الحوار المتمدن - موبايل



الذكرى الخامسة والثلاثون لميلاد الحركة الشعبية لتحرير السودان

سعد محمد عبدالله

2018 / 5 / 18
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية



إنطلقت ثورة التغيير والتحرير والبناء والتعمير بقيادة الرفيق القائد د. جون قرن دي مبيور مؤسس الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في العام 1983م من جنوب السودان لتجتاح الغرب الشمال والشرق، وقد كانت منصة الميلاد حافلة بسجالات الرفاق المؤسسين حول قضية السودان ومشكلاته الشائكة التي لم تفارق مجالس المثقفين والسياسيين منذ عهد الإستعمار التركي المصري مرورا بالثورة المهدية والإستعمار الإنجليزي المصري وحركات المقاومة المناوئة للإستعمار مثل اللواء الأبيض بقيادة علي عبداللطيف ومقاومة عبد الفضيل الماظ ومؤتمر الخريجين، ثم جاء إستقلال السودان وتشكل الأحزاب السياسية وإنقسامها التاريخي حسب رؤيتين إتسمتا بالتنافر وهما (الوحدة مع مصر - الإستقلال عن مصر) وهما فريقان برؤى مختلفة تعبر عن صراع الهوية بين الإسلام والعروبة من جهة والأفرقانية والمسيحية من جهة آخرى، وكانت الدولة السودانية ما زالت في طور التشكل الأولى ولم تترسخ فيها الديمقراطية والمؤسسية رغم أن البريطانيين قد تركوا للسودان بعض المؤسسات الحيوية مثل المؤسسة العسكرية التي كانت تضم عدد من السودانيين بمختلف أجناسهم إلا أن القوى السياسية المؤدلجة والمشككة في بعضها البعض ضعفت قوتها وصعد الجيش إلي السلطة عبر الإنقلابات ووقع السودان تحت الحكم العسكري بعد ثلاثة أعوام من الإستقلال وتوالت المعادلة بين الحكم الديمقراطي والعسكري. وطوال فترة السودان الحديث لم يتمكن السودانيين من إعتماد مشروع وطني ديمقراطي لبناء دولة المواطنة والحرية وفشل في تثبيت أكثر من ثمانية دساتير وإستمر الصراع السياسي والثقافي والإقتصادي بين المركز والهامش وتم تريف المدن لصالح مدينة (الجلابة) المسيطرة علي الدولة ومواردها، وإشتد الصراع مع صعود النظام المايوي النميروي حينما أطلق (الرصاصة المدمرة) علي إتفاق السلام الموقعة مع الجنرال جوزيف لاغو وإنجر وراء الجماعة الإسلاموية بقيادة الشيخ حسن الترابي وأعلن تطبيق الشريعة الإسلامية بدوافع سياسية وبموجبها أقدم نميري علي إعدام خصومه السياسيين مثل المفكر الجمهوري محمود محمد طه وغيره، وبذلك نسف النميري خيط آخر للسلام والوحدة وبناء الدولة الديمقراطية الحرة.
فبعد سقوط نظام الرئيس جعفر نميري عبر الإنتفاضة وقيام إنتخابات أتت بحكومة ديمقراطية بقيادة الإمام الصادق المهدي، ظل التنظيم الإسلامي يعمل بكل جهده لإفشال الدورة الديمقراطية لتنفيذ خطة السيطرة علي البلاد وإعلان الدولة الإسلامية وقد تم ذلك وقام الإنقلاب الإنقاذي الإسلاموعسكري بقيادة حسن الترابي وعمر البشير، وما زال السودانيين يتحادثون في منابرهم عن الوحدة الإجتماعية والسياسية ومشاكل الإقتصاد والعدالة والديمقراطية.
