الحوار المتمدن - موبايل



المقاطعون انتصروا على أنفسهم!!

عبدالخالق حسين

2018 / 5 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


منذ اليوم الأول من سقوط نظام البعث الفاشي وأصنام صدام، دعى البعثيون وأنصارهم في الداخل والخارج، إلى محاربة العراق الجديد بكل ما في حوزتهم من إرهاب، وإعلام مضلل لمنع الجماهير من المشاركة في العملية السياسية، وبالتالي لإجهاض الديمقراطية الوليدة. وكانت نشاطاتهم تتصاعد خاصة في أيام الانتخابات التي هي الآلية الشرعية الحضارية السلمية الوحيدة لدى الشعب لاختيار حكوماته المحلية والمركزية.

لا نستغرب إذا طالب البعثيون وحلفاؤهم بمقاطعة الانتخابات والتهديد بقتل الناخبين، لأنهم فقدوا فردوسهم ومصالحهم وامتيازاتهم التي أدمنوا عليها، ولكننا نستغرب من أولئك الذين يدعون الوطنية وعانوا كثيراً من الدكتاتورية البعثية، أن يشاركوا أعداءهم في حملة المقاطعة. فالتفسير الوحيد لهذه الظاهرة المرَضية هو أنهم ضحية التضليل، فاستخدموا كل ما في إمكانياتهم الكتابية للمشاركة مع أعدائهم لتضليل الجماهير ودعوتها إلى مقاطعة الانتخابات، وعذرهم الفساد. شاء هؤلاء أم أبوا، فهم وقفوا مع أعداء العراق الجديد من البعثيين والدواعش في خندق واحد، ويسيرون معهم نحو الهاوية وهم نيام.

إذا كان عذركم الفساد، فالفساد أيها السادة لا يمكن محاربته بمقاطعة الانتخابات، بل بالمشاركة الفعالة والمكثفة فيها لاختيار المرشحين النزيهين الشرفاء والتخلص من الفاسدين. أما التحجج بان نفس الوجوه والشخصيات والكيانات السياسية ستفوز، فهذه الحجة باطلة، لأنه حتى ولو جاءت نفس الوجوه والكيانات، فهذه هي الديمقراطية التي تحتم علينا احترام نتائجها حتى ولو كانت ضد اختياراتنا. لذلك فإن رفضكم لنتائج الاقتراع دليل على رفضكم للديمقراطية، وعدم احترامكم للجماهير التي تتحدثون باسمها وهي منكم براء. (راجع مقالنا: لماذا يجب أن نقبل نتائج الانتخابات وإن بدت مخيبة لآمالنا-1).

لقد أفادت الأرقام التي أعلنتها مفوضية الانتخابات عن انتخابات 2018، أن تنافس فيها 320 حزباً سياسياً وائتلافاً وقائمةً انتخابية، موزعة على النحو التالي: 88 قائمة انتخابية و205 كيانات سياسية و27 تحالفاً انتخابياً، وذلك من خلال 7 آلاف و367 مرشحاً، وهذا العدد أقل من عدد مرشحي انتخابات العام 2014 الذين تجاوز عددهم 9 آلاف.... وأفادت أيضاً، أن "عدد الذين يحق لهم التصويت بلغ 24 مليوناً و353 ناخباً"، و"المجموع الكلي للناخبين الذين صوتوا بلغ 10 ملايين و840 الفاً و989 ناخباً"، وبذلك تشكل النسبة لحد هذه الساعة نسبة المشاركين في الاقتراع الكلي 44.52 من عدد الناخبين".(2)

والسؤال هنا، أليس من بين 7367 مرشحاً أي نزيه وشريف يستحق أصواتنا؟
فإذا قلتم كلا، فهذه إهانة للشعب العراقي واتهامه بأنه لا ينجب إلا الفاسدين والإرهابيين، وبالتالي فالشعب كله فاسد.. وهذا تجاوز على الشعب و لا يقبله العقل السليم. فالدراسات الأكاديمية لاستطلاعات رأي الشعوب في الدول الديمقراطية العريقة المتحضرة، تأخذ عيِّنات من المجتمع نادراً ما تتجاوز الألف، وعلى ضوء هذه العينة يعرفون رأي الشعب وموقف من قضية ما، وأي حزب سيفوز في الانتخابات، ويضعون احتمالات الخطأ في حدود (5%)، وهذا مقبول. وتفسيرهم لذلك أنك يمكن أن تعرف طعم برميل من الماء بتذوق قطرة منه، ولا تحتاج أن تشرب البرميل كله!!
فإذا كانت شركات استطلاع الرأي في العالم، وهي تعتمد على أكاديميين بارزين في معرفة رأي الشعوب على عينة بحدود الألف شخص، فلماذا لا نعتمد على رأي (10 ملايين و840 الفاً و989 ناخباً من الشعب العراقي)؟
وما هو دليلكم على أن موقف المقاطعين يختلف عن موقف المشاركين؟ وهل المقاطعون جميعهم من حزب واحد وقائمة واحدة أو مكوَّن واحد؟ كلا وألف كلا، فكما اختلف المشاركون في مواقفهم من المرشحين، كذلك المقاطعون. وعليه فأنتم على خطأ كبير وقدمتم خدمة بالمجان لأعدائكم.

