الحوار المتمدن - موبايل



نحو استعادة العقل العراقي دوره الكوني /3

عبدالامير الركابي

2018 / 5 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


نحو استعادة العقل العراقي دوره الكوني/3
عبدالاميرالركابي
يتعامل العقل المغرق بالخرافية، مع الظواهر السببية العقلانية، المتجاوزه لنطاق فعاليته، لابما هي عليه، بل بماهو عليه، ومامستعد له، من نمط استجابة، وتعامل، ما يعني ان الشخص الذي هو من عالم وبيئة، تهاوت عبر قرون من التردي، في قعر العالم، وخرجت من الفعالية التاريخية، يتعذر عليه، لابل يستحيل، ان يقف موقفا متوازنا، ازاء ظاهرة نوعية، مستجدة، صاعدة، تاريخيا.
وفي التطبيق، لايملك العراقي "العلماني"، في ثلاثينات، واربعينات، وحتى خمسينات القرن الماضي،وربما الى اليوم، مقومات تؤهله للقول: هاهو الغرب قد اكتشف "العلّة"، وصار يحتكم لها، واذن فان عالمي، وتاريخ الافكار والاليات التي حكمت تاريخي، يمكن ان يعاد النظر فيها، بناء على الاسباب والمسببات، انما هو ينظر الى ماركس، فلايرى منه غير نقيصة "التعميم" المعتمدة من قبل صاحب "المادية التاريخية"، محولا اوربا ومجتمعها الطبقي، الى مقطع مجتمعي كوني، واجب الاعتماد من الجميع. بالمقابل لايملك العراقي، ان يفكر باحتمال ان يكون الاكتشاف العقلاني السببي، واليالكتيكي، منجزا ينطبق على المكان الذي وجد فيه فقط لاغير، ابتداء من القرن التاسع عشر،ضمن ظروف واشتراطات تاريخية مادية بعينها، وان هذا الاكتشاف، هو اشارة، جدير بها ان تفتح الباب لاكتشاف اليات اخرى، غير الاوربية، كما هي الحال في المجال الابراهيمي، ودائرته الاولى الشرق متوسطية ( الابراهيمية تتوزع على دوائر/ هي القلب/ الاولى/ الثانية/ والثالثة/: القلب هو العراق. والاولى تشمل منطقة التجلي النبوي، من العراق الى مصر، نزولا الى الجزيرة العربية، وساحل الشام. والثانية، هي الممتدة الى الشرق، وصولا الى الصين والهند، والثالثة، هي الدائر الاوربية. تتجلى الابراهيمية في كل منها، بدرجات، وتتفاعل صعدا، على مر التاريخ بمستويات).
حين تعامل العقل الرازح تحت وطاة الخرافية، مع العقلانية العلية المجتمعية خصوصا، لم تجتذبه محاولة قراءة تاريخه في ضوئها،ولم تشغله الافكار، ومنظومة الادراك، ومااستجد عليها، بقدر ماهمه المبادرة لاستعارة المقطع الاوربي الغربي، ومعاملته على انه المادة، او المعطى الجدير بالتركيز، استسهالا. فاختار الاستبدال، او مايمكن تسميته الاحلال. وفي العراق، تصير الاليات الطبقية، على سبيل المثال، والانتقال من الاقطاع للراسمالية، هي محور الانشغال القسري، ومن الثلاثينات حتى الخمسينات، ركز الشيوعيون على "الاقطاع"، واطلقوا عليه، كما فعل زكي خيري ـ وللدقة ـ "شبه الاقطاع"، مع انه ظاهرة مفتعلة، لم يعرفها تاريخ العراق وينيته، اطلاقا، ركبت من الاستعماراليوم، وبعجالة مضحكة، وقبله كمحاولات اولية، من قبل الاتراك، بدون نجاح يذكر، لنجد امامنا ترتيبا مفروضا اداريا، بخلاف الحقيقة البنيوية، المجتمعية التاريخية، وجدت من يعتقد انها حقيقة، وفي اوائل السبعينات، عندما كان الشيوعيون في طور النقاش، مع حزب البعث الحاكم، حول وثيقة :"الجبهة الوطنية والقومية التقدمية"، وعلى مشارف اعلانها في 1973، كتب "منظرهم" عامر عبدالله، مقالا نشرته مجلتهم "الفكرية"/ الثقافة الجديدية/ ركز فيها، على ان المهام