الحوار المتمدن - موبايل



أُورشليم وسياسات الاحتفال

سامي عبد العال

2018 / 5 / 19
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


ما الذي يستحق احتفالاً في الأحداث السياسية ؟ أي: بماذا سنحتفل عبر الاحتفال نفسه ؟ هل ثمة شيء داخل الأحداث مُميِّزاً لإحداها أم أنَّ جميعها كذلك؟ لماذا يُوجد حدثٌ أكثر احتفاليةً من سواه ؟ علماً بأنَّ الحدث من حيث كونه سياسياً يعد نسبياً وقادراً على انجاز غايات بعينها. هذا فضلاً عن كونِّه خاضعاً لظروف وملابسات أخرى ربما لا يُعدُّ مهماً بدونها.

الأسئلة السابقة قد تبدو ساذجة، لأنَّ الاحتفال السياسي ينقل معالم البهجة بإتمام مراحل في مسيرة الدول أو المجتمعات. وقد يأتي نوعاً من أجواء التلاحم بين الأفراد واستيفاءً لشروط تطورية عامة. وبالتأكيد لن يهدف إلى شيءٍّ يضر الأرض التي يُقام عليها. والاحتفال عادة يتم بحضور الأعمال الكرنفالية والألعاب والمسليات والأعلام والأزياء المتنوعة والوجوه الباسمة وأدوات جلب السرور الحبور.

لكن إذا كان التفكير في المسألة بتلك الطريقة، فلا تجري الأمور هكذا سياسياً في أعماقها. لأنَّ الأحداث ليست فقط مهمة من جهة وقوعها ونتائجها، بل لكونها- وهنا الجديد- خطاب لانجاز " ما هو سياسي " political داخل الحدث. الاحتفال ليس مرحلةً ما كانت لتتحقق لولا بلوغ الحدث، بيد أنه يرسم أبعاداً أخرى له. والأبعاد هي ما تحيط بالحدث وتخطه في مدونات التاريخ وسردياته المتواصلة. وهي ما تجعله أبعد من غيره، سياسة الحدث تكتبه في متخيل الدولة التي تحتفي به. وتريد من جهتها القول أمام شعبها بكونه لن يأتي إلاَّ بالوسيلة التي يتم بها.

أي يغدو الحدث موضوعاً للذاكرة التي أنجزته. من ثمَّ يعد الاحتفال هو الحدث ذاته، لا يكادان يتعديان بعضهما( الاحتفال والحدث ) إلاَّ استباقاً لضروب العلاقة المتتابعة بينهما ثانية. مثل علاقة الورقة بخطوطها ونسيجها الذي هو كل ما تحتويه. لا فاصل هناك بين بنية الورقة والورقة ذاتها ولُحمتها.

هذا بالضبط هو وضع الاحتفال بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. فجأة أخذ المشهد يعبر: أورشليم هي السفارة والسفارة هي أورشليم، في وضع رجاء كوني كرنفالي خاص يربط أقطاب القوى ويظهر حبر الشفرات السرية لمملكة الرب. نقطة التقاء نادر بين السماء ودروب الصراع وتداخل القوى لترسيم الحدود وإقرار جغرافيا المقدس( بين اليهودية والمسيحية والإسلام).

الاحتفال بالقدس كعاصمة تواضع عليها الرئيس الأمريكي بتوقيع نقل سفارته إليها كان احتفالاً إنجازياً بهذا النحو. ربما لم يكن ليمر الحدث دون هذا المفهوم. وكان يتطلب كافة مظاهر الحشد الرمزي ( الافتراضي – الدبلوماسي- الدولي – الخطابي – الديني – الإعلامي – النفسي – الأثري- الفكري - العائلي ) كي يصيب حقيقته.

فعلاً لا يقل الاحتفال السياسي عن كونه تمثيلاً simulation لمعاني الحدث ذاته. وسيكون تباعاً ذا أهمية قصوى في ممارسة سلطة خارج نطاقه المحدود. بحيث يصبح على المتلقي مواكبة فائض الانتباه والقوة نتيجة تدفق الصور بما ستقول. وهي إذ تعبر فإنَّها تقطع عالماً كاملاً من الخلفيات التي تقرب بعضها البعض. فالصور صحيح هي أجزاء ( لقطات )، لكنها تنزلق على أساس كلي من واقع الدلالة الأعم لما تحمل.

