الحوار المتمدن - موبايل



التّسامُح و المَجْهُول

سامي عبد العال

2018 / 5 / 14
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


تعاني المجتمعات العربية من آفة الكراهية والعنف في تفاصيل الحياة اليومية. حتى أنَّ نشر التسامح في سياق كهذا ليس متاحاً دون فهْمٍ مجهريٍّ microscopic لعناصرها المهمشة.... مثل الطوائف والديانات والأقليات والمذاهب والمرأة. وطبعاً هناك ما يلحقها من مفاهيم الإقصاء والقمع والازدراء والنبذ. وإذا كانت ثمة محاولات لتأكيد التسامح فلا تتم إلاَّ بجوانب سلبيةٍ يحملها ابتداءً. لأن مرجعيته ستحتم الاستناد إلى ما تفرضه من أفكار وعلاقات صارمة. كأنَّ التسامح لو حدث فسيكون بمثابة الإذعان للسلطة الغالبة دينيةً كانت أم اجتماعيةً أم سياسيةً.

الاهتمام بالهامش

السؤال المنطقي عندئذ: هل يمكن التفكر في قضايا التسامح بشكلٍ عكسي ضمن أفق فكريٍّ مقبولٍ، وسيظل مقبولاً ؟! أي لم لا نهتم بالهامشي أكثر من المركزي، بالمهمل أكثر من المعلّن ضمن خطاباته وقضاياه. لأننا بناء على ما تقدم نتابع موضوعاته بواسطة رؤيةٍ بعينها. أي نراها كقضايا من خلال المنظور( الأيديولوجي، الديني، الاجتماعي...) الذي نَطُلُ منه متجاهلين اختلافاً ضرورياً بين حال وحالٍ آخر.

على سبيل المثال قد تُروَّج أفكار حول التسامح باستعمال ( مواد دينية اسلامية منحازة ) رغم أن هناك تنوعاً دينياً داخل المجتمع الواحد. وهذا يعني أنَّه لن يُترك المجال لحرية الآخرين في صناعة الواقع. ويصبح قبول دين آخر شأناً ماراً عبر لاهوت سياسي عام كما الوضع العربي الإسلامي إزاء المسيحية وأتباعها. ولذلك كثيراً ما تنفجر الفتن الطائفية العقائدية بشكل متواتر.

وأبعد من هذا إذ أننا قد نعتبر التسامح معروفاً حينما نخططُ إلى غير المؤطر في دائرته عبر إطار ثقافيٍ حيث نقفُ، ونحدد فضاءَ مشكلاتِه بواسطة ما تم تحديده. على غرار ما نقدم من ضمانات التعايش اليومي لأقلية وسط أغلبيةٍ إذ تجري توجهات المجتمع وسياساته بحسب معتقداتها ونمط حياتها. أقرب الأمثلة أوضاع الشيعة في المجتمعات السنية أو العكس!!

سيُقال – هاهنا - إنَّ هذا أمر محتوم. نظراً لأن الإنسانَ فكرياً لا يستطيع الخروجَ من ذاتهِ التي هي الأفكار والمقولات والمعارف. وسواء قَبِلَ أم رَفَضَ يستحيل انفصال أي إنسان عما رُسِخّ لديه من مرجعيات. وربما يُشار أنَّه لو حدث عكس ذلك، لكان التفكير غارقاً في التوهم أكثر مما يستند إلى تاريخٍ فعلى. وبالتالي يُقال أيضاً لن يتم التسامح برؤيةٍ واضحةٍ على ما يعنى الوضوح أحكاماً بعينها. خاصةً أن قضايا التسامح ترتبط بتراث ثقافي واجتماعي ما.

أحياناً يُنوّه البعضُ إلى أنَّ تتبع اللاتحديد في مشكلة التسامح لون من التعلَّةِ لهدم النتائج التي يسفر عنها، أي هو إغفال للحقائق التاريخية التي تحتويه!! لمن مع ذلك فإن التسامح ينطوي على جانب غامض أعمق مما هو واضح. ففي العادة تتم عمليته وسط قبول هش، توافق بحسب الظروف السياسية.

