الحوار المتمدن - موبايل



الحضارة الجريحة..وكيف نستعيد قوة الدفع الذاتية؟

محمد عبد الشفيع عيسى

2018 / 5 / 15
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم




الحضارة الجريحة هي حضارتنا، الحضارة العربية الإسلامية. أوْ قلْ إن الجرح ليس في ذات الحضارة، ولكن في أهلها، فإذا نحن الجرحي أو "المجروحون ". وجراحنا قديمة وجديدة .
أما الجرح القديم فهو الذي تولّد إثْر غروب شمس الحضارة في هذه المنطقة " المركزية " من العالم القديم تحت ضربات الصليبيين من الغرب، في القرنين الحادى عشر والثاني عشر وما بعدهما، ثم التتار من الشرق في القرن الثالث عشر بالذات، وخاصة بسقوط عاصمة الدولة الإسلامية بغداد في أيديهم عام 1258 .
و لكن الجرح النازف عاود الإيلام مرة أخرى مع عدوان فهزيمة الخامس من حزيران/ يونيو 1967، وتعمق شعور المجروحين، فهيأ المناخ لبزوغ الإسلام العقيدى في ثياب "الإسلام السياسي " بغية تسيّد مسرح العرش بديلاً للقومية العربية.
لنحو أربعين عاماً تسيدت حركة الإسلام السياسي حتى صعد نجمها فوق السماوات علي إثر ما أسماه الإعلام الدولي " ثورات الربيع العربي"عام 2011.
و في تلك الفترة 1967-2010 جرت مياه كثيرة في الأنهار، بطعم مُرّ أكثر الأحيان ، وبطعم "حلو" – أو غير مُرّ- في قليلها وفي لحظات متقطعة : مثل لحظة نشوب "حرب أكتوبر/ تشرين" عام 1973، و الانتفاضة الفلسطينية الأولي1988 والانتفاضة الثانية، "انتفاضة الأقصى و الاستقلال"، 2001-2003.
بعد 2011 ، وما تلاه عن عواصف سياسية، هوى جانب من النجم ( الإسلاموي –السياسي ) وخاصة منذ أواسط العام 2013.
ومن فوق تقلبات الحِدْثان ، وتحولات السياسة، خلال نصف القرن الأخير وأكثر، لمع الجرح الجديد. و إنّه جرح ما يمكن أن نطلق عليه " المنطقة العربية – الإسلامية المركزية " من باكستان وأفغانستان مروراً بإيران، ، اتصالاً بالوطن العربي إجمالا، و وصولاً الي القوسين شرق وغرب إفريقيا؛ أو من طنجة إلى جاكرتا، كما يحلو للبعض أن يقول. هذه المنطقة كانت وما تزال تمثل، بصفة عامة، نوعا من "الاستثناء العالمي" من حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية على الصعيد الدولي. لقد خرجت المنطقة من " الحرب الباردة " ومن عصر القطبية الثنائية (الأمريكية – السوفيتية ) صِفر اليدين، كما يقال، على العكس من منطقة شرق آسيا، التى كانت بمثابة " الكاسب الأكبر" تنموياً من جردة التحولات.
لا بل تحولت، بعد ذلك، المنطقة العربية الإسلامية المركزية عموماً، والوطن العربي خصوصاً، الي ما يشبه " ميدان الرماية " أو ساحة (ضرب النار) Battle-fieldللقوى الدولية، و تحول بعض من عمرانها الي ركام خلال اعوام قليلة.
هنالك تأكدت حقيقة الجروح القديمة والجروح الجديدة ، يشعر بها أهل الحضارة العربية – الإسلامية ، وهم الشعراء ، وما هم بأموات فليْس ينطبق عليهم بيت الشعر العتيق ( من يهُنْ يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميّت إيلامُ). بل علي العكس ، تصاعدت تشنجات الجسد الأليم ، و ارتفعت الأنّات من كل اتجاه ، وبعضها بغير ضابط، نظرا لافتقاد " العازف الرئيسي" فكرياُ ومؤسسياً.
بل وعلي خطوط التماس بين الجسد المجروح وتداخلات الخارج، برزت من بين طبقات الأرض القاحلة " نبْتات شيطانية " تلتهم الزرع والضرع، علي غرار " القاعدة " و "داعش" و أضرابهما من الجماعات المسلحة ذات اليمين وذات اليسار وعلى التخوم.
فهل آن للحضارة الجريحة –لأهلها نعني- أن تستريح وتريح، وأن (تقوم) من "استراحة المحارب" إلي ساحة النهوض ..؟
فكيف نستعيد قوة الدفع الحضارية؟
لقد عاشت الحضارة العربية الإسلامية مرحلة ازدهار عظيم، بالمقاييس التاريخية وبالمعايير (الكونية) فى عصرها. ونكاد نجزم أن السبب الرئيسى للازدهار الحضارى الذى امتد زهاء ستة قرون أو نحو ذلك ، من القرن السابع الميلادي إلى القرن الثالث عشر تقريبا، هو ما يمكن أن نسمّيه "الإبداع الحضارى" بمعنى الابتكار الأصيل فكراً وحركة، بالفقه والشعر والتجارة و الجهاد بالدفاع عن (دار السلام) . ومع الفقه الكلام والفلسفة والعلم الرياضى والطبيعى . ومع الشعر نقد الشعر و(الأغاني) وعلم البلاغة . والتجارة معها الحرف الصناعية والتنقل عبر الصحارى القفار والبحار البعيدة ، فى إفريقيا جنوب الصحراء ، وجنوب أوروبا (الأندلس لفترة) وآسيا البعيدة Far East حتى الصين وتخوم الهند . ومع الدفاع انزياح واندياح ممزوج بالتجارة ، عبر التنقل البرى والبحرى ، فى عملية لانتشار "الإسلام الحضاري" بغير سيف ورمح.
