الحوار المتمدن - موبايل



العودة الى بغداد : أسباب ودلالات

صلاح بدرالدين

2018 / 5 / 22
القضية الكردية



مجرد مقارنة بسيطة بين نسبة المشاركة في انتخابات البرلمان الاتحادي التي بلغت في اقليم كردستان بحسب المفوضية العليا للانتخابات فوق 60% وفي عموم العراق بحدود 30% ( وأكد ذلك أيضا السيد نيجيرفان بارزاني بعد لقائه مبعوث الرئيس الأمريكي في اربيل ) تكفي لمعرفة الحماس المنقطع النظير من جانب القوى السياسية الكردستانية للمشاركة مع الشريك العربي العراقي في الحكم والقرار وادارة البلاد من زاخو الى البصرة وبالتالي توجه الجميع من حكومة ( ومعارضة ) نحو العاصمة الاتحادية بغداد بعد انقطاع دام مايقارب العام وتحديدا منذ تحضيرات الاستفتاء على تقرير المصير ولأسباب أخرى عديدة تتعلق بسياسات قوى الطرفين الرئيسيين الكرد والعرب مع تأثيرات دول الجوار وتشجيعها لنزعات الاقصاء والعزل والحصار وتعميق حالة الجفاء بين مكوني العراق الرئيسيين أو بين أربيل وبغداد .
مايتعلق بالجانب الكردستاني يلاحظ الانتقال السريع من القومي الى الوطني فمن التمسك باستفتاء تقرير المصير وبأحقية ومشروعية الاستقلال والبحث عن نوع جديد من العلاقة مع بغداد ( دولة مع دولة ) بعد فشل العلاقات السابقة في ظل ( فيدرالية متقدمة مع دولة ) نشهد تحولا عميقا الآن باتجاه التفاعل مع الواقع الجديد بعد أحداث – سبتمبر وأكتوبر – الماضيين أي التوجه نحو بغداد في ظل ( فدرالية منقوصة الصلاحيات وجغرافية متقلصة المساحة ) وخلافات حزبية داخلية متفاقمة ومرشحة للتصعيد وأوضاع اقتصادية متردية وعلاقات قومية واقليمية ودولية ليست على مايرام وذلك بغية اعادة الأمور الى ماكانت عليه قبل الأحداث والتفاعل أكثر مع الجوانب الوطنية عبر الشراكة الحقة وهو الخيار الأسلم والوحيد رغم كل نقاط الضعف كما أرى أمام القوى الكردستانية وحكومة الاقليم .
ولكن لماذا العودة الى بغداد وكيف ؟
أولا - تحصل الآن استدارة واسعة المدى من جانب القوى الكردستانية مجتمعة وتحول من القومي الى الوطني على الصعيد العملي مترافقا بملامح خطاب سياسي جديد ولو بنبرة خافتة وحذرة في آن واحد وبحسب ماأرى كان يجب أن تسبق هذه الاستدارة – حتى تكون مأمونة الجانب ومستندة على أساس صلب - دراسة معمقة وافية ومراجعة بالعمق لأسباب ونتائج الأزمة السابقة بكل جوانبها وخاصة عملية الاستفتاء ومن ثم استخلاص الدروس ووضع الأولويات وتحديد المهام الآنية والمتوسطة والبعيدة المدى حتى يكون الشعب على اطلاع ويشعر بالاطمئنان بعد كل ماجرى له وماتحمل نفسيا ومعيشيا من جانب آخر فالمسألة أكثر من خطيرة فما يحصل في كردستان العراق الذي يحمل ارث البارزاني الخالد ونهجه لايخص شعب الاقليم فحسب بل له علاقة مباشرة بمآلات الحركة التحررية الكردية في كل مكان باعتبار الاقليم يشكل محط أنظار العالم ومركزا قوميا مؤثرا وتجربة متقدمة لحل القضية الكردية يعقد عليها الآمال لتكون نموذجا يحتذى به في الجوار .
ثانيا – الحركة التحررية الكردية طوال تاريخها وتحديدا منذ مراحل الامبراطورية العثمانية واتفاقية سايكس – بيكو حيث وجد كرد الأجزاء الأربعة أنفسهم في أطر بلدان مستقلة موزعون فيما بينها وأمام معادلة القومي الكردي والوطني ( التركي – الايراني – العراقي – السوري ) ومسألة التوازن الدقيق بين الجانبين وفي ظل تلك الأنظمة الحاكمة المستبدة الظالمة التي اتخذت مواقف شوفينية ضد الكرد وقضيتهم وأمام ضعف الحركة الديموقراطية وانعدام أي تضامن عالمي كانت الحركة الوطنية الكردية في تلك البلدان الأربعة في مواقع وأوضاع لايحسد عليها وكان عليها كمن يسير في حقول ألغام ممنوع التفجير وأي خلل بالتوازن كان مكلفا والكثير من الأحزاب دفعت أثمانا باهظة في أكثر من مشهد ومكان .
ثالثا – يجب أن لايغيب عن أذهان الوطنيين الكرد أن تطورا عميقا حصل في مفهوم القومية والتحرر وحتى مبدأ حق تقرير المصير سينعكس – شئنا أم أبينا – على الحالة الكردية نحو اعادة النظر والانتقال من الخطاب المعمول به منذ القرن التاسع عشر الى مفردات مستحدثة تتناسب مع قرننا الجديد الواحد والعشرين وعصر العولمة والمعلوماتية والتقدم التكنولوجي فلاشك أن مبدأ حق تقرير مصير الشعوب مازال خفاقا ومقدسا وصالحا كمبدأ ولكن قد ويجب أن يطبق بأشكال متطورة مناسبة متطابقة مع خصوصيات كل جزء وبلد بدون خسائر سلميا بعيدا عن العنف مبنية على التفاهم والتوافقات .
