الحوار المتمدن - موبايل



(9) محكمة الضمير

فوزى سدره

2018 / 5 / 17
الادب والفن


طوبي لمن لايدين نفسه لتأنيب ضمير مريض
هل سمعت عن أحد مات من جراء تأنيب ضميره ؟
التاريخ يقول لنا الكثير .. فى رواية الجريمة والعقاب للكاتب الروسى دستوفيسكى نشاهد بطله راتكلوسكوف بعد ارتكابه جريمة قتل المرأة العجوز .. ظلت جريمته تلاحقه وانعقدت له محكمة الضمير بعقوبة العذاب الذى لا يُطاق حتى أنه فَضَل ان يتخلص من هذه العقوبة بتسليم نفسه , ويهوذا الذى ارتكب أكبر حماقة بتسليم إنسان بار برئنظير حفنة من الفضة و لم يتحمل عقوبة ضميره فشنق نفسه ..
تأنيب الضمير إذا طغى على الانسان لن يهنأ له نوما ولا راحة ولا أمان حتى يستوفى منه النفس الأخير أو الفلس الأخير .
ظللت أفكر فى حكاية الضمير وبحثت فى كتبى عن منشأه وكيف تَكون ومن كَونه وهل الضمير على اطلاقه عادل فى أحكامه أم أنه يميل احيانا إلى التشدد والاستبداد ، ويحيك التهم الملفقة وعليها يصدر أحكامه ، وبينما أفكر فى هذه الأمور الشائكة التى تحتاج إلى جهد جهيد فجأة أطل علىّ " انطون تشيكوف " وهمس فى أذنى .. عندى لك حالة وهو بطل من أبطالى مات يا صديقى من ضميره المريض ، لأنه تربي فى بيئة ملوثة مريضة جاهلة .
قلت له : إلى هذا الحد ضميره قضي عليه ؟
قال : أنهم يصنعون ضميرنا وبالكيفية التى ورثوها ، فمن تضحك له الأقدار يتسلم منهم ضمير سوى عادل قضاته تربوا فى الصدق والعدالة والاستقامة والحرية والاستقلالية ، ومن تظلمه الأقدار يتسلم ضمير مريض ليس له ضوابط ثابتة في الأحكام .
قلت له : ومَنْ هم الذى تقول عنهم انهم يصنعون الضمير ؟
قال : الأجيال التى تُربى أجيال
قلت : أرجوك أيها الكاتب القدير .. بما لك من علم وتشخيص وابداع.. هل لك أن تُبسط لى قضاة الضمير الذين تقول عنهم ...
كيف يكون هناك قضاة مستبدين جهلة وقضاة عادلين فى ضمير كل منا ، ولم أكمل الجملة الأخيرة وإذا بكاتبنا القدير قد اختفى من أمامى ..
وخمنت بأن الكاتب ليس مهمته أن يشرح فكرته بالتفصيل فهو يطرح القضية ويتركها للقارئ يقلبها بطريقته ويستخلص منها السبب والغاية ، وأين كان الخطأ وأين يكون الصواب .
شغلتنى هذه القضية .. هل يمكن أن يكون قضاتها مستبدين جهلة أو عادلين .. حتى تعبت من التفكير وغلبنى النعاس ونمت نوما عميقا ، وحلمت كما يحلم الحالم شخصيات جاءت لزيارتى وطلبت منى أن أكتب ما يعانونه من ظلم الضمير وعذابه وقضاته المستبدين ...
ولكن عملا بمقولة أحد أبطال الكاتب الايطالى "لويجى براندللو" فى مسرحيته الشهيرة ست شخصيات تبحث عن مؤلف " لا أحد يستطيع أن يعبر عن نفسه إلا روح الانسان نفسه " ، فطلبت من ضيوفى بعد أن قدمت لهم واجب الضيافة وسمعت معاناةكل منهم أن يفتحوا أذانهم وينصتوا لى ...
