الحوار المتمدن - موبايل



اللغة الأولى -2-

إبراهيم الوراق

2018 / 5 / 7
سيرة ذاتية


اللغة الأولى
-2-
إن ما دمر الإنسانية، وخرب قيمها، وولد بين حياضها أخلاقا فاسدة، هو تأليه الحديد لصلابته، وقوته، إذ لو اكتشفنا معدنا آخر سواه، يدل على قوتنا بسبر أغواره، لبحثنا عن سره، ورمزه، لكي نصير كما نتخيل ذواتنا ضخمة الجثة، وبسطة الجسم، لكن حين وجدنا في المعادن الأخرى رقة، وسلوكا لطيفا، عبرنا بالحديد عن ثقافتنا، وحضارتنا. فالأمر خشن، لأنني، وكثير مثلي، نريد أن نصوغ من الماس عقدا جميلا على جيد هذا الكوكب الجميل. فلم تسرقون منابت عدنه، لئلا نعثر عليه، فنسبكه بخيط قلوبنا على هامة السماء، ونحن نشاكس ضوءها، ونقول: قد رفعنا ثرياتنا في الفضاء، فلا تعاندونا، فهذه آمالنا، وآمالكم. هنا ينتهي الصراع بين الأرض، والسماء، ويطيق الإنسان أن يعرف مجالب سعادته من أنهار آلامه، وموارد كرامته من غدران أحلامه، إذ بدرك هذه الحقيقة، ومنتهاها في البيان، والتبيين، ستنتهي أحلام كثير من الكذابين في التاريخ، وهم ما زالوا وإلى يومنا هذا الغض بالمؤامرات، والدسائس، يحاربون الهائمين في بساتين المعنى، ويغالون في الإنكار الذي يقود إلى الإقبار.
إن هذه الحقيقة الجلى، هي العلم الأزلي الذي أدركه بوذا في تأمله للشجرة، وورثه جلال الدين الرومي في عشق التبريزي، وهو السياحة في تهيام أفلاطون، والاغتراب في غيابات غدر عقل ابن رشد، وهي كل الفلسفات التي كتبت الإنسان قبل أن يكتبها. أجل، هي العلم حين يكون الفكر البشري مفلسا في سوق النخاسة، لا يباع، فتشترى به فوائد الموائد، ولا يوهب، فيكون زينة على الصدر، أو بهاء على الوجه، إذ الوجه الحقيقي لكل من يدبر مدار النزاع بين الإله، والإنسان، أو بين السماء، والأرض، هو كونه بلا قلب، ولا عقل، ولا لسان، لأنه، لا يكون صادقا في فعله، إلا إذا أقر بأن الخليقة لخالقها، والقناة لمن حفرها لسقي زروعه، وضروعه. وكل تحريف لمسارها، فهو تعبيد لطرق الشياطين، والأبالسة.
هذا الصوت، يمكن لصدر بوذا أن ينفجر به، فتسمعه كل القارات التي تذبح فيها روح الإنسان، وتمزق أوصالها بالآلام الكاذبة، لأنه حقيقة أصيب كبد هذا الرجل بحرقة على جبال الهملايا، فانطفأت أنوار عينه المتوردتين بدخان المدافئ العتيقة، لكي تشتعل شموع السلم في الأكنان المرشوشة بروائح العطر على ضفاف الوجدان المتألم بالحيرة، والسؤال، والاندهاش. ولولا تجاوزه لهذه اللحظة، وتوقده، وتنوره، لبقي قيثارة للحزن كسائر المحزونين في العالم، لكنه كان متيقظا حين اختطف عقله، فامتزج الوعي باللاوعي، لكي ينالا ولادة جديدة في عالم المعنى، فشاهد كيفية البناء لما لا يبني إلا في برزخ اللغات غير المتحدث بها؛ وهي سر الاستبصار في عالم الرياضات الروحية. وهنا أدرك السر، سر الطبيعة الفيحاء، ودقة الأصوات التي غنت بها العصافير على شجرة الوجود الوارفة.