الإبداع –الابتكار الأصيل إذن، عقلاً بالذات ، ونقلاً عن الإغريق القدامى والهيلينية والإسكندرية والسريان وتراث المسيحية فى أنطاكية وفي بلاد الروم من بيزنطة ، وإلى الأبعد فى روما( وانظر إلى "هارون الرشيد – شارلمان") .. هو نقيض ما جرى بعد ذلك من الاتّباع و الاجترار والتكرار والحشو والاستعادة (الببغاوية) لماضٍ سحيق، والحفظ والتقليد مع هذا كله ، فنتج جمود وعصر للانحطاط – النسبى بالطبع .
فذلك ما عاشته بضعة من شعوب الإسلام والعروبة، ومنه : اجترار، وشروح (غير إبداعية) على متون القدماء . فأين المسارعة كما سارع أهلو دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة، وفى أصقاع (ما وراء النهر) فى آسيا الوسطى الحالية، نحو ممارسة وظيفة الإفتاء الخلاق الفقيه، والتبحر فى (علم الكلام) وفي الفلسفة انطلاقاً من إرث أفلوطين وأرسطو وأفلاطون، فى مزيج أطلق عليه بضعة من المستشرقين (الأفلاطونية المحدثة) ، وفى شق آخر محدث نسبياً: أرسطية مفهومة إسلامياً (ابن رشد في الأندلس والمغرب الأقصى) أو صوفياً (الغزالى في المشرق بالذات)، وإبداع فى الرياضيات والجبر والحساب ، كما أثبت مؤرخ العلم (رشدى راشد) فى أسفاره، وكذلك الأمر فى الفلك و كذا في البصريات (حسن ابن الهيثم) ، والجغرافيا (البيرونى) ومن بعد الجميع-زمنا- العلاّمة "عبد الرحمن ابن خلدون" رائد من رواد الفكر السوسيولوجي في القرن الثالث عشر الميلادي.
فذلك الإبداع الابتكارى الخلاق هو سمْت التجدد والازدهار فى عصر الانطلاقة الحضارية ، أما الاجترار و (التحوصل) أو (التشرنق) حول الذات، و التمركز حول ( طقوس بلا روح) فتلك سمة القاعدين حضارياً، غير السائرين على سُنّة (استئناف التطور الحضارى) .. قطيعة كلية لدى البعض، و "شبه كلية" أو جزئية لدى بعض آخر، مع فكر الاستنارة على غرار الإمام محمد عبده فى مطلع القرن العشرين ، وجنوح إلى (النقل) – بغير (العقل) فى أحوال عديدة- (إلا ما رحم ربى) .
وبتعبير (أنور عبد الملك) – الذى قد لا نوافقه كثيراً فى مضمار الاشتقاق اللغوي للمصطلح: انغماس فى (الإسلام السياسى) وانخراط كثيف فيه، مقابل عزوف أو استنكاف عن (الإسلام الحضاري) المفهوم لدى الكثيرين خارج دائرة الازدهار الحضارى الذى كان ديْدن السابقين حضاريا من بعض آبائنا قبل عشرة قرون أو أقل أو أكثر. فما أشد حاجاتنا إلى ممارسة فضيلة (الإبداع) الخلاق، وتنكّب طريق الظلمة المفضية إلى (الاجترار) و (طقوس بلا روح).
القطْع (النسبى)-والمشروط- إذن مع شطر من الماضى ، والإقلاع (المشروط) أيضا نحو المستقبل .. ذلك هو السبيل الأمثل نحو التقدم ، ليس من فراغ إلى فراغ ، ولكن من الماضى إلى المستقبل ، فيما نعتبره ضرباً قوياً من نمط (استئناف التطور الحضارى) ، كطريق متفرد بين كثير من الأمم والشعوب . لن نقلع بالانسلاخ التام من حضارتنا الموروثة، ولكن بأخذ أحسن ما فيها، وتجاوزها جدلياً إلى الأعلى وإلى الأمام. فالتفكير (الماضوى) الخالص انتحار حضارى، والتفكير المستقبلى المنخلع من الجذور مجازفة حضارية.
لن نتقدم بمجرد تقليد الغرب فيما يسمى (التحديث) Modernization على النمط الأوربي كما فعلت – للأسف – منطقة شرق آسيا جلّها، ولكن بالتقاء الأصالة والمعاصرة كما قال من قبلنا، ولم نزل نقولها . فبهذا نأمل أن تتولد قوة الدفع الذاتى الحضارية، أو الحركية الحرة من الداخل المجتمعي momentum، فلم تنشأ أو تتطور حضارة إلا بتولّد قوة الدفع الذاتى تلك، وإن فقدتها من الداخل، أو حدث لها قطع قسرى من الخارج، فحينئذ يحل محل الاندفاع تراجع ، ولو إلى حين..، وكلنا ثقة أن تراجعاتنا الحالية موقوتة بظرفها الحاضر.
و كما تولدت لدينا محاولة لبناء قوة الدفع العربية مرات عديدة خلال العصر الحديث و خاصة القرنين التاسع عشر و العشرين، فإننا يمكن أن نندفع بقوتنا نحو الأمام وإلى المستقبل.







اخر الافلام

.. إطلاق تجريبي ناجح لصواريخ -بـرق- الجديدة في سلطنة عمان


.. ليبيا.. حكم الـمجموعات المسلحة؟


.. قطر تسقط الجنسية عن 6 آلاف شخص من قبيلة الغفران




.. أبرز 5 خرافات عن النوم


.. هذا الصباح- معرض للتصاميم يدمج الأحاسيس بالهندسة