أيها السادة الأجلاء .. أنا رجل وصلت لمرحلة الشيخوخة وعلى أعتاب النهاية ولكنى تعلمت من الزمان أن أروع ما يبدعه الإنسان فى حياته على الأرض أن يمسك قلما ويكتب بنفسه معاناة روحه ونفسه ...
عندئذ تقدم لى واحد منهم وعرفنى باسمه " ايمى ايفان ".. لقد جئت اليك من عالم الأرواح
قلت : إذا أنت روح , وميت جسدا
قال : نعم أنا لست من عالمكم
قلت : كثيرا ما يأتى للعالم بشر رحلوا عن عالمنا وهذا ليس بمستغرب
قال : وسوف أقول لك كيف رحلت من أرضكم
قلت : انها ليست أرض أحد فكلنا سوف نتركها مثلك والقبور تنتظرنا جميعا
قال : عندما كنت على الأرض ذهبت يوما لمشاهدة مسرحية لكاتبنا نورجيف ، وكان أول عرض بحضور وزير الثقافة ورجال الأدب والمهتمين بالفن ، وجاء مقعدى خلف وزير الثقافة
قلت : هل كنت من أهل الأدب حتى يجئ مقعدك ضمن مقاعدهم؟
قال : كنت أحب الأدب وأقرأ كثيرا وأكتب ، ولكن لم احتفظ بشئ مما كتبت
قلت : لماذا ؟
قال : لأننى كلما كتبت شيئا كان ضميري يؤنبنى ويرعبنى .. ماذا يقول الناس عنى .. هذا لا يرتاح له البعض وهذا يُغضب البعض وهذا سوف يتهمونك فيه بالاساءة للعرف والتقاليد وربما الدين ، أو هذا ضد النظام أو خطيئة لا تُغتفر . مصيرك سيكون جهنم .. فأقوم بتمزيق ما أكتبه أو حرقه حتى لا يبقى منه أثر .
قلت : إلى هذا الحد يعمل ضميرك ؟
هذه كلها هلاوس قهرية . لماذا تخيف نفسك بأفكار ليس لها وجود إلا فى نفسك ..
ألا يفهم الناس أن ما يكتبه الكاتب ما هو إلا أدب أو افكار خيالية تجمل واقعه أو ريما نقد يستخرج منه استنارة تفتح أذهان الناس على عالم أوسع من الفكر .
قال : نعم ولكن ما كنت أتعجب له من ضميرى أنه كان يستحسن ما أكتبه فى مديح القادة الذين قد يصفق لهم الناس دون أن يفهموا لماذا يصفقون .
قلت : فهمت يا أخى .. وهذا أمات الكثير من المواهب قبل أن يشتد عودها وتُثبت وجودها بسبب ضميرسلطان الظلم .
قال : نعم ضميرى لم يكن سويا وكان هذا سر عذابى وشكوكى
قلت : أكمل وكلما فضفضت عن نفسك وأطلقت العنان لفكرك ربما تصل للعلة
قال : وما الفائدة ؟ وأنا لست فى الجسد
قلت : يا أخى سوف تكون سعيدا لو كان عذابك درسا للآخرين.. أكمل
قال : برغم أننى كنت مصابا بنزلة برد فقد صممت على الحضور
قلت : ولماذا صممت ؟
قال : لأنى أعشق المسرح ولاسيما ما يُمثل من مسرحيات كتابنا العباقرة
المهم وأثناء العرض لم أتمالك نفسى فعطست فى قفا الوزير الذى استدار نحوى فشعرت بالخجل والعار والذنب وأبديت أسفى واعتذارى وكنت على استعداد أن أُقبلْ قدميه لو سمح لى بذلك ...
إلا انه كان لطيفا ودودا للغاية . إذ قال بهدوء مرتسمة على ملامحه السماحة : لا تعر للأمر أهمية .. انه شئ عادى
قلت : إذا انتهى الأمر ؟