كل ذلك، لا يمكن أن تسمعه إلا في هدوء المكان، وانسياب نسيمه، وريحه، وروائحه، إذ الضجيج المتواصل النبرات، قد صنع في العالم عقدة كثرة الكلام، فصار المحكي أكثر من الحكاية، لأنها ليست في صوتها إلا كلمة واحدة، وفصلا من الموسيقى، مر على الأذن في غفلة، فلم يتذكره الإنسان إلا بعد أن انتفخ منه الرأس بالصداع، فاستكان إلى الأماكن المهجورة، لئلا يسمع فيها إلا صوته المكتوم. كل هذا قد ناله بوذا، بل قابله فيه الأنبياء، والحكماء، والأولياء، لأنهم من معين واحد المياه الصافية، ما داموا يدلون الخلق على اختصار الطرق بين الحق، والحقيقة، واجتياز الأماكن الموغلة من أسهل طرقها، وأيسرها، وأكثرها أمانا، وأعظمها سلاما. فالهدوء، هو المادة التي فقدها العالم اليوم، ولو عثر العقل على سر تحويلها إلى صناعة فارهة، لأغلقنا كثيرا من المستشفيات، ومختبرات صناعة الأدوية، والعقاقير، لأننا لن نحتاج إلى دواء بعد هذه اللحظة الباسمة، ما دامت علتنا قد عثرت على مخدعها الهادئ، وعشها الذي يستمتع بصوت حكاية العشق مع ذواتنا، ويستعذب محادثتنا الجميلة. هذا الصوت، فقده الإنسان، ولو أطاق المتاجرون بالأحاسيس البشرية، أن يستثمروا في خلق مناخ لهذه السكينة، ومناح لانتجاع معناه، لاغتنوا من حياة هذا الكائن، ووظيفته في إنعاش مهاد السعادة، لا من إماتته، وقتله بالسموم الفتاكة.
لكنْ، هذه مهمة الأبطال الأفذاذ؛ وهم كل الحيارى الذين عاشوا بيننا، وكتب التاريخ عن شطحات الفكر، وشغبه، وروى الأدب كيف فنوا عن الأغيار بسيف الحب للإنسان. وما بوذا، إلا واحد من هؤلاء الأبطال الأشاوس، لأنه في هدوء المكان الخصيب بأصوات الطبيعة، والكون ساهم، والعقل واهم، سمع لحن الطين في أصل الإنسان، ووعى كنه حياته، ومراد اختياره، فاختار أن ينقل الصورة بصدق، وحق، فربط العلة ودواءها بالكيان، ولم يفصل النفس عن العقل، لكي يدعي أنه طبيب ماهر. هذا الرجل حقيقة، لو أراد أن يختار في حياته مهنة، وأدعى أنه طبيب جراح، لما اكتشفنا تناقضا بين ادعائه، وفعله، إذ كان مطيقا أن يخيط بين القلب وعلته وترياقه في سويداء القلب؛ وهي الدم في الروح حين تكون منبسطة بالحب للجمال الكوني.
