيفة السياسات الطارئة، والخلط الفاضح بين الجانبين نوع من سوء الفهم لبناء المجتمع في ذاته. كما أن هذه المساحة الكلية( من الدولة والمجتمع ) ليست ملكاً لمن يريد تغيير المصباح، وهي لا ينبغي دورانها مع دوران أي سطح، هذا إذا تمكن فصيل سياسي من محاولاته الفاشلة بالضرورة ( المثل المصري واضح: بيقولو ده تور قالو احلبوه ). كيف لدولة أن تغير ماهيتها من باب تغيير إحدى مؤسساتها؟!! على غرار: كيف يتم حلب الثور وهو ذكر لا يحلب؟!!

ولحسن الطالع توصِّف الطرفة السابقة كذلك علاقة إسرائيل ( المصباح ) بالعرب ( المجموع - السطح )، بعدما آلت إليه أوضاع المنطقة من تفتت الدول العربية وانحدارها إلى هاوية التحارب والتقاتل. حيث كان الربيع العربي بعواصفه بالنسبة للقوى الغربية هو مسمار جحا الأخير في نعوش الأنظمة الحاكمة وغير الحاكمة. وتطاول الأمر في بعض الحالات إلى هدم كيان المجتمع من الأساس. فليس قريباً عودة المجتمع السوري إلى سابق عهده ولا المجتمع اليمني والحالات الربيعية الأخرى على ذات الشاكلة؟!

والمقارنة بإسرائيل ليست بعيدة في هذا الشأن، إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي ظلت مستقرة وآمنة ولا تشوبها شائبة. بينما عمت الفوضى خريطة العرب على طريقة تدوير السطح. وأمريكا مع حلفائها فهموا: كيف تمارس الذهنية العربية السياسة... فما كان منها إلاَّ أن دعمت إسرائيل وموقفها المترقب وأسهمت في تدوير السطح.

وإذا كان الحاكم العربي في بواكير الربيع قد غادر منصبه بالهروب ( تونس ) والموت (ليبيا – اليمن ) والتخلي عن المنصب( مصر ) والعزلة ( سوريا )، فنتيجة إدارة الأزمات استطاع الغرب حلحلة أربطة المجتمعات العربية. وظهرت فكرة المصباح والسطح بقوة كلما خطت القيادات الجديدة خطوة في هذه الدول. وأيضاً بتدعيم من الغرب، والسبب واضح، مثلما يستحيل تطوير المجتمعات العربية بتلك الطريقة ولا تنوير العقول والإنسان، فكذلك ستكون الطُرفة كفيلة – من وجهة نظر أمريكا والغرب- بإعادة عقارب الربيع العربي إلى نقطة الصفر. وستؤدي إلى تكريس الاستبداد والتخلف.







اخر الافلام

.. تابعونا على DW عربية مباشر


.. صموئيل شمعون وحلم الوصول لهوليوود الذي حول حياته لمغامرة -


.. قيادي في جماعة الحوثي يتحدث عن معارك مطار الحديدة




.. مراسلنا صلاح بن لغبر يرافق ألوية العمالقة التى تطوق مطار #ال


.. دمشق: تعرض مواقع تابعة للنظام لقصف طائرات التحالف الدولي