هاهنا لم تأت طقوس الاحتفال بالقدس كعاصمة لإسرائيل عرَّضاً، لكنها كانت في صلب المشهد حيث أسهمت في تشكيله وإرسال رسائله. فاعلة ومثيرة للخيال وراسمة للدلالة الزائدة ومنطوية على كم وافر من الجاذبية. لأن المسرح برمته كان معداً لجذب أنظار العالم إليه وليس أقل. مثلما جاء الربط الافتراضي بين واشنطن وأرض الميعاد متزامناً بالخطوة نفسها.

السفارة الأمريكية ليست كاملة التجهيز، وقد هدف الإسرائيليون والأمريكان أنْ يتم الانتقال المكاني في الذهن والجسد واللغة والمعرفة والصورة. حتى ينسى الفلسطينيون أي شيء عن أحلامهم في موطئ قدم بأورشليم. ولهذا كان المشهد محتشداً بجسد حي من العلامات والعبارات والأشخاص والأيقونات والرموز الأمريكية والإسرائيلية.

بدا فضاء الاحتفال أرضاً كونية داخل أرض أورشليم، إنَّه يومٌ لعرض تاريخي واستدعاء للرؤية الحية المرتبطة بلبنة الدولة الإسرائيلية منذ سبعين عاماً.

1- الذاكرة داخل إسرائيل لها كيان مستقل عن الشذرات التصويرية التي نقابلها هنا أو هناك. لأنَّ الوعد، سواء أكان مصدره الرب أو القوى العسكرية العظمى أو الكتاب المقدس، يمثل حقيقة تاريخية. ليس يهم البحث في مجاله أو التحدث عن بقاياه وآثاره، لكن يأخذ طابع الحتمية، كأنه كائن فعلي ينمو ويتطور ويكبر ويزداد اقتراباً. ولذلك تجيش الإرادة الإسرائيلية له أدوات مهما تكن لبلوغ زمنه الذي يجب أن يكون قد أتى.

والذاكرة تعود ببني إسرائيل إلى الايكولوجيا السياسية دوماً.. فمن حياتهم الأولى في مصر، ثم وقوعهم تحت براثن القمع والعنف مع حكم الفرعون، وانغماسهم في التيه مدة أربعين عاماً بسيناء ليتم مطاردتهم وعبورهم البحر وصولاً إلى أرض الجبارين( العملاقة ) وهم يتحسسون جغرافياً حدودية لن تكون كذلك إلاَّ بأعمال معينة من ترميم الذاكرة. حتى أن سياسات إسرائيل طوال الوقت هي ترميمات لثقوب الذاكرة وجدار الزمن. لأن الزمن لديها زمن شعب اختاره الرب، وعليه أنْ يكون له وظيفة جغرافية هي إقامة مملكة الوعد من الرب.

وحتى بواكير الشتات كما ورد بالعهد القديم، حين كان الناس لساناً واحداً ويقطنون بحدود مدينة واحدة وهاهم يبنون داخلها بُرجاً يتعارفون على بعضهم البعض من خلاله، حتى منذ ذلك الوقت بلبل الرب ألسنتهم فبددهم في الأرض وهاموا على وجوههم مع كل حدود ممكنة، فتمزقت جماعاتهم وتكلموا بألسن متفرقة ولم يجدوا مفراً من السكنى في مناطق شاسعة.

2- تعتمد سياسة الاحتفال على سياسات الدين. قال القس الأمريكي روبرت جيفرز خلال الصلوات التي افتتحت الاحتفال ما يلي: " نحن في حضرتك يا رب إبراهيم واسحق ويعقوب، نشكرك على تمكيننا من حضور هذه المناسبة الفريدة في حياة شعبك وتاريخ العالم". وهو ما يعني أن التمثيل الاحتفالي لم يكن بلا سبب ولاة يشي بتفريغ الحدث من خميرته التاريخية.

القس جيفرز يدرك كون الاحتفال ليس عادياً لكنه متعلق بالإيمان. والقس يعزف على هذا الوتر اللاهوتي العائد عن طريق الفلاش باك إلى مئات السنوات. حين كان البشر لا يمتلكون من الأرض غير حضرة الرب. وهي كل السماء بحقيقتها بينما الأرض تحتها خاوية إلاَّ من شعبه.