أجل، هذا الرجل كان صوتا هاربا من الإنسان، وباحثا عن الإنسان، إذ في عز الحضارة، والشوارع مكتظة بالضجيج، والأضواء تكشف الرجال والنساء بين المراقص العارية، حيث لا رقيب على الحرية، ولا حسيب على الكرامة، والليل غدا من شدة ولع الإنسان بالحياة الزاهية نهارا باقرا للعيون بالبياض، والاحمرار، انتهى الصوت إلى كنه بوذا، وفلسفته في صناعة الحياة، فاستنهضه من قبره، لكي يحادثه عن سر كلمة الألم؛ وهي عقدته حين يرى بخار السيارات، ودخان المصانع، وصفير الطائرات، فلا يجد في مكانه مترا أليق بأن ينتهي بين ستره كل صوت مزموم، ثم ينقر على طاولته ذاهلا في شحوب، فيسمع منها كيف تتحدث الأشياء إليه بصوت رخيم، لا تفخمه الشفاه، ولا ترققه. إن هذا النقر دليل على الحركة، لكننا لن نسمعه إلا إذا كنا أحرارا، نزن الأوزان في الموسيقى بمقاييسنا، ومعاييرنا. وما دام هذا التطاول على حق الإنسان في نغمات الهدوء، ونسمات أفيائه الفائحة بزهور الروابي، وهو الدرس الذي مسحته الحضارة من كراس الأطفال، لم يخلق في آذاننا إلا الصراخ، والعويل، فلم لا يعود الغربي إلى الشرقي، لكي يعلمه كيف اختارت الأقدار الأماكن لصناعة سلطة البيان.؟
هكذا نفهم لسان الطبيعة عند اهتزاز الحضارة في أعماقنا، ونعي كيف يكون له معنى في ذاتنا، لأنها في غلو إسفافها بحق الإنسان، تدخلت في صوت الطبيعة، وأنغامها الحقيقية الدالة عليها، إذ أرادت أن تصنع المعجزات فيما هو معجز بغموضه، ومستحيل تغيير وضعه، لأن تحريف الصوت، ولو صوت الموسيقى التي مزقت أوتارها بتقنية النسخ، واللصق، هو البرهان على أننا نعود بسرعة إلى وحشيتنا، إذ نسيان ما خلده العقل الجميل من إبداع ألحان تشفي أوام الصدور، حين بحث عن السعادة بالأشياء، لكي يحس بأنه متذوق للحلاوة فيما هو مخلوق للفطرة السليمة، لن يكون سببا لما نحاول أن نصل إلى نقيض ما نسيناه منه، فنتحدث مخلوقا معوقا، ومشوها، يرقص، ولا يدري هل يشاكل القرود، أم يماثل الظباء، بل هي محاولة قذرة، ويائسة، لأنها مغامرة في بحر الخلق، وكون الإيجاد. وذلك لا يتأتى لنا أبدا، ومهما سعينا إليه بإزهاق أرواحنا لتخليصه من غموض سر معناه. فلنحترم ما هو مخلوق، ولندعه يكمل خطة حياته، ولنقل له ما يفيده في طريقه، ويغنيه في سبيله. لكن، أن تطيش منا الهمة الكاسدة، فندعي أننا سنجاري ما هو كائن، لكي نولد على أنقاضه بديلا، اسمه الآلة، فذلك عين الحرب التي قامت بين بني الإنسان، وهم لا يدرون، لم يتقاتلون، وماذا سيستفيدون، إذ لا يمكن لنا أن نقتل هذا الوعي المتحجر في جوف الألم، وغصة المعاناة، لأنها تعلمنا كيف نسلك السبل المستحيلة، وكيف نكتشف أسباب ما نتحارب من أجله، وهو تافه لو علمنا أننا لا نمثل فيه إلا إرادة غيرنا. فلا غرابة إذا خاف المالك على ما بين يديه، وفيه كثرته وقلة غيره، إذ أيقن يقينا أنه سيفارقه، ما دام حظه فيه قد تجاوز الحد، وصار ما زاد عليه عذابا أليما.
