الحوار المتمدن - موبايل



اللغة الأولى -1-

إبراهيم الوراق

2018 / 5 / 7
سيرة ذاتية


اللغة الأولى
-1-
الفكر لا تاريخ له، وحتى الذين يتوهمون أن له تاريخا، هم مخطئون، إذ حاولوا أن يتعرفوا على زمن الأفكار، وما يروج في عمقها من سياقات البناء، وأنساق التركيب، لكن غاب عنهم ما يصحب ذلك من أحوال في النفس، وفي العقل، وفي الروح، لأن تلك الأحوال؛ هي الحقيقة التي تنفخ فيها حياةً، تستقبل ما هو آت من الزمن، ولا تبالي بصلادته، إذ توقن بأنها جمعت الأشياء بعد أن فرقتها الحروب الدينية، والطائفية، واستنطقت منها صوت صفائها الذي أضمرته الثقافات، والحضارات، وأخفته الأنظمة الفكرية التي بنت النفس في سياق، والعقل في سياق، والروح في سياق، فكان جمع نثاره متعذرا، ومستحيلا. والعالم اليوم يحتاج إلى لسان يجمع العقول على شكر نعمة الوجود بين ظلال الطبيعة، حيث تشرق شموس المعرفة على الأكوان، فتضيء العوالم الخفية، وتزول الغشاوة عن القلوب اللطيفة.
هذا الصوت، هو المكتوم في صدر الأحرار، وفي نفَس المتألمين بسعير الواقع الفادح الأدوار، وفي صمت المعذبين بما يضمره هذا الشتات من مصير سيئ للإنسان، إذ هو لا يظهر في المنطوق، ولا في المكتوب، ولا في المقروء، ولا تحتويه كتب الفلسفات، والتواريخ، والثقافات، لأنه صلة مندسة بين ذات القائل وعالمها الجواني، وهمزة وصل بين حرف الكاتب، وصداه المتسلل في لاعجه المتبرم بين العقول الحائرة، إذ هو الذي يُفَسر بتفسيرات عدة، ويؤول بتأويلات كثيرة. وهو الذي نستحق به الاعتبار، أو الانحسار. لكن، ومن غباء بعض وبلادته، أنه يريده أن يكون تفسيرا واحدا، يكفِّر به كل من خالفه، ويغربه عن أماكن أنسه، أو يقتله، فينسى بين المقابر التي خلقها الإنسان في ربعه الخالي لوأد الفكر الحر، والرأي الحر، والموقف الحر.
وإذا كان هذا رقيقا، ودقيقا، ولا يستطيع أحد أن يستكنهه، ولا أن يعرفه بماهيته، لأنه العلاقة بين ذات القارئ لكل ما يموج تحت ظلال الكون من ألوان بديعة، وبين عالمه مثله الذي يكدس الصور المتناهية، ويركبها في مركب لا يحتمل الضد، ولا الند، إذ هو آخر ما يصل إليه العقل حين يستسلم للعجز، ويقول: هناك أمداء لا أخوضها إلا بسلاح الإيمان. هنا تتكون المعاني بحقائقها، ووقائعها، وتتركب في الذات، لكنها، ومن شراستها، أنها لا تجعل للغير سبيلا إلى دركها، ولا سببا لفهمها، لأنه الخفاء الذي لا يمكن جلاءه إلا في عالم الباطن. وما يتجلى به في كل ذات، لا يمكن أن يسيطر عليه اللسان، أو القلم، أو الحرف، إذ هو تصور الإنسان لعالم باطنه المستعر بنيران الخوف، ولا أمان له إلا في ذلك الخباء المبني في داخله، ومنذ أن أوجدته أمه لاهيا، وساهيا، ثم اختلط عقله بشيء من الخرافة المزينة بمساحيق العهر، والدعارة، فزعم أن ترس الفكر هو الفارس الذي لا يقهر، والصنديد الذي لا يكسر. وفي هذا الغور السحيق المدى، كل فلسفاته التي تتضمن معاني الحياة في اعتقاده، وفي اقتناعه، لأنها هي المسيرة لإرادتنا وسلوكنا الداخلي، وهي المدبرة لما نلامس أشباحه، أو أجرامه. لكن، أليس من العبث أن نلعب في حدود هذه الصورة، ونقلص من مسافاتها، ومساحاتها، وندعي بدهاء أننا من نحدد الأمتار فيها، والأماكن الصالحة للري، والزرع، والإنبات.؟ لو فعل هذا فاعل، واعتقد أنه سينجح في خداع العقل الإنساني حين يكون متجردا من الأشياء، ومستمتعا بالافتقار إليها، فإنه قد حارب الإله القابع في جوع الإنسان، وفقره، ومرضه، وجهله، وألمه، إذ هو الناطق بالحقيقة التي لا تدرس في المعاهد، ولا في الجامعات، لأنها، هي الذات حين يلتبس عليها السبيل، فلا تعثر من ذهولها إلا على طريق مهجورة، مشت عليها أقدام قديما، فمشى عليها رغبة في أن يناله ما نالهم من فقد، أو وجود.
هذه الصلة، أو الرابطة، هي بمحل الخفاء، ولا أحد يملك الطاقة لسلبها، أو طيها، أو إجبارها على الخنوع. وصعب علينا أن نصل إليها، لما تتمتع به من قوة الغموض في الذات المستولية عليها بحرص، وأنفة. وذلك مما لا يحق لنا أن نستجليه، ولا أن نستظهره، لأنه هو الإنسان في صورته الباطنية، وعمقه الذي يرى فيه ما ضاع موجودا، وما بعد قريبا، وما كبر صغيرا. إنه هو هذا الكائن الذي تحيره الأشياء، وتربك سيره، فيفقد حاسة التفكير، ودقة الإبصار، ورقة الذوق، فيستحيل مشتتا، ومبلبلا، لا يمشي بخطوة إلا ورجع بخطوات، لكنه إن مشى قليلا، سيقع في الحفر العميقة، وإذ ذاك، سيستجمع قواه في قوة الإبقاء على ما تبقى من الحياة. إنه هو هذا الشبح حين تلتئم المظاهر المتحللة من ناموسها بين عينيه، فلا يطيق أن يميز بين ما هو ذهب مغشوش، وبين ما هو زيف منفوش. فآه، آه، تلك المرآة التي تنجلي عليها الصور، فيحصل التمييز بين السليم، والسقيم، كان الوجه فيها جميلا، ثم غدا من شؤم الطالع، ونحس الدافع، لا يشهده إلا قبيحا، ولو لم تفارقه بسمة الأمس التي انطفأت فيه، ولا إطلالة التاريخ الذي انحسبت في قاعه، ولا ومضة الحضارة الذي انكسرت بين ذهول آفاقه، فلم يدر متى ستكون صولتها قوية، فتقول: لا تنجسوا كتب الأقدمين بهرائكم، فإن ما أرادوا قوله للإنسان، هو: كن عبدا لله، ولا تبالي. تلك الكلمة، هي التي نطق بها الفرسان على قنن الجبال، فانسلت في الأعماق، لكي تتلوها الأذواق. وهي التي حررت البلدان، وعبدت الطريق للأطفال، والبنات. وهي التي منحت السيف لأيد، لكي تكون حامية للثغور، لا فاتنة للرضعاء في الحجور. وهي التي تدون كلماتنا، ولغاتنا، وألسننا في هذا العالم الجميل.
