الحوار المتمدن - موبايل



أرضُ كنعان، العالم ما بعد الحديث

سامي عبد العال

2018 / 5 / 26
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لا تحضُر صورة العالم وأحداثه في القضايا الإقليمية بشكلٍّ هامشيٍّ، لكنها تؤدي دوراً أساسياً وبخاصة دلالتها ما بعد الحديثة هذه المرة. تلك القائمة على تعرية المراكز وفضحها ونقد السرديات اللاهوتية السياسية ونسج خيوط الواقع الافتراضي وصناعة الخيال التقني بالنسبة لعلاقة المجتمعات ببعضها البعض. وهي تعلن تدهور الهويات وتراجعها كمراسم طقوسية كم رفعتها قبائل بدائية لا مفر من وجودها المتحول في عصر الديجيتال والهيئات الدولية اللاهثة بحقوق الإنسان ورعاية الآخر.

هناك قوى دولية ( خفية وأخرى ظاهرة ) تحرص على التدخل في الصراعات باحثة عن مآربها النوعية. لأنَّ العالم فضاء مفتوح للتشكيل والتحارب حول مقدراته وفقاً للمصالح وبحسب جنون القوى التي تحتل موقع الإله. ذات مرةٍ قال أحد وزراء خارجية أمريكا إجابةً عن سؤال أين تقف القوة الأمريكية: لا توجد حدود للولايات المتحدة الأمريكية، حيث توجد مصالح توجد أمريكا، معقباً بأنَّ حدودها الفعلية هي يوم قيام يسوع المسيح، نهاية العالم ".

هذا الأبوكاليبس السياسي apocalypse political هو وضع نبوئي بنهاية التاريخ والحضارة كما روج لها فرانسيس فوكوياما في كتابة ( نهاية التاريخ والإنسان الأخير the end of history and last man ) وصمويل هنتنجيتون في كتابة ( صدام الحضارات the clash of civilizations )، وليس قليلاً - بناء على ذلك - أن تتدخل أمريكا وتضع أنفها في أي شأن إقليمياً كان أم دولياً. لكن الأكثر دلالة هو تشكيل صورة العالم وفقاً للأخرويات السياسية على الأرض، هي تزعم التعجيل بقدوم الرب وإغراق مناطق العالم ببرك من الوحل والدماء.

ذلك يرتبط بتاريخية الأرض المقدسة، أرض كنعان التي شهدت هجرة العبرانيين إليها وشهدت الوعود كأنها وعود لمستقبل العالم الآن، ها هو يتشكل ويتداعى. الكنعانيون والعبرانيون مازالوا يسيرون على الرمال ذاتها ويجلسون إلى بعضهم ويتصارعون في حضرة الوحوش الكونية وأساطير العولمة والرأسمالية ولاهوت الحروب الإلكترونية والأحلاف القارية.

وبالتالي فالقضايا الإقليمية مثل القضية الفلسطينية -الإسرائيلية جزءٌ من رسم الصورة وحفرياتها، وهي تُرسم بقدرة القوى العظمى على ممارسة العنف كما رأيناه بالعراق ثم الربيع العربي إزاء ليبيا وسوريا ومصر وتونس. بدت الصراعات مجرد تمارين قابلة للتلوين حتى تجد أمريكا والدائرون بدوائرها مبرراً للتدخل. تمارين تستحضر العالم القديم المحيط بكنعان وسكانها( المستقبل الماضي ).

وأقرب مصطلح لذلك الوضع هو " الصراع السائل"، على طريقة عناوين عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان Zygmunt Bauman مثل: " الحياة السائلة " و" الخوف السائل " و" الحب السائل ". والصراع السائل نوع من التكيف العولمي للأحداث الدموية وإدماجها في صور العالم وتحولاته، إنَّه يأخذ طابع الإنتاج والتداول والتسليع والفرز والتسويق والمناقشات اللامجدية والقرارات التي تشجب سواها دون توقف.

إن إسرائيل بكيانها اليهودي هي الكبت الغربي ( الأوروبي – الأمريكي ) في موقعها الشرق الأوسطي الذي كانت أوروبا تتمنى زحزحته من وقت بعيدٍ. إنها عمل لاواع بامتياز تاريخي بموجب المسألة اليهودية في الحضارة الغربية الحديثة وما بعد الحديثة. وأوروبا بالتحديد كلما رأت إسرائيل هنا أو هناك تمكنت مشاعر الذنب منها كلَّ حين. رأتها الكائن المشوه بفعل فاعل وهو ليس أكثر من أوروبا نفسها. وبالتالي لا تستطيع أن تقترب منها بسوء، بل ستلقى منها كل رعاية وتدليل. إسرائيل هي الخطيئة المتجسدة على أرض غير أوروبية لكنها هبة أوروبية ووعد ما كان ليتم سوى بوجود غفران تعويضي بلون ما. إنها تجسيد للدين السياسي في شكله الجغرافي المتوحش، والمعذب بشكل متبادل مع شريكه( الفلسطينيين ) على أرض زلقة.