حين تغادر اللغة الكيان، لا يعني سوى أنه فقد الإحساس بالأشياء الجميلة، وضاع منه الميزان الذي يحول المعاني إلى معقولات، ويضع لها قانونا في الذوات، يصير مع قوة الاستدلال منطقا للمواجهة، إذ حين يغادر المعنى الذات، لا يعني سوى أننا لم نع قانون اللعبة في الوجود، ولم ندرك مناطق الوصل التي وضع عليها من يتحكم فينا عن بعد يده، لكي يحدث اختلالا في توازنها، فلا نكاد نرى ما هو جيد، وما هو رديء، إذ الأشياء كلها متحركة، ومتسلسلة في نظام بعيد السياق؛ هو الكلام الكوني الذي يسبك الحقائق في سمط الوحدة، ما دامت تؤوب بنا إلى عالمها اللامتناهي، وتعود بنا إلى نقطة الصفر فيما نركبة من تصورات، ومعادلات. وإذا تعطلت آليات هذا الجهاز الغض بالمفاجآت، فلا يعني سوى أننا فقدنا حرفا في الكلمة الأزلية، فلم ننطق بها سوية البناء، ولا كاملة التركيب. وما فتئنا لم نطق أن نصل بكل الحيل البشرية إلى تلك الصورة، أو اللحظة، أو الومضة، أو إلى ذلك الإحساس، أو إلى تلك المغامرة، فهذا يعني أننا نعيش العبث في سيرنا، والهزالة في قصدنا، والوقاحة في سلوكنا، إذ لا يحق لنا أن نتشبث بقضية لا ننتمي إليها، ولا نستهدي منها إهلالة، ولا انتظارا، لأن مجرد بقائنا لسماع صوت الشكوى في جوفها، وأنين الحرمان في واقعها، هو مضيعة للوقت، ومفسدة للقلب، ومهلكة للجهد الإنساني؛ وهو ما كان ذا قيمة، إلا لأنه يحملنا عبر آلة الزمان، لكي نعايش الحلم بين ما يغرينا في المكان. فلم لا نتساءل، لماذا لم نصل إلى حقيقة الوجود بكل حيلنا، وبكل حبالنا.؟
كلا، بل الأغرب، أن ما وصلنا إليه من أفكار كاسدة، ولا قابلية لها في الامتداد، والاستحواذ، لم يكن إلا ورما، وشنقا، وموتا، إذ هي لا تزرع في أعماقنا بذور المعرفة، ولا تغرس في عقولنا أشجار الملكات الوديعة. فهل كان بها كاسبها حفيا.؟ أم كان بها شقيا.؟ لو قيل بأن المتعبين على وجه الأرض، لا تحتوي صدورهم على معنى مدمر، لقلنا بناء على هذا، بأن ما ينزف في أكبادهم من دماء الرغبة، والأمنية، ما هو إلا وسوسات، وتخاريف، ولو قلنا بذلك، فما لأحد بعد اليوم حق في أن يتحدث، ما دام لا يملك منصة للحديث عن آلامه المثالية؛ وهي لا تكون عباراتٍ واضحةً، إلا إذا قيلت كما وردت على الذات، وحكتها الجوانح، وروتها الزفرات المحصورة في الذوات المنكسرة، والهويات المتشظية، ولو قلنا بهذا، فقد حجرنا واسعا، وضيقنا فسيحا، وصنعنا كابحا لما لا يأتي إلا حرا، وبلا قيود، إذ الحقيقة، لا يمكن لها أن تكون اعتقادا جازما، تستلزم الألم في المحافظة عليها، إلا إذا كانت أميرة على إيالتها، وحاكمة في حصونها، لئلا تقام فيها محكمة للرأي إلا بين يديها، ولا يبث فيها خبر إلا تحت مسمعها.
فسهل أن نمتلك الأشياء، وتصير بحكم جبروت الأرض خاضعة لإرادتنا المفلسة، لكن ما نخشاه عليها، هو أن نغفل عن لذتها التي نداهنها بحرصنا عليها، وتمر على أذهاننا قضية فقدنا لأعيانها، ثم نستيقظ برجفة، ونجد أيدينا قابضة عليها، وعقولنا فارقت حماها، خوفا مما تخيلناه عدوا لها، ثم صار شبحا يدوس قيعان أحلامنا، ثم كائنا متماهيا في الخفاء، يستطيب أن يتلذذ بالحروب المستعرة بين يقيننا، وشكنا. فسهل أن نتعلم لغة الامتلاك من صلادة المادة، ونتعرف على ما طوته لحظاتها من مسافات، ومساحات، لكن لو تعلمناه من الحيوان القريب منا، لكان أولى، وأجدر بنا، لأنه الأقدر على أن يعبر بلسان الافتراس بصدق، إذ صعب أن نتعلم لغة الحوار معها، لكي ندرك ماهية نيتها في فعلها، ما دامت قد فارقتنا إلى غيرنا، لكي تعرب عن مضمونها بلا استعارات، وتوريات، لأننا في محاورتنا لها، ونحن نتخيلها مستمعة إلينا، نكون قد أزلنا الفاصل بيننا وبينها، فصارت منا، وصرنا منها، وإذ ذاك لا نحتاج إلى محاربتها، ولا إلى مجابهتها، إذ تصير بذلك جزءا منا، ونحن لا نبحث إلا عن الاطمئنان في عقدة الامتلاك لما يخلق فرحنا، ويميت قرحنا.