لكن أمام ذلك تثير الحياة سؤالاً تالياً: ِلمَ لا نجرب الوقوفَ في مواقع أخرى؟! لماذا لا نفكر فيه على نحو مغاير؟! فالتسامح يطرح تجربة جديدة في جميع الأحوال. ويفترض حيثيات وعلاقات ذات طابع مفاجئ منطوياً على كمٍ وافر من الحماس والتفاعل!! فمن المفترض في أي تسامح أن يكون قائماً على حرية أطرافه وعلى إمكانياتهم المأمولة. وهو ما يدعم دفقات داخل الحياة تطلعاً إلى مستقبل أفضل، لأن التنوع والحرية يرميان إلى هذه الحياة.

التسامح المزيف

إنَّ التقيد بما نعرفه إزاء التسامح يؤدى - افتراضاً- إلى درجةٍ من درجات الارتهان بتصورات مسبقةٍ. مما يخلق هواجس الشك في صلاحيته، ولاسيما في المجتمعات التقليدية ومع تجاربه غير الناضجةِ. فقد يُعطى ذلك انطباعاً بالتماثل بين عناصر المجتمع باعتبار التسامح واحداً في تجاربه.

بالرغم من وجود فجوة في الإمكانيات بين حالة وحالة مغايرة. وأحياناً يتحَدَّد جانباه على أساسٍ ثنائيٍ( إما هذا أو ذاك) تحت غطاء التناقض بين طرفين. وبالتالي يكرس صراعاً من نوع آخر وليس تسامحاً. على سبيل المثال تكرس فكرة العداوة بين الطرفين ثم يذهب أحدهما للتساهل في حقوقه بينما يغفل الآخر واجباته.

في الأغلب يحتمل هذا الفهم تكراراً لما سبق تحديده في التسامح أمام حالاتِ اللاتحديد. مثلما يفترض أن هناك انتظاماً إدراكياً فحواه: طالما أنَّ حالة اللاتحديد (اللا تّعيُن ) uncertainty بما هي كذلك غير معروفةٍ داخله, فإنَّ حالات التحديد السابقة تعيد تشكيلها. وأنَّ الانتظامَ- وفق تحديد أو غيره- يمنحنا نموذجاً معيارياً (paradigm ) قابلاً للتطبيق في كل المجتمعات.

والحاصل أنَّ من يتبنى هذا الطرح هم أصحابُ الديانات والأيديولوجيات المغلقة الذين يزعمون امتلاكهم الحقيقة المطلقة. ولا يسمحون لسواهم بالبحث عنها. وليست المشكلةُ في هذا وحده، بل المشكلة تكمن في اعتبار النموذج المفروض عنوةً للتسامح ضامناً لنجاح تجربته كذلك. وأنَّ أفقاً مغلقاً، مادام تحت السيطرة بمقدمات دينية أو أيديولوجية سرعان ما يَحُول دون عودة الكراهية. بينما الأمر برمته ليس صحيحاً، لأنّه قد يزيد العنف بصدد تعيين أفقٍ للآخرين وإلزامهم به. وقد مارست الجماعات الإسلامية ( الإخوان والسلفيون ) تسامحاً مُزيفاً من هذا القبيل. فعندما جلسا(الإخوان والسلفيون) على كرسي السلطة في مجتمعات ما بعد الربيع العربي زعم الاثنان أنهما يقبلون الديانات الأخرى. وتزامن ذلك مع تكريس أخونة المؤسسات وربط مفاصل الدول بمرجعيات ماضوية عنيفة.