وكانت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق ورفاقه قد أنشؤا منصة فكرية وثورية جديدة لمناقشة قضية السودان وحلها، وتم طرح مشروع السودان الجديد الذي حسم جدلية الهوية بإعتماد السودانوية لكل السودانيين والتي تعترف بالتنوع التاريخي والمعاصر للشعب السواني وضرورة نقل المدينة إلي الريف لحل المشكلة الإقتصادية والتنمية في الريف (هامش السودان) والعمل علي إستعادة الديمقراطية وتطبيق الحكم الذاتي او الكونفدالي في جنوب السودان، وكانت رؤية الحركة الشعبية قائمة علي جدلية تاريخية واسعة لم تفارق السودان للحظة واحدة، وكانت رؤية السودان الجديد ملخص لمجمل الحلول التي توصل إليها الرفاق الثائرين في الحركة الشعبية لتحرير السودان، ولما كانت رؤية مبهرة إنجذب إليها الكثير من السودانيات والسودانيين ودارة حوارات عظيمة حولها وسط المثقفين والمعارضين والديمقراطيين وحتى الإسلاميين، فكانت الحركة الإسلامية تعمل بقوة لإجهاض الثورة عبر محاولة تشويه الحركة الشعبية وحشد المئات بفتاوي الجهاد ودعاوي العروبة وتضيق فرص السلام والوحدة الطوعية بين مكونات الشعب السوداني (سياسة التفرقة العنصرية) حتى جاء مؤتمر القضايا المصيرية فتحول المشهد العام في السودان باقرار حق تقرير المصير كحق لشعب جنوب السودان وإختبار للوحدة الطوعية، لكن النظام الإسلاموعسكري الحاكم ظل يعمل بمفاهيم السودان القديم لدفع المشروع الحضاري القائم علي عنصري (الإسلام السياسي والعروبة) بالإضافة إلي مطمع أساسي وهو التحكم في الإقتصاد عبر السلطة وكلاهما مرتبط بالأخر إرتباطا عضويا لا ينفك عن بعضه البعض، فالسلطة بلا إقتصاد تنهار ولا يتشكل الإقتصاد إلا بوجود سلطة تديره ولكن النظام الحاكم حين تمكن في السلطة وهيمن علي الإقتصاد إستدار لقمع السودانيين وتصنيفهم حسب اللون والدين والمنطقة.
إستمر السودان في صراع الهوية والعدالة الإجتماعية والحرية والديمقراطية كما إستمرت الحركة الشعبية في نضالها من أجل السودان الجديد، وكانت الرحلة طويلة مرت خلالها الحركة الشعبية بمنعطفات خطيرة جدا داخليا وخارجيا من بينها إنشقاق مجموعة الناصر كأخطر إنشقاق داخلي مع تصاعد المعارك السياسية والعسكرية الخارجية مع نظام الخرطوم والتيارات المناوئة، وقد صمد الرفاق صمود الجبال الشامخة أمام الأعاصير والأواصف التي تهب من كل الإتجاهات، وكانت الحركة الشعبية مدرسة لثورة التغيير والتحرر وصل صداها إلي كل أركان القارة الإفريقية التي شهدت ميلاد حركات ثورية تحررية كثيرة في بلدان سادتها أنظمة بوليسية دكاتورية بعد إستقلالها من الأنظمة الإستعمارية ليتحول الصراع في القارة من مناهضة الإستعمار الخارجي إلي مناهضة الإستعمار الداخلي، وكانت الحركة الشعبية تنظيم ثوري عملاق عرف في افريقيا وخارجها.
كانت مفاوضات السلام في نيفاشا نقطة تحول عظيمة للحركة الشعبية ولقضية السودان ككل، حيث طرحت كافة الأسئلة التي تتعلق بمسألة المجتمع والثقافة ولإقتصاد والديمقراطية وتم توقيع إتفاق سلام عاد بموجبه الدكتور جون قرنق ورفاقه الثوار إلي الخرطوم لتطبيق ما تم الإتفاق عليه، ولكن المؤتمر الوطني لم يكن يؤمن بوحدة السودان ولا بالتحول الديمقراطي وبناء دولة المواطنة بالسلام العادل والتنمية المتوازنة ونشر ثقافة العيش المشترك بين السودانيين، لذا قام المؤتمر الوطني بعمليات منظمة لمحاربة إتفاقية السلام وإسقاطها وبلغت الحرب زروتها عندما إقترب وقت تنفيذ إستحقاق الإستفتاء في جنوب السودان والمشورة الشعبية في النيل الأزرق وجنوب كردفان وأبيي، ولم يترك المؤتمر الوطني وقتها فرصة لخيار الوحدة كما لم يترك فرصة لخيار الديمقراطية حينما تلاعب