هذه الصورة التي تحدث في العمق حين يزدحم التاريخ بغصصه بين أطلال عقل الإنسان الحائر، لا يمكن أن تدرس كعلم في المعاهد، لأنها، ولو حاولت أن تكتشف الذكاء فيها، لم تستطع أن تبين لنا ما يحمله ذلك الذكاء من نار الطبيعة. إذ نقل هذه الصورة، وهي الصلة، والرابطة، يعتبر عند الأقدمين سفاهة، ورعونة، لأن فعل ذلك، لا يسبل على الإنسان رداء العقلاء، فيسمح له بأن يلج مجامع العلم، والمعرفة، ويصير جديرا بأن يعتم بعمامة العز، والفخار، بل تواطأ الحكماء على ستر ذلك، وكظمه، لئلا يبدو للجهلاء، فيكون مفتاحه الجهل، والعمى. والناطق به في دائرتهم أحمق، أو أخرق، إذ هو السر الوحيد بين العبد، وإلهه. وإذا انكشف، انتهى الإنسان، وانتهى بسبب ضياعه هذا الكوكب الأرضي، إذ الذي جعل البشرية تغامر من أجل البقاء، وهي موقنة بأن نهاية الكد الموت، هو عدم إفشائها له، لأن في انكشافه نهاية الاجتهاد، والتنافس. ولولا انطماسه في عقل الواقع المادي، لما عدونا لحظة البداوة، لأنهم لو أدركوه، لأيقنوا بأن ما يضيعونه من وقت في تنجيس الإنسان، وتدنيسه، لن يكون لهم أبدا، إذ هم مخلوقون أطهارا، وأوعيتهم لا تقبل النجاسة ما حيي منها عظم يتحرك بإرادة الروح.
فآه، آه، ما أجملها، حين تعبر على الحرية، والكرامة البشرية، إذ الذي سبب التحارب على الأنصبة، والتقاتل على الحصص، هو هذه الطفرة التي تنز منها همم عن النظام، فتصبو إلى اللعب في مقامات الجد، والاجتهاد، لأنها هي التي تؤدي إلى اكتشاف سر الأشياء، وألغازها الكامنة في زمان ظهورها، لا في مكان ولادتها، وإذ ذاك تنطبع على مرآتك كل حقائق الغيب عنك، فتراها مجلوة فيك، وظاهرة لك. وإن رغبت في إفادة البشرية بما لانت عريكته لك، صنعت ما يداوي المريض، ويعلم الجاهل، ويسعد البائس، ويمتع المتعب، ويجمع القلوب على حب الكون، والطبيعة، والحياة. وإلا، كانت صناعتك خرابا، ودمارا، ونهاية للصالحين؛ وهم الرادون لجحافل الجهالة عن مكانة الوجهاء، والصادون للسفهاء عن دائرة العلماء، والراغبون في أن تكون صورة الحياة سلاما بين الناس، لا إحنا، وشحناء، وكراهية.
ومن ابتغى وراء هذا الفعل، واختبأ خلف الصفات، وزعم أنه الأكمل وجها بها، فما هو إلا مماطل، يستأني في أداء واجبه المفروض في ذمته للكون؛ وهو أن يتوب بين أيدي بني الإنسان، ويستحل منهم قبل أن يطاردوه بعقولهم التي حشاها بالخرافة، والأسطورة، وبقلوبهم التي زيف فيها صورة الحق، والباطل، فأحدث بتلبيس معانيها معين الكراهية بين الأديان، والثقافات، والحضارات، ويعاقبوه بأرواحهم التي عاشت متألمة بحمق الحمقى، وهم يدسون الإنسان في معرة الجهل، ويدنفونه بالفقر، ويدفنونه بالمرض، فيعيش بين بحار الألم، والضنى، والكمد، بل صار هذا رغبة لكل موتور، ومغمور، أخره الزمن، فاستولى على الصفات، واستعلى على اللدات، وادعى أنه الأوفر حظا فيها لبس زخرفها، والتبرج ببهرجها. وهو سبب في عذاب المستحقين للمعالي بشرف النفس، وكرامة الوجه، وحياء الضمير، وجمال الرغبة، وكمال الغاية.
