الحوار المتمدن - موبايل



نكبةُ إسرائيل

سامي عبد العال

2018 / 5 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


بعض الأحداث السياسية لها طابع الأفيون ونشاطه الوهمي. ألم يترك أثراً يُفقِد مدمنيه أيَّ إحساس متوازن بالواقع ؟ ألم يُولد أخيلة سارحةً خارج الحدود الطبيعية للأشياء والعالم؟! إذن... ماذا لو كانت الأحداث ذاتها أفيوناً بالنسبة لصانعيها ؟ يبدو أنَّ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس كالمخدر النرجسي للكيان الإسرائيلي. وطبعاً تدرك أمريكا كون الحدث صناعة ترسم واقعها على نحو افتراضي. جاء هذياناً حيّاً على الهواء مباشرة، اختزل عشرات السنوات الماضية ومئات السنوات القادمة من المستقبل.

وليكشف ذلك الحدث تباعاً: كيف يتصرف عالم السياسة اليوم مع التاريخ والأوهام والصراع والجرائم الجغرافية والعولمة والاستيطان وسرقة الدول وطمس معالمها. كل شيء بدون مبالغة كان حاضراً في مشاهد الاحتفال بالعاصمة الإسرائيلية -الأمريكية التي هي احتفاء خيالي بواقع زائف. وكأن تأسيس إسرائيل قد تم الآن، الآن فقط رغم أنها قامت على أنقاض وآثار فلسطين والتهمت عظام وجماجم الراحلين وسحقت التاريخ والمدن والأفعال والحياة التي أفرزها الفلسطينيون.

نجحت إسرائيل في إدارة القتل العشوائي لكل ما يتهدد وجودها، قتل المكان وقتل الزمان وقتل الإنسان وقتل الحياة، إضافة إلى ذلك تطالب بحقوقها. وكان ذلك أثراً بعيداً للإنفراد بالأراضي المتبقية من جغرافيا فلسطين. لكنها لم تبدأ إدارة الموت بخطوات على الأرض إنما من خلال أقطاب العالم كله. ذلك بتعلق إسرائيل كالطفيليات بجسد القوى الكبرى( الصهيونية نزعة فيروسية) حيث تعيش في هيكل غيرها. وتمتص قدراته وتأثيره لصالحها واقفة في مواجهة أعدائها.

دوماً يُحسب للطُفيل أنْ يلبس رداء الأقوى والأكبر، وأن يضع وظائفه سياسياً خدمة لتوسعاته. كان القرار الأمريكي دليلاً على هذا التضخم الأفيوني، وعد لترامب قال عنه نتنياهو" لقد وعد فأوفى"، وهاهو يحقق ما يقول. ليرد عليه ترامب عبر خطاب متلفز متباهياً بما قال وفعل. ومجدداً للمرة الألف: كان الوعد ممن لا يملك لمن لا يستحق. حتى نفذ القرار كيوم القيامة ليعكس ضعفاً وجبناً وخنوعاً عربياً يكلله الصمت المطبق. لم ينطق أحدهم بكلمة رئيساً أو مرؤوساً، بدت بقايا المظاهرات في شوارع الدول العربية لا قيمة لها. لأن العرب لم يعدوا حتى ظاهرة صوتيه، بل ظاهرة شبحية في جميع قطاعات الحياة. إن ما تفعله إسرائيل من امتلاك قوة الوعود لا يمتلكه العرب من الواقع رغم أنه تحت أعينهم وأيديهم.

الأحداث تجمع مالا يُجمع بما يليق بصناعة عبوة أفيون من العيار الثقيل. محشوة بالعنف المتضخم عولمياً، ثم الكلام الأمريكي الذي جرى توقيعه على الهواء بمجمل علامات التخدير العالية وآيات الكتاب المقدس والعبارات الغابرة حول مملكة إسرائيل وهيكل سليمان وتحريك التاريخ لتلتقي نهايته وبدايته. قال ترامب إنَّ القدس عاصمة بني إسرائيل من قديم الزمان. وهاهي جوانب الزمان تحط رحالها عند النقطة صفر حالياً لتدشين العاصمة القديمة الجديدة.

المعنى يُشابه كون المناسبة حاضرة ضمن كوكتيل الأحداث: النكبة بالنسبة للفلسطينيين والتأسيس بالنسبة لإسرائيل. والمفارقة بادية للعيان في الوعاء الزمني والمكاني ذاته ضد أية إرادة إقليمية. هؤلاء يصرخون وأولئك يحتفلون، هؤلاء يولولون وأولئك يرقصون، هؤلاء ينزفون وأولئك يعزفون، هؤلاء يقتلون فيستشهدون وأولئك يصطادون الجماجم والعيون، هؤلاء يركضون حتفاً نحو المصير وأولئك يمرحون ويتسامرون، هؤلاء يتعرون من أي غطاء دولي وأولئك يرتدون دروعاً وسراويل أمريكية وأوروبية.