قال: لا يا سيدى فقد دخلت فى محاكمة مع ضميرى وظل ينخر فى عظامى بدبابيس حادة مؤلمة .. كيف تجرؤ على أن تعطس فى قفا الوزير وتضع رذاذا من الميكروبات فى قفاه .. ربما يحل عليه مرض ليس له حل ، وإذا أصيب بمكروه سوف يعرفون الحكاية وسوف لا تفلت من العقاب.. انه ليس بشخصية عادية والجميع يحبه ويقدره .. فمن أنت يا صعلوك أمام الوزير .. أنها فعلة لا تُغتفر وربما الرجل يساير الموقف لحين انتهاء العرض وينصرف هكذا ولكن داخله يغلى وسوف يأمر رجاله بالقبض علىّ وتقديمى للمحاكمة بتهمة الاستهزاء بقفا الوزير ومحاولة افساد عرض المسرحية ومهمة الوزير .
قلت : إلى هذا الحد يصل ضميرك . إن كان ضميرك هكذا فلماذا لا تروضه وتستغله فى حياكة القصص الخيالية فهو ضمير ممتع فى الأدب فقط أما فى الواقع فهذا جنون .
قال : حَدثت نفسى .. إذا تأسفت له مرة أخرى ربما أعرف ما الذى اتخذه من مواقف حيالى أو ربما يشعر بما يغلى فى دمى من ندم وأسف
قلت : وماذا فعلت ؟
قال : لقد لمست يدى كتف الوزير برفق فاستدار برقبته نحوى فقلت .. صدقنى يا معالى الوزير أنا لم أكن أقصد فأرجوك تقبل أسفى وانى مستعد ان أفعل أى شئ للترضيه
فقال : عن ماذا يا بنى ؟
قلت : لقد عطست على قفا حظرتك ولم أقصد
قال بغضب : أجننت يا رجل .. لقد انتهى الامر .. أأنت فى وعيك ؟!!
قلت لضيفى : وهل انتهى الأمر ؟
قال : لا .. أنت لا تعرف تأنيب الضمير كم يكون قاس إذا اصابه خلل فهو يمرر حياتك وينغص عليك سلامك حتى تعقد معه حلا بأى وسيلة أو تحتمل هجماته .
قلت : وماذا فعلت حتى تحقق ذلك ؟
قال : بعد انتهاء المسرحية وقف الوزير لكى يهنئ أبطالها ووقفت أنا فى دورى حتى جاء .. صافحته وذكرته بنفسى وعما فعلت وطلبت منه أن يصارحنى هل حقا عفا وسامحنى عن خطأى.
قلت لضيفى : أنه شئ ولا فى الأحلام .. لقد جَنَنت الوزير
قال : نعم . لقد نهرنى مستطردا أنت انسان مستفز وطلب من أحد رجاله أن يُخرجنى خارجا
قلت لضيفى : طبعا فأنت فعلت الغير معقول
قال : محكمة الضمير وسَجَانه أشد وطأة من سَجَانْ السجون
قلت : أعتقد أنك اكتفيت بذلك وأرحت بالك
قال : يا ليت يا أستاذ
قلت : وما الذى فعلته أكثر من ذلك ؟
قال : لقد استدليت على عنوان الوزير وانتهزت الفرصة وذهبت مع أحد الافواج الزائرة المهنئة
قلت لضيفى : طبعا ذَكَرته بما حدث وكالعادة طلبت العفو
قال : لا يا أستاذ . لقد عرفنى عندما اقتربت لمصافحته وصاح غاضبا والرذاذ يتطاير من فمه ... كيف دخلت بيتى ؟ كيف سمحتم لهذا المعتوه أن يكدر صفوى ويشوش مهامى واجتماعاتى ؟
ولم أشعر إلا بكل عظامى تؤلمنى ، فقد القوا بى فى قارعة الطريق
لم أنم ليلتى ولم أعرف كيف أتخلص من الآلام التى تخرج من عظامى لقد كانت كالدبابيس تُقطع أنفاسى من العمق..
هواجس وهلاوس هجمت على أنفاسى .. سوف يدبر الوزير أمر قتلى لا محالة ، حتى أن أنفاسى توقفت من الخوف الذى سرى فى قلبى . لم يحتمل فتوقف ، وتوقف كل شئ وانتهي الأمر وأنا هنا أمامك روحا ترتدى خيالا .