الملقاة على عاتق الجبهه، هي مهام التحول البرجوازي. في مسعى "مشكور" منه، لتجنيب اطراف الجبهة، الوقوع في منزلقات التطرف، ممثلا بالقفز على المراحل، ولم يكن بالامكان حتى وقتها، تبين درجة ومستوى الخرافية الغالبة، في المشهد العراقي، بينما البلاد متجهة الى الريعية النفطية، وقتل الانتاجية، في بلاد، محور الصراع فيها، مايزال كما كان على مر التاريخ، مجتمعيا، بين مستويين، وينيتين مجتمعيتين، يتمتعان بكامل مقومات الوجود المستقل/ الموحد:"مجتمع لادولة"، و "مجتمع دولة تمايزية قاهرة".
وفي حين كان المطلوب حينها، ومن البداية، تعلم النظر الى الظواهر، والمعطيات البنيوية العراقية، بضوء المنجز الهام المتولد في سياق نهضة الغرب العلية، السببية، كان بمقدور، لابل من اهم مهمات العلييين النقليين، وماانكبوا عليه، قد اتخذ وجهة الغاء حقيقة تكوينهم، لصالح بنية مفترضة، يستحضرون عناصرها المتوهمة، من محيط، ومجال تاريخي بنيوي آخر،مختلف.
مما يمكن ان يؤخذعلى نظرية ماركس، مع كونها كانت اسهاما فاصلا، نتج عنه نقل الرؤية الانسانية، نحو مستوى جديد في النظر للمجتمعية، والتاريخ، ادخلهما عالم الاحتساب، انها لم تفلح في عبور نقيصة التركيز على الذات، واتخاذها موئلا للاطلاق المجتمعي، او مايكرس المركزية الاوربية، لكن ماركس، وكل من اسهموا في تاسيس علم الاجتماع الحديث، ليسوا بمذنبين، بعد ان انجزوا الذي انجزوه، تاركين لغيرهم مهمة اعلى واكبر، عنوانها البحث عن " دياكتيك التاريخ الاشمل"، بعد تطبيق العلية، على التواريخ الحضارية الاساسية الكبرى، ومنها المجال الحضاري الابراهيمي، وربما الهندي، والصيني، والامريكي اللاتيني، بحثا عن الخيط الناظم بينها من جهة، والغاية او الهدف المضمر، المتضمن في العملية الحضارية التاريخية الاشمل، برغم تبايناتها، حيث الطبقية الاوربية، والامريكية الجديدة المضافة للمجتمعات الانسانية، حاضرة، وفاعلة، وتحتل ماتستحقه، وماهي مؤهله له، ضمن السياق العام الكوني، للحياة، والوجود، والصراع الانساني على الكوكب الارضي.
وكما ان اختيار مثل هذا الافق، في النظر والبحث، ينطوي على تحد للعقل، ولممكناته، ومايتوفر عليه من طاقة، واحتمال، من المتوقع ان يضطره لاجتراح عوالم، وابعاد شاسعة، غير مطروقه، فان موضوعات ومسلمات اساسية، قد تبدو الان من الثوابت، من الممكن ان تكون عرضة للاهتزاز، وحتى التبدل، من ذلك على سبيل المثال، مسالة "الشيوعية" كمآل ومستقر نهائي حتمي اعلى، للعملية التاريخية، او مقومات الدياكتيك، الموافق للقوانين المتحكمة بالعملية التاريخية المتداخلة، حيث اوربا وحركتها جزء فاعل، لاكل مطلق، ضمن الحركة الاعم الاشمل.
ولايمكن ضمن هذا السياق تجنب الاعتقاد بان قضية اساسية، من الجدير باي عقل متصالح مع كينونته، بالاخص اذا كان من ارض مابين النهرين، ان يفكر بها، تلك هي قضية "وحدة عمل الاليات التاريخية عبر الدورات والانقطاعات"، فاذا اقررنا بان العراق، هو من جهة بلد صراع المستويين، او العالمين المجتمعيين، المتناقضين/ الموحدين، وانه،لاسباب بنيوية، واستحالية، تمنع الديمومة، وتوجب موضوعيا الانهيارات/الانقطاعات، مايجعل من تعاقب وجهي ،الدورات، والانقطاعات، قاعدة ثابته، فلابد ان يكون والحاله هذه، مرتهنا لاسباب ومفاعيل واحدة، لا تتغير، ظلت تفعل فعلها، على الاقل خلال دورتين حضاريتين كبريين، منصرمتين، مايضع