الحوار المتمدن - موبايل



العلمانية وموقف الرفض المسبق للأفكار المنافسة

عباس علي العلي

2018 / 5 / 21
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


العلمانية وموقف الرفض المسبق للأفكار المنافسة

من الظواهر الملفتة للنظر وخاصة في خطاب المدرسة العلمانية بكل توجهاتها هو التحذير الدائم من وجود وحراك المؤسسة الدينية بما تمثله من توجهات وأفكار تدعو للإقصاء أو محاولة فرض قراءة للواقع من منطلقاتها الأيديولوجية، لذا نرى الخطاب الناري الموجه لهذه المؤسسة ومن ورائها تحميل الدين مسؤولية المأزق التاريخي الذي تعاني منه بعض المجتمعات يعود إلى هذه النقطة بالذات، وترى العلمانية أن الحل الوحيد إقصاء الدين وتفرعاته وعمله الأيديولجي عن حراك المجتمع سياسيا وثقافيا ووجوه عزله في دائرة الروحانيات وبحدود العلاقة الشخصية بين المؤمن ودينه، هذا التوجه ليس متطابقا مع روح العلمانية التي نؤمن بها على أنها الفلسفة افنسانية التي تضمن للإنسان حق الرأي وحق المساواة بين الناس على أنهم أفراد ضمن مجتمع خاضع للتنظيم والمسؤولية المشتركة في إدارة المجتمع.
القضية العلمانية أو جوهرها الذي يتسامى بالإنسان من واقع الرفض الشخصاني والذاتي إلى رحاب فكرة العدالة والحق الجمعي للمجتمع في أن يسير طبيعيا دون أن نضع أمام الفرد حلول مسبقة أو أفتراضات أيديولجية، يمنح الأخر المختلف أيضا أن يعبر عن وجوده وعن رؤيته ولكن من خلال إلتزام الجميع بقاعدة الصالح والأصلح، فليس كل الدين سيء أجتماعيا وليس كل العمل المؤسساتي الديني فيه أضرار مباشرة على التقدم والتطور، ووظيفة المجتمع في النظام العلماني أن يتيح للمختلف والمتناقض فرصة العمل والمشاركة لكن دونما إلزام مسبق أيضا بمقدمات ومعطيات لا تتوافق مع سيرورة المجتمع وطريقه للخلاص من عوامل التخلف والرفض والإقصاء.
هنا على العلماني الحقيقي أن يهتم بدل الرفض القاطع للدين ووجوده أن يقدم البديل المقنع والناجع والقادر على أن يثبت أهليته في قيادة الحركة التجديدية مقارنة ومقاربة بما موجود أو واقع له قبول أو حضور فاعل ومؤثر، الخطوة الأولى في هذا الطريق يعتمد على مفهوم المنافسة الإيجابية فالوجود العام هو الفيصل والحكم ف فرز الأفكار والنظريات والرؤى التي تصلح أو لا تصلح وليس ممارسة القسر والإقصاء الذي يعاب فيه على التدين ومظاهرة الفعلية في حركة المجتمع أو ما يسمى بفوبيا الدين والتدين، الخطوة الثانية والمكملة أننا يجب أن ننظر للمجتمع نظرة حيادية لكل مكوناته وندع للجميع مهمة خوض التنافس على مبدأ المساواة التي هي عماد العدالة الأجتماعية المنشودة.
شخصيا لا أعاني من فوبيا رجال الدين ولا أمانع حتى أن يكونوا ضمن دائرة العمل السياسي شرط أن يتركوا فكرة أنهم الأصلح والأقرب إلى الله وما عداهم مجرد عوام همج لا يعرفون طريقا ولا يهتدون سبيلا، فكرة عزل رجال الدين أو حتى المؤسسة الدينية عن الحياة السياسية لا تختلف تماما عن فكرة المتطرف الديني الذي يرى الجميع على باطل وهو الحق المجسد كاملا، لا تنسوا أن رجل الدين أيضا مواطن وله حقوق دستورية وعليه واجبات سطرها القانون، الضمان السليم لمشاركة الجميع بالحياة العامة هي الخضوع التام للقانون والنظام العام دون عنوان تفضيلي أو ميزة ترفع هذا وتخفض ذاك.
مما لا شك فيه أن ظاهرة التدين وخاصة في الجزء الذي يبتعد عن واقع حركة المجتمع والغائص بماضويته وسلفيته ساهم كثيرا في فرض التخلف الأجتماعي والحضاري للمجتمعات، وهذا من واقع الحال والتجربة ولكن لم نتسائل في يوم من الأيام كيف تسنى لهذا الحضور السلبي أن ينتشر في مجتمعاتنا وعلاقة كل ذلك بالتطور الحضاري المطلوب، خاصة وأننا نعاني من تراكم فشل مزمن في معالجات حقيقية وفي وقتها لمسألة التخلف، نقص التعليم ورجعية السلطة الحاكمة وغياب الفعل التنويري وفقدان البوصلة الفكرية التي بمقدورها معالجة الخلل، ساهمت بشكل كبير في رسم الواقع المتخلف وليس وجود الدين أو ظاهرة التدين وحدها هي من تتحمل كامل الوزر والمسؤولية بالرغم من إقراري أن الظاهرة المدانة يجب نعالجة أسباب سطوتها من أصولها لا من نتائجها الكلية.
العلمانية أسست فكرتها الأولى على جوهر الحق الإنساني المجرد وبالتالي على العلماني الحقيقي أن ينتبه إلى فحوى هذا الجوهر وهو القبول بالأخر والتعامل معه حضاريا ووجوديا، فليس من أصل فكرة العلمانية أن نزيح عن الواقع شيء جوهري متمتع بمقبولية وتراكم تأريخي وأجتماعي كي ينجح في في التغيير، بل واجبه الأساسي أن يحاور ويتفهم ويخوض المنافسة في طرح الأفكار والرؤى دون ترد أو خوف طالما أنه يملك اليقينية التامة بصلاحية منهجه، وهنا سنجد للعلمانية مبرر القبول من القاعدة التي تستهدفها في محاولة التغيير والتجديد، لا سيما مع وجود أصوات بحاجة للدعم والإسناد في محاولتها الذاتية في تصحيح الأخطاء التاريخية التي وقعت بها كل الأفكار والمعارف الإنسانية عموما والدين خصوصا، عزل المؤسسة الدينية والأستفراد بالمجتمع لا يمكن ن يساهم أبدا في تصيح المتخلف والمرقل لحركة المجتمع خاصة مع إنثطاع تام بين المحرك الأصلاحي والحاضنة التي تقبل وتتقبل الإصلاح، الإنسان هو ذات الإنسان في نظرة الدين والعلمانية الفرق أن العنصر الأول يحاول جاهدا أن يبقى الجميع تحت خيمة الوحدة الفكرية بتحريم أو الخشية من التمرد تحت شعار التجديد، بينما العلمانية تمنحه مفاتيح الخروج والتمرد كردة فعل وليس كأساس فعلي يحقق له وجوده الشخصي الكامل.







اخر الافلام

.. من هو جمال خاشقجي .. صديق بن لادن ؟


.. دورات شيعية للميليشيات الطائفية في دير الزور بدعم من الحرس ا


.. حملة المرشحين لرئاسة البرازيل تستهدف الكنائس ومرتاديها




.. العلويون يغزون الفيلق الخامس الذي زعمت روسيا تشكيله..السيطرة


.. القومى لحقوق الإنسان: الإخوان لا تؤمن بمنجزات الحضارة الإنسا