قلت : إن حكايتك حقا غريبة ومؤلمة وليس لها مثيل حتى فى نظريات علم النفس ...
ما هذا ؟ وما نوع هذا الضمير الذى يثقل صاحبه بذنوب واهية يحيكها بطريقة مذهلة عجيبة وكم من أناس تتألم وتخضع لهذا السطان المستبد
لقد عرضت مأساتك يا أخى وأعتقد أنه ليس هناك كاتب أو مؤلف مهما أوتى من حسن البلاغة والتصوير أن يعرض مأساتك كما عرضتها أنت
ولكن ما الذى تريده منى وما سبب زيارتك فى أحلامى
قال : وجدتك تتحدث عن محكمة الضمير ، ووجدت أن هذه القضية تشغل بالك وفكرك . حتي حثنى للزيارة احساسى بأننى ضحية وأرجو أن تنصفنى ، وقد سمعت أنك كنت محاميا تدافع عن الناس المظلومين
قلت : ومن الذى ظلمك يا أخى ؟! انه ضميرك
قال : وهل تعرف من الذى صاغ ضميرى بهذه القسوة ؟
قلت : مَنْ ؟ لكى نعرف من هو المجرم الخفى الذى كَون ضميرك بهذا الشكل المرضى..
قال : كان أبى وأنا طفل . إذا فعلت شيئا خطأ يهددنى بأن الله سوف يضعني فى جهنم وكان يضربنى عن أقل هفوة ويُذكرنى دائما أن الله يعاقب الأطفال المشاكسين فى نار جهنم ...
وجاءت مرحلة المدرسة ولسوء حظى أيضا وقعت مع مدرسين لا يصلحون أن يكونوا كذلك . مدرسين تنقصهم التربية والتعليم .. كانوا لا يعرفون إلا العصا الغليظة التى تنهال على اليد والرجل وكل مكان
اننى عندما أتذكر هذه المرحلة وأرى طفولتى تُهان وتُخدش ينتابنى رعب لا يوصف ..
كانوا دائما يذكرونني بالخطأ والعقاب حتى كبرت وحملت معى عقدة الذنب ...
وقد ثَبتها فى ضميرى أكثر بعض رجال الدين الذين لا هم لهم إلا الوعظ عن جهنم وعذاب المصير ، ويملأون ضمائر الناس بنير وقيود لا يستطيعون الفكاك منها ،حتى عقدوا فى ضميرى قضاة غلاظا لا يعرفون رحمة ولا شفقة ولا مسامحة ولا محبة ، وقد اكتشفت بعد رحيلى من العالم ولمست عالم الارواح فعرفت انه مفعم بالمحبة والسماحة والحنو والغفران وليس كما تكلموا باسمه .
قلت : نعم يا أخى . أنت فعلا ضحية لجهلة لم يفهموا رسالتهم .. آباء ومدرسون ورجال دين .. طوبى لمن لا يدين نفسه بهلاوس ضمير مريض
قال : ما كنت أعرف أن هناك ضميرا سويا وآخر مريضا ، فصدقته حتى قلب حياتى لجهنم وأوصلنى للعالم الأصلى ...
أرجو أن تذكر قصتى يا أستاذ فيما تكتب
قلت : وماذا أذكر ؟
قال : أنت قلت " طوبى لمن لا يدين نفسه لتأنيب ضمير مريض"







اخر الافلام

.. مداخلة الفنانة -درة- و -ايمي سمير غانم- للحديث عن استخدام قص


.. صباح العربية تراب الماس في صدارة أفلام العيد


.. الموسيقى تساعد مرضى الخرف من الشعور بالاكتئاب والتوتر




.. احيا وأموت على البصرة .. الغناء البصري الرائع


.. وحدة لسان الحاج.. دور إنساني يتجاوز خدمة الترجمة للحجاج