ذلك الوضع ُيقلص مساحةَ المجهولِ الإنسانيِ, مجهول الأفعال والآمال التي تختفي في مناخ الإقصاء. وهو – أي المجهول- من الأهمية بمكانٍ إذ يعطينا حريةً للتحرك والتخيل. ويساعدنا على إعادة الاعتبار لما هو غير قابل للتشكيل إلاَّ وفقاً لطفراته الخاصة, التي لا نعلم عنها شيئاً في هذه اللحظة. لحظة نحن غارقون فيها بحكم الانحياز المسبق.

وأمام المشكلات الفلسفية ( كمشكلة التسامح ) نغرق في لحظة تقف على أبعاد اجتماعية وثقافية وأخلاقية ودينية. وبجانب ذلك لا نعطيها اهتماماً يتطلع إلى ما خلفها، كي نحاول رؤية مجهولها الثري. لدرجة أنه في معظم الكتابات ينظر إلى التسامح كقضية محض اجتماعية أو أخلاقية أو سياسية.

مع أن قضية التسامح من عدمه تحتمل قراءات أخرى, بحكم أن التسامحَ يكتسب أبعاداً في السياق الذي يُوجد فيه. إنَّ غضَ البصر عن تلك الوجهة من النظرِ لا تجعلنا نرى إخفاق مشروعاتِ التسامحِ المزمعةِ قبل أنْ تبدأ، ناهيك عن كونها تجعل مساراته ضئيلة الحقيقة. والأهم لا تتيح لنا مجالاً لحمايته مستقبلاً وكشف ثغراته.

المجهول والتفلسف

إذا استبقت الأمور بصدد تلك النقطة, لأشرت إلى أنَّ مساحة المجهول في التسامح توفر الفرصة لمناقشة طابعه الفلسفي من عدمهِ. وتوضح لماذا يتعدد في دلالاته باختلاف المجتمعات؟ وماهية الأوجه الغائبة له؟ ولماذا يُحَمّل بأفكارٍ أخرى بحسب السياق؟ وما إذا كان متاحاً أن نفهم إمكانية التسامح كمصطلحٍ، وما هي حدوده؟ وهل نضع فلسفته ومفاهيمه بين أقواس؟ وهل يمكن- ابتداءً - قيام فلسفةٍ للتسامحِ أم لا؟

لإبراز هذه الفكرة المهمة في تفاصيل التسامح, يمكن التأكيد على:

1- أنَّ التركيز على المواقع ( غير المحددة ) لا يعنى إدراجها كطرف في ثنائية: المحدد وغير المحدد, المعلوم والمجهول. هذا إنْ حدث فهو محض قلب للأوضاع التي أشرت إليها. ويمثل نكوصاً في الفهم، وهو ما يظهر أمام ثنائية: التسامح/ اللاتسامح.

2- المهمة الأولى للتفكير في التسامح بالتوصيف السابق هي كشف المضامين التي توجد داخله ولم تُقَلّ بوضوح والتي تمثل استحالةً في سياقها، إذا تناولناه كفعلٍ مبذولٍ بشكلٍ بسيطٍ ( معطى ).

3- معرفة الخطوط المذكورة في بعض الأفكار والفلسفات التي تعالج التسامح, ولم يتم التوقف لديها. وهى الخطوط الأخرى، التي من المتوقع أنْ يأتي منها شيء مغاير لما هو سائد، إنَّها الأوجه غير الواضحة، والتي لم يتلّق التأملُ فيها عنايةً.