بالإستحقاق الإنتخابي في العام 2010م وكانت النتيجة إنسحاب الحركة الشعبية وعدد من التنظيمات السياسية المعارضة من الإنتخابات وإعلان مواقف واضحة بعدم شرعيتها وإنفصال جنوب السودان وإعلان إستقلاله، وعند إستقلال دولة جنوب السودان عن السودان أعلن الرئيس الإنقاذي عمر البشير انه لا يوجد ما يمنع تطبيق الشريعة الإسلامية وإعتبار السودان دولة عربية إسلامية. وفي العام 2011م أطلق النظام (رصاصة الحرب) علي الحركة الشعبية في السودان وتم إغلاق كافة مكاتبها في المدن والأرياف مع تنفيذ حملة إعتقالات واسعة النطاق ضد عضويتها، وأذكر حينها ما لم أذكره في إفادات سابقة سواء ما نقله للإعلام الصحفي حسن إسحق او ما كتبته تحت عنوان (ذكريات معتقل علي جدار التاريخ) وأورده الآن لتوضيح الصراع السياسي والتنظيمي داخل الحركة الشعبية، فعندما تم إعتقالي كان معي الأستاذ سعد رضوان الذي درسني في مرحلة الأساس وإلتقينا في الحركة الشعبية وفي المعتقل قابلنا عدد كبيرة من الرفاق منهم الأساتذة حسن سليمان وعبدالماجد إبراهيم والتوم كودالي وعادل إبراهيم والطاهر موسى والحمري وغيرهم وقد أعلن حينها الحمري إنسلاخه من داخل المعتقل معتبرا إنفصال الجنوب سبب كافي للخروج من الحركة الشعبية وهو منطق لكنه مغلف بسياسة (تبديل الحقيقة لتبديد وجود الحركة الشعبية) وبعدها خرجنا من المحابس ولم تكن هناك إشكالية حتى وقت قريب، لكنا كنا نقرأ المشكلة السودانية من عدة زواية حتى إتضح الصف الإثني الموروث من السودان القديم والخط الإنهزامي التراجعي عن السودان الجديد وهذا نتاج واقع عاشته الحركة الشعبية طوال سنوات نضالها إنطبق ذلك علي الإنقلاب الأخير الذي وقع مؤخرا في قيادة الحركة الشعبية ولحق عدد من المجموعة أعلاه بقائمة المنسلخيين والمنقلبيين.
كانت الحركة الشعبية طوال فترة الثورة الثانية من العام 2011م حتى لحظة وقوع الإنقلاب حركة متصدرة في المشهد السياسي والعسكري السوداني حيث انها تمكنت من إلحاق الهزائم القاسية لنظام الخرطوم سواء في ميادين المعارك او منصات المفاوضات والتنسيق مع القوى السياسية والمدنية داخليا وفي العمل الدبلماسي الخارجي، لكن وقوع الإنقلاب تسبب في تراجع الحركة الشعبية خطوات إلي الوراء، وتحتاج الحركة الشعبية لمراجعة مسيرتها السياسية والتنويرية ورؤيتها لحاضر ومستقبل السودان والحركة الشعبية معا، وقد قدم الرفاق المناضلين مالك عقار رئيس الحركة الشعبية وياسر عرمان نائب الرئيس أوراق مهمة بخصوص تجديد الرؤية والتنظيم وإعادة بناء الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بأسس جديدة تقودنا إلي السودان الجديد، سودان حر ديمقراطي علماني موحد يسع الجميع، وتظل رؤية السودان الجديد باقية كمسلك للعبور نحو موطن السلام والمواطنة والكرامة الإنسانية، وتظل ذكرى ثورة 16 مايو شعلة الأمل التي لا تطفيها الرياح مهما إشتد الظلام وحاصرت الغيوم سماء السودان.


سعد محمد عبدالله
18 مايو - 2018م







اخر الافلام

.. Socialism episode 3: Antisemitism - what it is and how to fi


.. Socialism episode 1: Socialism


.. Socialism episode 2: Politics in Britain Today




.. انتخابات بافاريا: حزب الخضر يكسر موجة صعود اليمين المتطرف وي


.. شاهد: مظاهرت في ألمانيا ضد اليمين المتطرف