لغة الحوار مع الذات، هي الإحساس بخمرة الامتزاج، تنسل من خارجك، وتتسلل إلى داخلك، وتقيم خطابها في رحابك، لأن حضارة المادة، قد جعلت إحساسنا في خارجنا، ويقيننا في أعيننا، فلا لوم عليها إذا صنعت المثير، لئلا نعدو في صهد لواعجها حدود الاستجابة. وهل هناك شيء يمكن أن يسمى في الكون بالعبودية سوى هذه الاستجابة.؟ إنها لوثة الإمبريالية، ووعكة الاشتراكية، إذ حين فهم ماركس معنى الاستلاب، ضاع منه خيط الحب للغرب، فاستحال مفهومه ثورة عارمة، أزالت ذكرى الإقطاع، ولكنها لم تزل رغب الإنسان المنصهر مع جسده؛ وهو حين يلتصق بالجسد في سفاح، تخوض الذات أشرس معاركها في البحث عن الحياة السعيدة، ولو ببيع الضمير، والاتجار في دور الدعارة المعنوية، والمادية. وكل ما كان ثورة أنتجها الفكر حين يريد أن يجعل الخسارة ربحا، يمكن أن تداخله دسائس العقل المتحير بين أن يكون محدودا، أو أن يكون لا متناهيا. وهنا فقدنا ماركس، وفكره، ونتاجه الذي كان يريده هرما شامخا، فإذا به مخبأ تختفي فيه كل الهامات المتنكرة لقصرها، والمتنمرة بطولها، إذ هو بالمقارنة إلى غيره، لن يبزه أحد فيما استطاع أن يصل إليه من حقائق الإنسان، لأن الشخص كان قادرا على القراءة، وعارفا بما يقرأ، وذكيا فيما يعزل، وداهية فيما يميز. لكن ابتلته الأقدار بما تبتلى به القامات السامقة، فاستحال لعقا على ألسن بقرت بطنه، وصبت فيه جام غضبها، وزفيرها المختنق في أنفاسها المعذبة بجحيم الحرمان, لأنه كان قريبا من أن يكشف سر الإله في معبد الحرية، فخانه الزمن الغادر، وخالفه الحظ الداعر، ومات قبل أن يهدم قبابا رفعها الفكر بالأساطير التاريخية. ولكن، وإلى حدود هذا، لا أدري، ما هي مشكلة ماركس.؟
إن رجلا هكذا حال وصفه، تكمن من ورائه عقدة عظيمة، وقوية اللاعج، والأثر، هي سر نبوغه، وسر تفوقه. ولنسمها بما شئنا، ما دمنا لا نطيق أن ننبش عليها في قبره، ونستخرج من قاعه سره المكنون في قاعه، وهو ما واجه به إلهه حين لا يرى سواه، إذ العظيم لا يوصف في نهاية عظمته إلا بالجنون، ولا ينعت في مجتمع الفراغ إلا بالضياع، لأن مجتمع القصار، يعظم في عينهم كل طويل، ويكبر في سحرهم كل شامخ، وإذا تطامنوا إلى وجوده، وأيقنوا بأنه حقيقة في الوجود، كرهوه، ثم طرحوه أرضا. وهنا يسخر الزمن منا، ويخفي ضحكته الصامتة، فيظن الغبي أنه يصفع رأس صدام بحذائه المبتلين بعرق الكدح غير المنتج للقيمة، ولا للقيم؛ وهو لم يركل إلا غدره لذاته، وخيانته لضميره، لأن ما نفقده بالموت المحتم، والنهاية المشئومة، هو أعظم مما نجنيه بكل طرقنا في الانتقام، إذ لو أدركنا قيمة الرجل، وقيمة كل الذين خلقوا من الظلم عدلا، لحاكمناه على إخفائه للنقطة التي وصل إليها العقل في العراق حين حارب الأمية، وصارت للرصافة شوارع يرتادها الشعراء ليلا، ويختم صلاة صبحها الحكماء بخمرة الوجدان.