4- التفكير بهذا الشكل المعكوس هو انتقال من موقعٍ إلى آخر دون تثبيت الأفكار السائدة، ومن غير جاهزيةِ المعطى( نصوص- مذاهب - أفعال...). لأن التسامحَ ينطوي على مواقع، منها ما هو ساكن static ومنها ما هو دينامي dynamic. منها ما يعدُ مشروطاً، وما ليس مفهوماً إلاَّ إذا أخذنا بطرفيهِ تجاه نقطة التقاء أو افتراق. وهما بالتأكيد طرفان لا يكفان عن تبادلِ الحركةِ في إيِّ إطار ثقافي, ذلك وفق النمط الفكري الذي يوجه بوصلته، ومن جهة إسناده المرجعي( الدين، الحقوق، المجتمع، الأخلاق، التراث، الإنسان...) وهو يدخل التفكير الفلسفي مثلاً تحت مسمى " حدود التسامح ".
5- الاعتناء بتوزيع هذه المساحات غير المحددة في المفاهيم. أي جعلها متماهيةً مع ما هو مقنن منها. والتعامل معها باعتبارها موضوعاً قيد الاشتراط, اشتراط ديني أو أخلاقي أو قانوني. بناء على ذلك يمكن افتراض عدم مشروطيتها أصلاً. بكلمات أخرى: ماذا لو حاولنا مساءلةَ تلك الشروط الموضوعةِ من قبل، بدون إعطائها الفرصة لتوجيهنا الاستباقي. كما لو قيل إنّ أردتم للتسامح أن يحدث، ينبغي أن تقبلوا بتلك الشروط مسبقاً، إنه عندئذ تسامح تحت التهديدِ!!

نتيجة لذلك, تتعين أهمية " التسامح " فلسفياً من الموضع الذي لا يتعين فيه. إذ ذاك يخضعُ لعمليات تحول عبر أشكالٍ متعددة من التجريدِ. بذات القدر الذي يمارسُ سلطةً ليست أصيلةً فيه, إنما يعبر عنها. وبالتالي ينتهي داخله ما هو منه بحكم محدوديته، ويمتد إلى ما ليس فيه( الفضاء الإنساني ) إذ يرتد إليه، ويبقى فاعلاً في مستوياتهِ وأنماطهِ. لأنَّه( أي التسامح ) يظل في تلك المرحلة قابلاً لأن يُفَرِغ مضامينه في مفاهيم وكلمات تأخذ احتمالاته وترتهن بمرجعياته... كالحوار، التعايش، التنوع، التفهم، القبول.

لذلك فإنَّ الصراعَ والتوافقَ اللذين تحملهما " كلمةُ " التسامحِ، دلالةً وممارسةً، يراهنان في الحالين على الاستحواذ على تلك المنطقة غير البادية للعَيَان, وغير القابلة للمعرفة بسهولة، أي " المنطقة العمياء " جرياً مع مصطلح بول دي مان (1).

المنطقة العمياء

هي منطقة غير معرفة بما هي كذلك, لا بالجانب الأحادي, إنما يُمكن أنْ تقبل وجوهاً، وأنْ تكتب داخلها مدلولات مجتمعة أو متفرقة تتجاذب فكرة التسامح وممارساته, وتحاول احتواءه. وهناك جملة حقائق وضعتها في هذا التكوين الخلفي. يأتي أقرب توضيح إلى ذلك، لو حاولنا ذكر المعطيات المتعددةِ حول كلمةِ التسامحِ.

فالأخيرة ضمن مجتمعاتنا المعاصرة ترتهن بمعطيات: حضارية - مؤسساتية - عولمية – قانونية - أخلاقية – منطقية - قيمية - لغوية - سيكولوجية – اجتماعية - ومن ثم قد نعثر داخل التسامح على ما هو إنساني و مفهومي وسياسي وديني وتعليمي و حقوقي و برجماتي وثقافي و ميتافيزيقي وتاريخي.....

لكن هل يمكن لكلمة التسامح أن تستوعب تلك المعطيات؟ يحيل ذلك إلى سؤالٍ شارحٍ، بأيةِ صيغةٍ يتولد هذا الاستيعاب؟ إذ لا تدور تلك المعطيات خارجياً حول التسامح, لكنها تأخذ مشروعيتَها من داخلهِ, وبكامل التفاصيل التي قد تُوجّد. بحيث لو قرأنا مدلولاً، لوجدنا فكرته قد استغرقت فكرةَ التسامحِ, وكأنه بمثابة المدلول الوحيد له.