رابعا – مع مرور الزمن بمدة تقارب القرن في وجود كل جزء من أجزاء كردستان الأربعة ضمن أطر دول وكيانات وأنظمة بدساتيرها وقوانينها وثقافاتها السائدة كانت النتيجة تراكمات اجتماعية وتفاعلات ثقافية عززت خصوصيات كل جزء على حساب القومي العام مما طرح ذلك موضوعيا أرجحية الوطني على القومي فعلى سبيل المثال يتأثر الكردي العراقي ببغداد ( اقتصاديا ودستوريا واداريا ومصيريا ) أكثر مما يتأثر بكرد مهاباد أو ديار بكر أو عفرين ويرى الكردي السوري أن مصيره مرتبط أكثر بنتائج الثورة السورية والعملية السلمية وطبيعة نظام الحكم ببلاده أكثر من ارتباطه بكرد مهاباد أو أربيل أو أورفة وكل ذلك من تقديمات القرن الجديد التي تمنح الأولوية للخيار الوطني لحل القضية الكردية .
خامسا - عندما يختل التوازن في برامج وسياسات وممارسات قيادات الحركة الكردية تتفاقم الأزمات وتحصل الكوارث ويحصل التراجع الى درجة فقدان مكاسب سابقة تحققت خلال عشرات السنين على حساب الدموع والدماء والسبب في الاختلال كان يعود دائما الى أحد أمرين : اما المغالاة في ( الوطنية ) على حساب المصالح القومية الخاصة بالكرد وظهرت كثيرا في مواقف الشيوعيين الكوسموبولوتيين الكرد وكذلك بعض الشخصيات والتيارات في اطار الحركة الكردية واما التطرف القومي والتمسك الكامل بالخاص القومي على حساب العام الوطني وشاهدنا طوال تاريخ حركتنا مثل هذه التوجهات كما تابعناها منذ ثورة الشيخ عبيد الله النهري في سنوات القرن التاسع عشر حينما أفرزت الوقائع والاجتهادات نهجين متصارعين وهما ( الأوتونومييون ) و ( دعاة الاستقلال ) عن السلطنة العثمانية وبحسب معرفتي واطلاعي فان الزعيم الخالد مصطفى بارزاني تميز بمحاولة التوفيق بين الكردستاني والعراقي وعدم الاخلال بالتوازن خاصة وهو من دشن شعار الديموقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان بترابط عضوي متكامل .
سادسا – ومن احدى تقديمات القرن الجديد بخصوص القضية الكردية عدم تاريخية الحل من طرف واحد ( الطرف الكردي وطرف النظام أيضا ) وخطأ اجراءات الأمر الواقع حتى لو كانت – براقة – بالشكل وعلى سبيل المثال فان كل المسميات والكيانات المعلنة من جانب – ب ي د – في بعض المناطق الكردية تفتقر الى الاعتراف والقبول فهي مرفوضة من النظام والمعارضة وغير مقبولة من غالبية الكرد السوريين لذلك وجودها مثل عدم وجودها وقد حصلت تجربة أخرى وفي سياق مختلف عن الحالة السورية في كردستان العراق فبالرغم من التفاف الغالبية الساحقة من شعب الاقليم حول استفتاء تقرير المصير وراعيه الرئيس مسعود بارزاني الا أن رفض الطرف الآخر ( العراقي ) ومااستتبعه من مواقف اقليمية ودولية سلبية كان سببا مانعا في تحقيق ذلك المشروع القومي الديموقراطي المحق ولو الى حين .
سابعا – كما أرى فان العودة الى بغداد هي الخيار الأسلم والأصح والأكثر واقعية وهي تؤكد على مسألتين : الأولى لايمكن حل القضية الكردية في اطار حق تقرير المصير في أي جزء من طرف واحد بل يتطلب التفاهم والتوافق بين شركاء الوطن وفي الحالة العراقية بين المكونين الرئيسيين العربي والكردي أما الثانية فهي عدم الاكتفاء بالعودة الرسمية بل يجب أن تشمل الشعبية أيضا أي ضرورة دعم وتشجيع منظمات المجتمع المدني وغير الحكومية وخصوصا جمعيات الصداقة الكردية العربية في كردستان العراق للقيام بواجباتها وممارسة وظائفها المعطلة منذ أعوام باحياء الندوات الحوارية بين نخب الشعبين والمكونات الأخرى لمزيد من التعارف وتعريف الآخر بالقضايا المشتركة خصوصا أن شعب كردستان غني بثقافة التسامح والعيش المشترك وهو ضمن مجتمع متعدد الأقوام والديانات والمذاهب .








اخر الافلام

.. مبعوثة الأمم المتحدة: قصف الأطفال في اليمن -تراجيديا- لا يمك


.. مالطا تفتح موانئها لسفينة -أكواريوس- بعد الاتفاق على توزيع ا


.. نظام أسد يعلن الاستعداد لفتح معبر نصيب والأمم المتحدة تحذر م




.. الأمم المتحدة : زعماء القاعدة في إيران أكثر نفوذا


.. الأمم المتحدة :ميليشيا ليبية شردت الفي شخص من ملاجئهم