القاتل والمقتول يتصارعان فوق المساحة نفسها التي تحمل آثار الأنبياء الإبراهيميين: موسى وعيسى ومحمد. والصراع بينهم ينتمي إلى شجرة عائلية واحدة، إنَّه الموت في بيته المقدس، أقدام اليهود تحت أقدام المسيحيين تحت آثار المسلمين. جميعها ضمن حفريات مضغوطة كأنها حولت الأرض إلى قرص إلكتروني مدمج، شفاف جداً لكنه مشحون بعالم وصور متتابعة.

أيهما يقع في فخ النكبة وأيهما يؤسس لمملكة الرب؟ لم يعد ليدرك المتابع إلا بجهد جهيد، ماذا يجري في أرض الرب وماذا يحدث لنسل العائلة المقدسة حتى الآن؟! اليوم والتاريخ والحقائق والأفكار تختلط وتنفجر على هيئة سقوط القتلى الفلسطينيين بخطوط التماس. وحين ترتفع الأصوات بالجهاد، يعلو صوت الملك الأمريكي ترامب القابع بسقف العالم مؤكداً أن نقل السفارة الأمريكية تأخر سبعين عاماً وليس منذ أيام!!

الأحداث تضرب في الخيال الكوني من واقع تهويم القوة الأمريكية الطائشة. لم يعبأ ترامب الرئيس الجاهل تاريخياً بحفريات الأرض ورواسب المشاعر والعواطف. وأمعن في سخريته من العالم كله، أخذ يُوقِّع على قرار السفارة كأنه يحمل أوراقاً في حلبة لمصارعة الثيران، وبدت ملامحة أفيونية تعصف بأي عقل يفكر.. ما العلاقة بين رئيس أمريكا وتأسيس دولة تنتهك حقوق كوكب الأرض؟! أية إنسانية - مهما تكن نائية داخل قارة أخرى- تقتل الأطفال وتستمريء إذلال الشعوب؟! ولماذا ظهر ترامب كمحارب قديم يرتدي خوذته ويضرب برماحه العابرة للقارات؟!

نرجسية إسرائيل تطابقت مع نرجسية أمريكا وأثبتتا أنَّ الحدث سرقة في وضح النهار، احتفال بالسرقة بدلاً من تغليفها بقرارات لهيئات دولية كما هي العادة. الملابسات وراء الاحتفال ليست عادية ولا تتم بأريحية كما يبدو في التفاصيل. لو كانت القدس عاصمة إسرائيل، فلماذا انتظرت الصهيونية كل هذه السنوات حتى تحتفي بتلك الدرامية السياسية؟ لماذا تصطدم العاصمة المقدسة بالقوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة؟

لأول وهلةٍ نجحت إسرائيل في تأكيد نكبتها الخاصة، لأنها دولة تغتصب حقاً ليس حق كيانها المشتت الآتي من دول العالم جرياً وراء أرض متخيلة في التوراة وحكايات بني إسرائيل. صحيح كانت هناك كتل يهودية في تلك البقعة الأرضية من وسط العالم القديم، لكنها لم تشكل دولة تغتصب حقوقاً وتخطف الأحلام المشروعة للفلسطينيين. من الذي قال أنه لابد أن تكون هناك دولة صهيونية تؤكد الثأر من جيرانها ومن أصحاب الأرض؟ كيف يتجسد الثأر في دولة لها سيادة ثأرية وبأي منطق يبرمج خلال دستور وآليات وجيش وثقافة وتربية لاهوتية على غرار فن الحروب؟!

اليوم كانت هناك نكبة فعلية لدولة قائمة على العنف الدموي. وأنَّ أرض الميعاد حولتها إلى مقبرة جماعية لرفاتها التي تحللت منذ أطلاق الوعود وراء الوعود. فلم تكن الأرض المقدسة( مدينة السلام – القدس) إلاَّ أرضاً للموتى. إنَّ إسرائيل تعيش بين الأموات فعلاً أو افتراضاً. لقد تأسست على الموت ونذرت نفسها بعنايةٍ له. وتمارس ذلك بدأب كما لو لم تفعل أية لعنة حقيقية بأيِّ أُناس من قبل.

عندما تقتل إسرائيل أطفالاً يلامسون أسوار قهرها وإذلالها، فقد مارست نكستها هي لا نكسة الفلسطينيين. كم تباهت إسرائيل حتى كدنا نصدق بأنَّها الدولة الديمقراطية المتفردة وسط بركة الديكتاتورية والاستبداد العربي، لكنها برهنت أنها جزء أصيل من البركة الآسنة. الوعود المسروقة لم تأت من المستقبل بل تلوثت بالخراب الذي يضمره صراع الهويات والقتل إزاء المقدس أرضاً وسماءً.