إنَّه في هذا الوضع يستلزم آلية الاستقطاب التي أشرت إليها، لتظهر- في هذا الإطار- مصطلحات مبنية على استيعاب أحادي الاتجاه. على سبيل التوضيح هناك: " التسامح الديني ", " التسامح الاجتماعي", " التسامح المعرفي ", " التسامح السياسي", " التسامح الثقافي ", " التسامح الإثني", " التسامح الجنسي ", " التسامح القومي", " التسامح الأخلاقي", " التسامح الحضاري" ...

ومع أنَّ أياً منها له أبعاده إلاَّ أنَّ هذا المدلول أو ذاك للمصطلح يتجلى كشكلٍ للهيمنةِ التي تأتي بسواها. إنَّه يأخذ أغلب المدلولات الأخرى في طريقهِ. بحيث يُرسِخ مرجعيةً بعينها( سياسيةً أو قانونيةً أو اجتماعيةً ) تمشياً مع منطلقاتِ التسامحِ.

إنَّ ما يحدث عبارة عن امتلاءٍ لكل الفراغاتِ المتوقعةِ في مضامينه, امتلاء بحجم التوقع نفسه، وما آل إليه, وما قد يجرى تخريجه من احتمالاتٍ. إذ يوجد في كل تلك الأوجه السالفةِ شيء يحدد الشروط الضمنية التي ينبغي الالتزام بها بما يخالفُ جذريةَ التسامحِ نفسهِ. ثم يتقرر مستوى الالتزام ظاهرياً ودرجته المرتفعة. والتي لا تنخفضُ كما لو أن الضروري يحتم غيرَ الضروري, وأن اللاتسامح, أي العنف, الخطاب المعلن...أشياء تحدد ماهيةَ التسامحِ. وهى في الحقيقة ماهية تلك المنطقة (الفضاء/ الخلفية ) العمياء. وبفعل أنَّ تلك الأشياء موجودة في وجوهه غير المنظورة, يتم الانصراف فلسفياً إلى تحديدات عامة حوله, كشيءٍ من الأشياءِ, كموضوعٍ متاحٍ التقليب والرؤية من قبل العَيَان المباشرِ، وفوق ذلك يجرى الانفصالُ عنه, كما فعل جون لوك في رسالته(2).

كأنَّ التسامحَ المنظور إليه عن بعدِ, هو- في تلك اللحظة- شيء يقع بمنأى عنا, يمكن أن نحضره أو ندفعه, نقلصه أو نوسع من دائرته. كأنه يُحَلِق حولنا ونحن بالداخل منه, لا خلاص له منا, ألم نمنحه للآخرين؟ ألا نعطيه حقيقته؟ أنحن الذين نقرر أم هو الآخر...أم اللا تسامح؟

هل تتسامح الهويات؟

من سوء الطالع أنَّ الإستفهامات التي مرت غائبة لا يُجاب عنها. لأنها تخضع لعملية تبديلٍ بأسئلةٍ أخرى، ترتبط بالتسامح كممارسةٍ ودعوةٍ ونداءٍ وكبطاقة هوية لمعطى اجتماعي أوديني يأخذ باليسارِ ما يمنحهُ باليمينِ. لكن أين المعطى الفلسفي؟ إنَّه قد يديرُ عبر تلك المنطقة العمياء هذه الهُويّة الخشنة للفعل. لأنه حينئذ يمثل "هُويّة الهُويّة " identity of identity التي بفضلها يتم التسامح. وبالتالي تدخل الهوية لإشعال الشد والجذب.