تلك النقطة، هي لحظة البداية، لكنها ضاعت في حماستنا الزائفة، ثم خربنا بلادا، وحضارة، وتاريخا، وأنى لمن أتى منا أن يسترضي اللصوص، وسراق الحضارة، لكي يستعيد مياه دجلة كما كانت بالأمس رقراقة بالعشق البريء، واللطيف. وحتما لو عادت إلى سالف عهدها الذهبي، لعاد التاريخ المسروق، والعقل المخطوف. لكن أنى لمن سرق دم الإنسان، وأنفاسه الغضة بأوجاعه، وأوضاعه في الحزن، والضيق، والعجز، أن يؤنبه ضمير في يوم من الأيام، فيصرح بأنه كان مخطئا حين هدم المعابد، والمسارح، ودور الأوبرا، والسينما، وروضات الأطفال، وملاعب الصغار. وإن انتهى به الندم إلى غايته القصوى، وأراد تمام التوبة، ونصحها، ونصاعتها، أعاد إلى ذلك الشعب العظيم حضارته، واعتذر عما تمتع به منها، وإن كانت لن يتمتع بها إلا من فيه روح جده، أو سلالته.
والآن، افعل ما بدا لك، ما دام قانون الغابة لم يرحم صدام، ولا غيره، بل لم يرحم كل الطغاة الذين استباحوا حرمة شعوبهم عبر التاريخ، وشعرة الكرامة في رؤوسهم المنحنية بإجلال لمن قدس سرها، ولبها الناطق فيها بالأمان، فكانت أجسادهم في قبر، وأرواحهم في قبر آخر. فأنا، أو أنت، وكوني وكونك كونيين، لا نؤمن إلا بالإنسان الذي هو مظهر التجلي من عالم الفيض الأزلي، لا أراني، ولا أراك، تحب أي ظالم، ومهما كان نظرنا إلى العواقب سليما، أو سقيما، لكن، لا أراني مجبرا على أن أعترف بأن ما ينزل فوق رؤوس الظالمين من صقور العقاب، ليس هو الأجدر بهم في النهاية، ما دام كل ظالم قادرا في رحمتنا عليه، وازدحام سككنا بطلاب ساعة الفرج، أن يبين لنا زمن تلك اللحظة التي انفلت فيها الزمام، وصار الحاكم قاسيا على ذاته، وعلى إيالته، إذ درك هذه اللحظة، وما رافقها من حس، وإدراك، وصاحبها من حبك قواعد المغالطة، والاغتيال، وهي لا تكون في حساسيتها جميلة، إلا إذا كانت قبل أن يحدث الدمار، هو الذي يمنحنا قواعد البناء على أساس التاريخ؛ تاريخ العدل، وتاريخ الظلم، لأنهما ومهما وجد فيهما من تفاوت، يبينان لنا كيف نتحدث في أعماقنا إذا تجبرنا، أو إذا ظُلمنا. وسماع هذا الحديث، واستيعاب ما فيه من اغترار الحاصد بما حصد، واجترار الكاشح لغصة ما فقد، يعلمنا كيف لا نؤسس أفعالنا على ظلم العبيد، إذ دوس كرامتهم بخفاف الكبرياء، هو الصوت المفجع في كل الحضارات البشرية، لأنه يتجسد، ويتشكل، فيكون فيلا ضخما، ثم يطير عنه غشاء خوفه، فيستحيل فعلا داكا، وهادما. وما أقبح هذه اللحظة، إذ لا رأي فيها لعاقل راشد، ولا لغر طائش، بل هي الشتات الذي لا يمكن جمع ذراته، لأنها تآلفت بين الهباء على عكس المتخيل فيها، فأحدثت المأساة.!