الأدهى أنَّ إسرائيل تقلد أمريكا في كل شيء، أو بالأحرى هي النسخة الشرقية منها. لنلاحظ تأسيس الاثنتين ( إسرائيل وأمريكا ) على مفاهيم النكبة وآثارها وسلطتها. وليس استمرار النكبات المرتبطة بذيلهما سوى بهذا الأثر. نكبة العراق، نكبة سوريا، نكبة أفغانستان، نكبة اليمن، نكبة فيتنام، أقدام أمريكا لا تخطئها العين. إن الكراهية هي المحصلة في نهاية الأمر. وتخطى الدولتان إذا كانتا تعتقدان أن الأفيون سيصل إلى شعوب يحدق بها القتل على الحدود، لأن ذلك رهان على نتائج الكراهية مستقبلاً. لن تجني إسرائيل مع الزمن سوى ما تغرس الآن، بقدر هذه النرجسية المدمرة للآخرين بقدر ما ستكون العواقب وبيلة لا محالة.

نبوءة الواقع أخطر من نبوءة الوعود، وإسرائيل تزرع يومياً نبوءات الواقع عن طريق تدميره. لقد تصر على إشعال براكين الغضب الشعبي وإحياء الصراع بين الديانات الإبراهيمية في غياب إبراهيم. والقتل لديه قدرة عجيبة في إعادة الحياة إلى زمن قابيل وهابيل. حقيقي ظهر الاحتفال بصيغة متأخرة من السعادة، لكنه سيكون بداية لثأر عبثي لا يتوقف.







التعليقات


1 - ما الجنون ؟؟
روجيه اسكندروف ( 2018 / 5 / 16 - 12:32 )
الجميع يتهم ترامب بالجنون .. لماذا ؟ لأنّه كشف عن آخر ورقة توت يستتر بها العقل-الضمير ..العربي المأبووون
ترامب يتكلم الواقع .. رئيس أقوى دولة, أقوى جيش, مؤسسات, نظام, ..بوسع قاض امريكي تعطيل قرار صادر عن البيت الأبيض .. بينما يلزمُك جيش امريكا و اسرائيل, و الناتو ايضا, لاقتلاع عباس
من سلطة رام اللاه.. و حشد عالميّ, أكبر, للإطاحة بعصابة حماس الارهابية التي على فكرة ... تعتقل المراهقين من اهل غزة, فقط لأنهم يحلقون رؤوسهم بطريقة تشبه ما يعتبرهُ الحمقى , : قصّة شعر اليهود ...
و اليهود منها براء, بل هم أكثر من يُحرّمُها .., و منم من يحرّم الاقتراب من الشعر أصلا
حدث في 2013, حيث تم اعتقال مراهقين غزّاويين أقل من 18 سنة, و تم تكبيلهم و تعذيبهم و , و استنطاقهم لأيام... ثم تشذيب رؤوسهم على ايقاعات الصفع ...

لقد غضب يهوه جلّ و على و تعالى.. من تكاسل الاسرائيليين و تخاذلهم.. غضب على شارون و موشي ديّان و باقي أبطال جيش الدفاع, في قبورهم ...

خاطبهم : تبّا لكم, قرود حماس, أكثر يهودية منكم


2 - حتى لانفقد البوصلة
سامي عبد العال ( 2018 / 5 / 16 - 19:13 )
خالص تقديري استاذ اسكندروف... لتذهب حماس إلى الجحيم ولتذهب جماعات الارهاب إلى الجحيم
والعرب الاغبياء ليس لديهم ما يقدمونه لأنفسهم قبل أن نتحدث عن ضمير أو عقل... لكن ما فعله ترامب شأن لا يخصه ولا يخص أمريكا تبعاً لكل الاعراف والمواثيق والقوانين الدولية والاخلاقية ... كيف تؤسس دولة وراء المحيط عاصمة دولة أخرى متنازع على قضاياها العالقة مع الفلسطينيين. ترامب يحض على الكراهية والقتل والانتحار الجماعي، وهو يضر بإسرائيل في المقام الأول. لأن القوة لغاشمة لن تكون نهايتها إلاَّ مأساة على الطريقة نفسها التي مورست بها. ثم إن فرض الأمر الواقع من قبل اسرائيل يجر الطرف الآخر إلى العنف حتماً. وستكون اسرائيل هي الخاسر لكونها واقعة وسط برميل عربي من البارود والإرهاب... اليوم أمريكا هي المنقذ، فمن سيكون غداً؟! ألم تسأل اسرائيل نفسها ماذا عن مستقبل التعايش مع الفلسطينيين؟ كيف يهجرون وتحتل أراضيهم وتزداد رقعة الاستيطان يومياً بينما يطالبونهم بالسلام؟ اسرائيل دولة احتلال احتلال ... وهي تعلم ذلك جيداً ولا تريد الاعتراف بأي شيء مهما صغر!!!

اخر الافلام

.. تابعونا على DW عربية مباشر


.. صموئيل شمعون وحلم الوصول لهوليوود الذي حول حياته لمغامرة -


.. قيادي في جماعة الحوثي يتحدث عن معارك مطار الحديدة




.. مراسلنا صلاح بن لغبر يرافق ألوية العمالقة التى تطوق مطار #ال


.. دمشق: تعرض مواقع تابعة للنظام لقصف طائرات التحالف الدولي