يغدو الوضع كالتالي: أننا نتسامح لأننا أصحاب هُويّة لها جذور كذا وكذا. مع الاعتقاد فوراً بأنها تنتقل إلي فعل التسامح ذاته. وفي ضوئها يؤشرُ إلى مضامين ، أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية تبقى كامنةً هناك. فإذا أتينا بها, فإنها تحرك ما يظهر من التسامح اعتماداً على المفاهيم التي تأخذ مبرراتها من هذا البعدِ, بُعدٌ خفي يُطرح بإلحاحٍ. لكن هل يعد التسامحُ كمفهومٍ, كفكرةٍ صالحاً بهذه الوضعيةِ أيا كانت؟ أو ما مدى صلاحية هذا المفهوم له إنْ وجد؟

بهذا المعنى تحفر الهوية منطقة عمياء في عملية التواصل الإنساني. و" المنطقة العمياء" لا تنفصل بحالٍ عن فعل التسامح, هي تتحقق فيه دون مبارحةٍ. لأنها المجال الفعلي لحسم الصراع مع الآخر( موضوع التسامح ) واحتوائه أو الانقلاب عليه. وحتى عندما يتم موضّعِة الآخرِ, أي عندما تتعين هويةُ الآخرين كطرفٍ في تلك العملية, فهم لا يتعينون إلاَّ في تلك المنطقة، ولا يختفون سوى فيها بالمثل, أو بالأدق يتعرضون فيها للإخفاء من قِبَلِنا نحن المتسامحين.

إنَّ أخطر أصناف التسامح ما يتم في ضوء الأسلاك الشائكة للهويات. و لكن مع عدم انفصالِ تلك المنطقة عن" التسامح ", فإنها تظل مائعةَ التحديد بدورها, بلا إمكانية إلاَّ من إمكانيةِ التسامحِ ذاتهِ وشروطهِ. وهى قيد الاكتشاف, لعدةِ أسبابٍ:

1- أنَّ التسامح ( كمبادئ، وأفكار، ومعطيات) لا يوفر للمنطقةِ العمياءِ مساحةً للاتساعِ، بفضل أنَّه يتأرّخ مسبقاً كما تشترطه المرجعيةُ الغالبةُ في المجتمعِ، وبخاصة تحت حراسة الهوية.

2- أنَّها مجرد تكملةٍ مهملةٍ, عن طريقها يمكن للتسامح كمفاهيم أن يعدل من وجودها واحتمالات طرحها إن أمكن.

3- من الصعوبة بمكان أن تظهرَ بوضوح, أو بالأحرى أن تُطرّح كاختلافٍ، وإلاَّ لأدت إلى انهيارِ التسامحِ نفسهِ. ومع ذلك هي بهذا المعنى قائمة.

4- بموجب فعل التسامح وماهيته، فإنه يبقى منطوياً على تلك المنطقةِ, هو محتوم بها, ومرهون بتفاصيلها. لذلك فإنَّ خطرَ انقلابِ التسامح إلى نقيضه خطر حقيقي, بل منصوص عليه هنا أو هناك, في تضاعيفه وندائه، اللذين يتواليان داخل الأنظمة السياسية أو الاجتماعية.

5- ما إنْ يخضع التسامحُ لأطره ومرجعيته، حتى تغدو تلك المنطقة فاعلةً. وهي تتسعُ بخلافِ ما يُراد لها أن تضيقَ. وقد تخرجُ عن السيطرةِ، مع أن المنشودَ هو التحكم فيها. هي بدء التسامح، علة انطلاقه. وكذلك يبدو أنه مجال لتحققها من جهةٍ أخرىٍ, إنه فرصة سانحة للإعلانِ عن وجودِها المتجددِ, وبفعلِها يمكن إرجاعه إلى نقطةِ البدايةِ التي قد تكون هي نفسها نقطةَ النهايةِ.