فها هو صدام انتهى، وانتهى مع أناس آخرون، حملوا سر إيقاف البناء، وما زلنا وإلى يومنا نتقاتل، لعلنا أن ندرك بابا للولوج إليه، إذ لو عاقبنا كل واحد منا بتدارك ما قصر فيه، لقدمنا كثيرا من جهدنا للمستقبل، لكن، أن نرفس، ونركل، فهذا لا يعرفنا بين العقلاء بأزكى صفة فينا؛ وهي أخلاقنا الجميلة حين نكون أقوياء، ونملك حز الرأس، وإذابة ما احتواه من سر بالرصاص. قد يكون هذا مستساغا بوجه من الوجوه؛ وهو ما نعبر به حين ندرك أن عجزنا استحال قوة ناقمة، ولغة هائجة. لكن، لا أخال الأفذاذ في كل زمان، ومكان، سينكرون أن ضبط شعورنا عند صدمة الفرح أولى وجاهة من كظمها عند الخوف من عقابها، وآثامها، لأن لغتنا التي تحمل حقيقتنا حين نمارس الفعل بقوة، هي تلك التي تكون بانية، لا هادمة، إذ لا نحارب إلا الهدم، والهادمين. وما دمنا نحارب الفعل، ونحن أقدر على جعله معبرا عن إنسانيتنا، فلا نماثله بما فيه من أخلاق الاستعلاء، والاستكبار، لأن الصفات، هي، هي، ولو اختلف المقام، وزعم من هيجه الشطار أنها لحظة الانتصار، إذ الانتصار الحقيقي، هو أن لا تشمت بالإنسان، لئلا يكتب التاريخ عنا أي إهانة لهذا الكائن المخلوق عزيزا، فلا يموت ذليلا.
ربما من توارد الخواطر والأفكار، عن لي أن أستحضر شيئا من الشهامة في رجل أحرق شعبه، وناضل على فكرته التي كانت سببا في إقدامه على فعلته الشنيعة، إذ ومهما كان المشهد حزينا، لأنه يوم عيد، وفرح، وأنا خجلت لأبناء العراق، وهم يرون عدوهم ينحر في يوم عيدهم المبارك، ويحز رأسه كما تحز رؤوس ملايين الخرفان. صعب هذا الموقف، ومقزز، لأني قد أرحم هذا الحيوان، لو لم يرتبط بمخيالنا الديني، فكيف لا أعبأ عن أجعل دم الإنسان قربانا للسماء. لو قتلوه في يوم الأرض، لقلنا بأنه قد كان مدمرا لها بالكيماوي، ولو قتلوه في يوم السماء، لقلنا بأنه استوجب ذلك لما أرسله من سلاليم الدخان إلى عالم البياض، والصفاء، لكن، أي يرضى شيخ، ومهما كانت عمامته تزن مثاقيل الذهب، بأن ما يحدث، هو انتصار الإله لهذا المظلوم، فهذا رديء في القول، ولا أرى من يسمعه إلا سمج الذوق، لأن انتصار الرب في القلب الرحيم. وحاشا أن يعلن عن براءة الذمة بالقتل، أو الدمار، أو الخراب، إذ لو أراد ذلك، لما تطهرت الأرض إلا بإسالة دماء أهلها على بساطها، لكي تعلن توبتها من تجريب المواد السامة في الطبيعة، وفي الإنسان، وفي الحياة. لكنه، لم يرده، بل أراد أن نعلن عن فرحنا بنسيان أحقادنا، لكي نبني ذلك الغد بجمال السيرة، والصيرورة.







اخر الافلام

.. ماي تعد لاحتمال الخروج من الاتحاد الاوروبي من دون اتفاق


.. الخطوط البريطانية تعلن استئناف رحلاتها إلى باكستان


.. مشاركة سورية في القمة العربية؟




.. شاهد: كلب يتقمص دور الحارس ويتصدى لركلة جزاء


.. الروبوت -بروخود- كاسح الألغام المنيع