والأدهى والأنكى، أن راح أنصار مقاطعة الانتخابات يتباهون بهبوط نسبة المشاركين في التصويت (45%)، ويشمتون، وفرحوا فرح الأطفال السذج، وادعوا الانتصار، ولكنه في الحقيقة هو انتصار على أنفسهم. وهذا يذكرني بطريفة ذات مغزى ذكرها عميد الأدب العربي طه حسين، في سيرته الذاتية (الأيام)، مفادها أنه عندما كان طالباً في جامعة القاهرة، قام الطلبة مرة بالإضراب عن الدوام لسبب ما. ولما جاء أستاذ اللغة اللاتينية، وهو إيطالي، ليلقي المحاضرة، فوجد الطلبة خارج القاعة، وطلب منهم الدخول ليلقي الدرس، فرفض الطلبة وأخبروه أنهم مضربون. وهنا قال لهم الأستاذ: ولكن أنتم الذين ستخسرون، فقالوا ليكن!! وهنا ضحك الأستاذ وقال: أنتم تتصرفون كذلك الإيطالي الذي تشاجر مع زوجته وأراد أن يعاقبها، فأخصى نفسه!!! ويعلق طه حسين أنه كره الإضراب ولم يشارك فيه منذ تلك الساعة.

أيها المقاطعون أنت انتصرتم على أنفسكم باخصائكم لأنفسكم، وذلك بالتخلي عن حقكم في التصويت الذي وفره لكم النظام الديمقراطي. أما الانتخابات فقد سارت على قدم وساق، وبنجاح رغم مقاطعتكم لها، فالشرعية الدستورية للانتخابات مضمون حتى ولو شارك فيه أقل من 10% من الذين يحق لهم التصويت. إذ كما علقّ أحد الأصدقاء: (... ماذا يريد الذين يتحدثون بالنسبة المتدنية؟ إلغاء الانتخابات؟ طيب، ألغيت، ثم أعيدت، وشارك عدد أقل، فماذا نصنع؟ الانتخابات جرت وهي شرعية و نصر للديمقراطية، ويجب سد الطريق أمام أعداء العراق- بعد- 2003 وفي مقدمتهم البعث والسعودية، فهؤلاء كانوا ما بين انتخابات فاز فيها بطل التحرير القومي بنسبة 100% تماماً ولا صوت واحد ضده، وبين بلد ربما لا يعرف الكثيرون فيه معنى مصطلح انتخابات.)

إن الدعوة لإلغاء الانتخابات يعني إعطاء الذريعة لأعداء الديمقراطية بعدم شرعية الحكومة، والعمل على إغراق البلاد في فوضى عارمة لإعطاء الذريعة لفلول البعث، والعودة إلى عهد الانقلابات العسكرية، والبيان الأول، ونشيد (ألله أكبر فوق كيد المعتدي)، وإعادة الدكتاتورية البعثية بنسختها الوهابية الداعشية المتوحشة.
فبعد كل الكوارث التي جلبها الاستبداد البعثي وغير البعثي لن يسمح لكم الشعب بذلك.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
الموقع الشخصي للكاتب على الحوار المتمدن:
http://www.ahewar.org/m.asp?i=26
ــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د.عبدالخالق حسين: لماذا يجب أن نقبل نتائج الانتخابات وإن بدت مخيبة لآمالنا؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=599180

2- بالأرقام .. المفوضية تعلن نسب المشاركين بالانتخابات
http://www.akhbaar.org/home/2018/5/244066.html







اخر الافلام

.. تعبئة أقل في التحرك الخامس لمحتجي حركة -السترات الصفراء-


.. هل ستخرج حركة -السترات الصفراء- في يوم احتجاجي سادس؟


.. اشتباكات في الحديدة غداة دخول وقف إطلاق النار في اليمن حيز ا




.. محاور مع خالد رُمّو: -الروحانيات- في مواجهة -التشدد-


.. إصابة عشرات الفلسطينيين بمواجهات الضفة