العقل اليوم، وبناء عليه، امام امتحان صعب، وهو يعالج احتمالات الاستمرار، او الانقطاع، اي المثول للقاعدة المتكرره المختبره تاريخيا، بمقابل "الاستثناء"،الذي تفرضه حالة، وموضوعة الغرب المستحدثة عن التاريخ، وبما ان الغرب قد فعلها، وقدم لنا اخيرا، مايعرف بقوانين الاجتماع، فالاحرى ان نبادر الى الاستفادة منها، ومن فعلها المهم، لكي نتاكد، او نقارب، شيئا من اليقين، حول مااذا كان العراق سائرا اليوم، ومنذ القرن السابع عشر، الى الدورة الثالثة، اي انه مقبل على ارتقاء القمة، كما فعل مرتين من قبل، او هو مقدر له احتمال، ان يسقط في "الاستثناء" الحديث، بناء على التغير المفترض في الوضع الحالي، المجتمعي، على مستوى الكوكب، بعد ان وجدت ظاهرة الغرب الحديث؟.
لن نتحدث هنا عن "خصوصية"، من نوع تلك التي يرفضها الغرب، وينزعج منها بشدة الناعقون باسمه من بيننا( تصل درجة الانزعاج الغربي، من اي مظهر تملص من تحت جناح المركزية الغربية، الى اعلان الحرب الحضارية، على حسب ماقرر هنتكتون مؤخرا، مفصحا عن نمط من الفاشية الحضارية، الاستبدادية، المخالفة لجوهر الحقيقة الكونية، والمتصادمة كليا مع طبيعة العقلانية الغربية المفترضة)، فالعراق كتاريخ، ومسار، مر باطول التواريخ المعروفة على امتداد المعمورة، ومساره حكمته ظاهرة الدورات والانقطاعات، وهذه ثابته، ولايمكن نكرانها، او التغاضي عنها،حتى لو انها ماتزال، لعلةِ في اهلها، وعجز ازاء تعقيداتها، وعمق دلالتها التاريخية، غير مظّهّرة ادراكا ووعيا، وهي تنطوي، منطقا، على اسباب وعوامل، لعبت الدور الضروري في تكريسها، وتكرار تحققها لمرتين متعاقبتين، بحيث صارت من قبيل الايقاع المنطوي على قانون، لم يطرا مايبرر نفيه، او عدم تحريه والاخذبه.
من هذا الباب، وتأسيسا على ماقد سلف، يمكن لنا، مع الخضوع لمقتضيات الحقيقة التاريخية، خارج تعصب الانتماء، ان ندعي،وان من باب المبالغة، بان العالم والتاريخ،هما ايضا، محكومان لايقاعية الدورات والانقطاعات، وليس لماصار يعرف ب "الصراع الطبقي "، والمراحلية الطبقية التاريخية، كما يقررها لنا ماركس، في "المادية التاريخية"، وفي الحد الادنى من الموجبات المترتبة على مثل هذا الاستدراك، يصبح من الاحرى استبعاد الاطرادية، والمسار الخيطي المستقيم للتاريخ، فلا يجب ان تظل طاغية على الاذهان، مع اسس المقاربات، كما يتخيلها البعض من بيننا، من المسحورين بالغرب، وظاهرته، وقبلهم الغرب نفسه. ويظل المهم في هذا، ومايترتب عليه، ليس الاقرار اللفظي بهذه الظاهرة الهامة، بقدر ماتحث عليه وتتطلبه من انتباه، وضرورة تركيز بحثي، ومعرفي مفتوح. واذا كان مثل هذا الموقف، هو المطلوب بشكل عام، فان مايستدعيه نفس الباعث، ويلقيه على العقل العراقي، ربما يكون اعقد، واكثر الحاحا، وصعوبة، ناهيك عن اتفاقه مع مقتضيات تجديد المفهوم المتداول عن "الوطنية"، مع انتقالها لخانة "الوطن كونية"، بنية، وكينونة، واصل نشأة، ظلت وماتزال، مغفلة، ومضيعة، متعذرة، على مدى يزيد على سبعة الاف عام.
ـ يتبع ـ
(وطنية الدورات والإنقطاعات)







اخر الافلام

.. السبت الخامس لاحتجاجات باريس.. فرنسا إلى أين؟


.. الشاي المشروب الأكثر شعبية حول العالم


.. 22% معدل ارتفاع الفقر في إيران




.. 6 تقنيات يجب توافرها في سيارات المسنين


.. اكتشاف مقبرة تعود لأكثر من 4400 عام في مصر