ويقصد الكلامُ ربَّ إبراهيم وإسحاق ويعقوب تخصيصاً حيث ربط الماضي السحيق بالمناسبة الآنية. والتحقق يعني أن الزمن مجرد فراغ كامل إلاَّ من الغاية التي تم انجازها تواً. ولا تتم بمنأى عن العالم كأنها ركن ملق هناك في أحدى زواياه المجهولة. إنما تاريخ العالم كله يسعى ويدور حول مسار مملكة الرب. وأن أورشليم هي المطلع الأسنى لتلك المهمة الغارقة في التفاصيل، و كذلك هي الصخرة التي تحكم توازن الأحداث والأعمال، إليها يذهب الزمن ومنها يُطوى المكان.

لذلك ليس من مانع لدى القس بأنْ يمثل ترامب الرب في افتتاح السفارة. فبعد أنْ أثنى على جهود رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال: " نود أنْ نشْكُركَ يا رئيسنا العظيم دونالد ترامب على قيادتك الرائعة، لولا إصرارك وعزيمتك وشجاعتك لما كُّنا اليوم هنا ".

بتلك الطريقة اللاهوتية غدا ترامب أحد المشاركين في مملكة الرب. أليس يتطلب ذلك احتفالاً يليق بالقرار الأمريكي؟ وأصر أن تقام السفارة في موعدها وأن يُحتفى بها على الرغم من المعارضة الدولية لمجرد اتخاذها كخطوة أولية.

3- هناك نقطة ( توحُد ) بين أمريكا وإسرائيل. ويغيب عقل البعض من جراء عدم فهم الوضع السياسي. فترامب ليس معنياً بإعادة أورشليم إنما يريد استعمال الاحتفال بالداخل الأمريكي. قبيل أنه يريد أصوات المسيحيين الإنجيليين الذين لم يصوتوا له بقوة في الانتخابات الرئاسية القريبة.

وبدا الرب الأمريكي متلاعباً هو الآخر بتاريخ بني إسرائيل، لأنّه لم يقرر نقل السفارة دون التلاعب بصورة مملكة الرب لدى القطاع الصامت من الإنجيليين. وإذا كان ترامب قد أخذ خطوة شجاعة، فلأنَّه لا يعير العرب ولا الفلسطينيين أيَّ اهتمام. رغم أنه مراراً قال على الأصدقاء العرب دفع ثمن أية سياسة تتخذها أمريكا في المنطقة، التكلفة المقررة من الرب لا تقل خطورة من عقابه وثوابه في الوقت نفسه.

لكن الجديد أنَّ عقابه يُحمل على جادة الاحتفال، لكونه يحل مسائل تاريخية بينما ثوابه ليس أكثر من قواعد عسكرية مدفوعة الأجر لحماية شعوب خلقها الرب في اليوم السابع من راحته بعدما خلق شعبه المختار. فالعرب – كما يعتقد بعض الحاخامات اليهود- جاءوا بالصدفة نتيجة بقايا المخلوقات. إن طين الحياة لم يكن ليتسع لهم إلاَّ عرضاً.

بالصدقة جاء العرب للحياة، فكيف تكون لهم حقوق داخل مملكة الرب. إنهم بقايا الأدوار التي تظهر نعمة الرب على كائناته المشوهة. وصف القس روبرت جيفرز دولة إسرائيل بأنَّها نعمة للعالم برمته بفضل " اختراعاتها في مجالات الطب والعلوم والتقنية والطاقة، لكن الأهم من هذا كله أنها دلت العالم على الإله الأوحد الحقيقي عبر أنبيائها والكتب المقدسة والمسيح".

بالتوازي أقبل الإنجيليون على القرار كجزء من الاحتفال الأخروي. لأن عودة المسيح في أخر الزمان جزءٌ من جهاز أخروي متعلق بقيام مملكة بني إسرائيل، ولن ينزل دون هذه المملكة وزيادة قوتها وهيمنتها. هكذا فإن ترامب رئيس مقدس يخدم الرب بطريقته الخاصة. وإذا كلٌّ يغني على ليلاه كما في الثقافة العربية، فلقد سميت ليلى بأسماء كثيرة، اختلف الاحتفال إزائها وأخذت عناوين مختلفة، لكن عشاقها وجدوا ضالتهم المنشودة.