إذا انتهى السر، سر اللحظة، انتهت المغامرة في الطبيعة، لأنها هي التي فتنت الصبيان حين رأوا فراشة تحلق حول ريحانة، فظنوا أنهم ملكوا البستان، وأحاطوا به علما، وحكما. ولولا هذه التفاهة التي نزفت من عمق طلاب السعادة بتعذيب العصافير، لما اكتسبنا كثيرا من نصوص المعرفة بالطبيعة، والعرفان بالوجود. هذه المغامرة في جلد الأقوياء، هي التي تهدم كل قوانين الأرض، لتعارك بجنون ما لا نظام له، ولا سياق، ولا هدف، ثم تؤسس من هبائه حروفا جامعة، ومانعة، تكون هي الحياة في أسمى معانيها، وقوانينها، إذ لولا تفشي السر في نواميس الكون، وانتفاشه بين العوالم المخزونة عن علمنا البسيط؛ وهو كل ما نرفعه من قواعد البناء، ولم نبن به تاريخا يشهد على إنسانيتنا، ولا علما يعرف بحقيقة عزنا، وطبائع مجدنا، لما كان إفشاءه في عالمنا غير مستساغ، ولا مقبول، لأنه لا يدرك بالإدراك، فيحصر بالكلمات الجوفاء، بل يعلمنا كيف نتآلف مع الأشياء، وكيف نفر منها، وكيف نهرع إلى ركن قصي إذا دهمنا خوف، أو جبن، أو هوان، وكيف نتأخر إذا كان التقدم ألما، وكيف نتقدم إذا كان التأخر عقابا.
إننا لسنا في النهاية إلا مجموعة أسرار غامضة، أو مجموعة أفكار ملتوية على عنقها كالعنكبوت، يضبطها سر واحد، وهو الذي ننطق به حين نفارق الأشياء في بؤرة الشيء الواحد، وتكون الرؤية حادة، والمصير صريحا. إنه حقيقتنا التي نخفيها بكل الوسائل الممكنة لنا، ونهايتنا التي لا نرى فيها لأحد علينا وصاية، بل حتى الأديان التي كانت غايتها؛ هي إكساب الإنسان مهارة المصارحة لربه، حاول الأوغاد تدنيسها بما جعلوه قانونا للإدراك، والفهم، والوعي، لئلا يسعد الإنسان بهذه اللحظة الثمينة؛ وهي ساعة إدراك سر وجودك، ولم وجدت، وما هو مطلوب منك، فتحس بأن لا شيء يمكن له أن يقف بينه وبين كونك وجودا، ومهما بالغ الظالمون في وضع الحدود والمتاريس بين الحق، والحقيقة.
ومن هنا، فإن إحساسنا بوجود هذه الصورة المترعة بالآمال اللطيفة، وقوتها في صياغة سؤال آخر للحياة الأبدية، وصناعة رغبة أخرى في المعرفة الذوقية، هو الذي يجعلها سرا كامنا بيننا وبين ما نريد أن نكونه، ولم نكنه ظاهرا، فكناه باطنا. وهنا يكون الإحساس مخالفا لما بيننا في شساعة الإدراك، وقصر مداه في اللعب، ومضامين قفزه، ونزوه، ونط الصبيان عليه، وانتظار الشيوخ للحظة الوصال المفعمة بشعور الرؤية، والقرب الذي زالت منه الأبعاد، وذابت فيه الأكوان، لأنه هو الذي يمنحنا خيالا خصيبا، تتركب من أشجاره حقائقنا الكاملة، وتتراكم من غاباته جداول آمالنا الخالدة، إذ الخيال هو المادة الوحيدة التي يمتلكها الإنسان حين تكون مسميات الحقيقة بلا معنى، ولا جدوى، لأنه هو الذي يحمي الأشياء بقوالبه لما يتجرأ أهل الأرض على إفساد معنى الصلاح، وإرغام البشرية على قبول الخطأ في كتاب الطبيعة.







اخر الافلام

.. سعداوي: إشادة بالجهود الإماراتية لإحلال السلام في العالم


.. عبد الهادي: المصالحة الأفغانية دليل على متانة علاقات الإمارا


.. البث المباشر لسكاي نيوز عربية




.. النوايسة: جهود مشتركة من الإمارات والسعودية لإنهاء الصراع ال


.. سوريا.. الدول الضامنة والحلول الوسط