وهنا يمكن إعادة النظر في أسس الهوية وتداعياتها انفتاحاً على المجهول الكامن في المجتمعات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سأصوغ فكرة "المنطقة العمياء" تمشياً مع مصطلحي بول دي مان "العمى والبصيرة"، وهو مفكر أمريكي يرى أن هناك مستويات من العمى في أشد التحليلات تبصراُ. وأن هذه لا تنفصل عن تلك. لكن بواسطة توزيع المستويات يمكن أن نعيد قراءة النصوص، ففي مقالته" بلاغة العمى: قراءة دريدا لروسو
" the rhetoric of blindness Jacques Derrida s reading of Rousseau"
اعتقد أن المواضع التي تتجلى فيها جوانب العمى تظهر بارزة من خلال روسو الحقيقي الذي ينظر ويكتب سيرته الذاتية "اعترافات"، ومع أن تلك الأشياء فعلية إلا أنها فرصة للتركيز على جعل دريدا يفكك روسو المزيف بواسطة تبصرات يستمدها من روسو الواقعي، أي يستخدم جوانب معينة داخل جوانب أخرى تكشفها أفكار وكتابات روسو نفسه.
Paul de Man, Blindness and Insight the rhetoric of contemporary criticism, New York, 1971.PP.135 -140.
ويكمل دي مان الفكرة في كتابه " مجازات القراءة " حيث أعاد صياغة عبارة هيدجر القائلة اللغة تتحدث: die sprache sprch language speaks
هكذا اللغة تعد ذاتها( language promises( itself
إن اللغة تعد ذاتها بأن تبقي على ما يودع بها مهما كان مخالفاً للمنطق الصارم، وأن تظهر ما يجري في بنيتها من صور وظلال.
Paul de Man, Allegories of Reading, New Haven: Yale Uni-Press, 1979.P.277.
إن أفعال التسامح، لكونها معبرةً عن أهدافٍ إنسانيةٍ تحمل أكثر من تحولات غير مرئية كما نوهت في المتن. وبذلك، تبدو مشكلة التسامح غامضة وواضحة في نفس الوقت، لهذا لابد من الأخذ بعين الاعتبار تلك المنطقة التي تتعمق بحكم هذا التحول، وهي منطقة يمكن أن تشكل حقائق جارية بنفس الطريقة، إنها تتطلب عندئذ النظر في المتحول والذي يشير إلى ثراء فعلي في التعبير الاجتماعي عن أفعال لا تستمر بدون ظلال، تغطي التسامح وتلقي تبعات فهمه على أساس أنها جزء لا يتجزأ من تكوينه.
(2) يتحدث جون لوك عن التسامح بلغةٍ وصفيةٍ أقرب إلى القول بأنه ظاهرة حيادية، كما لو كان قد عالج هذا الموضوع وهو في حالة نأي عنه، وهذا قاده من وجهة نظري إلى التحدث بكلماتٍ هي ملحقة ضمنياً بخطاب ديني، أو على أدنى تقدير لم تفلت لغته من عبارات الوعظ التي في حالة دائمة من نصح طرفي التسامح. لقد اعتبر أنَّ مسألته سؤال موجه إليه في عين الوقت الذي يقف أمامه طوائف مسيحية متنازعة الملل، لذلك كانت أغلب تبريرات لوك للموقف من التسامح، وضعه، دوافعه، صورته، مستندة إلي تحليلات مأخوذة من مضمون ديني. وقد قادته هذه إلى الفصل في مسائل دينية وعقدية وصولاً إلى قضية الإيمان من عدمه.
جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمة منى أبو سنة، مراجعة وتقديم مراد وهبة، سلسلة مكتبة الأسرة(مهرجان القراءة للجميع، سلسلة الفكر)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2005. ص ص19، 55، 57.







اخر الافلام

.. أمير قطر في تركيا واستثمارات بقيمة 15 مليار دولار


.. Al Aan Live Arabic TV Stream HD - البث الحي المباشر لتلفزيون


.. بث مباشر : فن الايموجي مع شادي سرور، 4 فرق جديدة أمام التحدي




.. شاهد: روبوتات ترقص وتحلق وأخرى لصناعة أشهى أنواع العصائر…


.. إيران.. ملاذ القاعدة ومصدر عملياتها