4- كان العنصر الأنثوي حاضراً في هيئة إيفانكا ترامب، وقبيل الاحتفال نشرت إيفانكا صورتها أمام حائط المبكى على " إنستجرام" واتبعتها برسالة قائلة: "أعود بسعادة بالغة للقدس.. يشرفني الانضمام إلى الوفد الموقر الذي يمثل الرئيس ترامب وإدارته والشعب الأمريكي في الحفل العظيم لإحياء ذكرى استقلال إسرائيل وافتتاح سفارتنا الجديدة بالقدس."

الأنثى هذه المرة خادمة في مملكة الرب، كان الوقوف أمام حائط المبكى هو الترتيل الذي يمثل المقدمة استعداداً للمناسبة. غير أنها ليست أنثى كأي أنثى عادية، إنها همزة الوصل بين حواء رمز الخطيئة، لكنها قوية سياسياً وبين تاريخ المجد العائد بقوة لبني إسرائيل. وقد حرص ترامب على إرسال ابنته على غرار آلهة الأولمب، آلهة اليونان، التي كانت تشارك شعبها الاحتفال والطقوس الكرنفالية بالأعياد والمراسم والانتصارات و صناعة الأمجاد.وقد حرصت اللقطات طوال الاحتفال على مطالعة وجه إيفانكا، فالأنثى رغم أهميتها التاريخية في الأماكن المقدسة إلاَّ أنها مؤشر لردود الأفعال. وقد حضرت خصيصاً لتضفي طابع الخيلاء والغموض الأكثر غرابة.

5- بالمقابل لم يفهم الفلسطينيون الاحتفال إلاَّ لكونه يساوى الحدث ذاته. وهذا تأكيد لما مر من نقاط سابقة. فلم يجنِ الاحتفال سوى تبعات القرار التمثيلي الذي تم مسرحته على الأرض. وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي بعض المحيطين الفلسطينيين بالاحتفال وهم يرفعون أصوات تلاوة القرآن.

فتداخلت الكلمات المقدسة من الديانات الإبراهيمية الثلاث: التوراة والإنجيل والقرآن. هذا ناهيك عن الدماء التي أريقت على حدود الاحتفال من قرابة الستين شاباً فلسطينيا وشابة، اغتالتهم أضواء الاحتفال ولم يجنبهم الجندي الإسرائيلي اغتيالاً كان مطلوباً حتى تثبت القوة مدى بطشها وانحرافها.

وبذلك تمثل سياسات الاحتفال ثقباً يمتص طاقات النصوص أفعالها لصالح الصراع على الأرض المقدسة( أورشليم)، على أثرها تحولت الكلمات إلى كائنات خيالية تقوم بأدوارها اختصاراً لكل التواريخ والموروثات اليهودية المسيحية والإسلامية التي فاقت عشرات القرون. ولذلك ما لم نفهم من الحدث السياسي لنقل السفارة الأمريكية سوى تأويل الاحتفال، لكان جديراً بإيضاح ماذا يقول وكيف يحكي القصة بتفاصيلها الغامضة.

6- أيضاً كان الإغواء السياسي موجوداً بصيغة أو بأخرى. الإغواء هو الأثر الرجعي لنفاذ القوة حين تفي بوعودها الأرضية. ولهذا بدت ملامح رئيس الوزراء الإسرائيلي منتشية ومظفرة بمقدار ما نضحت بعلامات الانتصار. وكم وجَّه التحية للرئيس ترامب على ما وفى بوعده على غرار شكر النعمة من الرب أن مكَّن أبناء شعبه من بلوغ أمنياتهم. والإغواء هنا لحظة ماكرة بين السياسة والدين والعاطفة وسياسات الأرض. كأنها تجمع خيوط اللعبة باسم المقدس في مدينة أورشليم، بحيث كانت منصة الاحتفال هي سيولة العالم ومسرح التاريخ في لحظة نادرة الحدوث.







اخر الافلام

.. بروفايل:سيمون غرونوفسكي..يهودي نجا من المحرقة النازية..ما ال


.. الفلبين.. مطالب بتشريع الطلاق في مواجهة الكنيسة والمجتمع الم


.. دعوات لحماية التراث اليهودي في لبنان بعد اعتداءات على مدافن




.. ألمانيا: محاكمة لاجئ سوري اعتدى بالضرب على شخص يرتدي قلنسوة


.. كيف استقبل التونسيون زواج المسلمة بغير المسلم؟