إسرائيل هي القيامة المنتظرة من وراء تحولات البشرية والحروب الناجمة عن الصراع والمؤامرات، من يستطيع أن يغفر إسرائيل كذنب يمتد في جميع قارات العالم؟ من يمكن أن ينصب الجنة والنار لإله هو المسئول عن عذابات شعوب بما فيها الشعبين ( الفلسطيني والإسرائيلي )؟ هل هناك قيامة عذراء لا تلوث الجانبين وتعطي لكل منهما حقوقهما وتبت في القضايا العالقة تاريخيا بين الديانات الإبراهيمية الثلاث؟ هل هناك إله أرضي يقف ضد مصالحة الخاصة من أجل الإنسانية؟

لعل عودة الدين من تلك الزاوية يتداخل مع المفاهيم ما بعد الحداثية مثل نهاية الحقيقة وموت الإله، وهما لا ينتهيان اعتباطاً، لأن رفاتهما لابد أن تتقمص هياكل دول وترسم خرائط الصراع وتحقن العقول بفراغ عدمي يقتات على مجتمعات بأكملها، يأكل لحمها وعظمها. إنَّ الموت بهذا الإطار ليس عملية سلبية (مع وجود الرأسمالية ومافيا الحروب واقتصاديات الإرهاب) لكنه هيمنة على الحياة، الطبيعة، الثروات.

هناك من يتصور أنَّ القضية الفلسطينية ستُحل بجلوس الطرفين( الفلسطيني / الإسرائيلي) إلى طاولة المفاوضات والخروج بنتائج قلت أو كثرت، قُبلت أو رفضت. وهو تصور ليس خطأً، لكنه غير صحيح. والفارق كبير في ضوء ما سبق بين "ليس خطأ " و" غير صحيح ". الأول قد يكون كفيلاً بتغيير أوجه معينة للقضية حتى يقبلها الطرفان أو أنْ يتم الوقوف عند نقطة وسط تحظى بالموافقة المبدئية. أي يتم تعديل وتقريب وجهات النظر وتقديم المبررات والخطط المقترحة.

أما غير الصحيح فالتصور وضع منطقي غير دقيق للقضية ابتداءً كما عرضنا ملابساتها الأوسع، أي أنها غارقة في الغموض ومحاطة باضمحلال الوعي. وبالتالي فإن أكثر ما يضر القضية الفلسطينية عدم فهم أبعادها وكيف التفت حتى غدت معقدة ومركبة وخادعة، ولا يريد أي طرف تنازلاً عما يراه حقوقاً وليست مواقف فقط.

بالتالي أضحى تعقدها وسوء الفهم جزءاً لا يتجزأ من تكوينها، وربما هو العامل الأهم في حلها. حتى أن المشاركين في عمليات السلام المفترضة( داخلياً ) والقائمين على رعاية المفاوضات ( خارجياً ) والمؤثرين على الأطراف والضامنين للتنفيذ( القوى العظمى ) يتجاهلون الوعي بحجم المشكلة وأبعادها وكيف يمكننا تحليليها. بل هم يراهنون على إبقاء القضية الفلسطينية كما هي بلا حل ولا انفجار وبلا تفتت أيضاً. هي تخمد وتقل حدة نبرتها هنا أو هناك بفضل تحولات بين كر وفر، لكنها تظل ملتهبة تحت الرماد.

طبعاً العرب عاجزون عن فهم المسألة لأن ذهنياتهم بدائية متصحرة، وهم يعيشون خارج العصر ما بعد الحداثي ولا يكفي أنْ تستهلك منتجاته وألعابه وتساليه حتى تعرف ما هو!! ولذلك يستنفد الغرب الدول العربية في مفاوضات منبثقة عن مفاوضات، ولجان تتولد عن لجان وحروب تمضغ حروباً وعلاقات ترمم علاقات ووجوه تثقب وجوهاً وأقنعة وراء أقنعة ثم هم( أي العرب ) الذين يمسحون الطاولات ويدفعون الفاتورة من دمائهم وأموالهم وسيادتهم وكيانهم. وعلى أرض كنعان أن تستقبل العبرانيين بلا مقاومة، أن تسلم نفسها إليهم، فالوعد القريب لترامب هو الوعد البعيد للرب... وتباعاً من سيعد ومن سيوفي بوعوده مستقبلاً ؟!

وضعَ العربُ أحد أشكال التواطؤ المقلوب( أو المستوي ): أنْ تلعب دور الفاعل بطريقة الضحية وإيقاعها باستمرار. لذلك فإن كل اجتماعات القمم العربية ومجالس جامعتهم هي مجرد شريحة مصغرة ضمن الصورة المرسومة. ولا يجرؤ أحدهم على أن يعلو بصوته فوق أصوات القطيع وعليه ليلاً ونهاراً أن يتحسس رقبته وأن يدفع سلفاً كل القائمة المقررة. وهو يعرف ( كصدام والقذافي ومبارك وبشار وعبدالله صالح) أنه الذبيح القادم على مذبح الأبوكاليبس السياسي.

ليست القضية الفلسطينية هي شغل العرب الشاغل حتى لا يتوهم الفلسطينيون أنهم بأحضان العرب، بل إن العرب مهمون بمقدار بقاء القضية السابقة بلا حل. لو حلت فلن يكون للعرب أدنى أهمية ويمكن أن يُنحروا كالخراف على قارعة التاريخ فوراً. ولا يحتاجون أكثر من ظرف أبوكاليبسي طارئ يترك غسقاً في المنطقة بأكملها. وقد يجهز الظرف بحيث ينفجر في وجوههم ثم تقيد الجريمة ضد مجهول. من هنا أيقن العرب أن عدم حلحلة قضية فلسطين مرتبطة بمصيرهم الذي يجملونه ذهاباً وإياباً كصخرة سيزيف، كأرض كنعان. عليهم القيام بأدوارهم دون تململ ولا شكوى ولا تألم.

لكن لا يظهر ذلك بسهولة، دوماً الوضع يحتاج تفكيراً فلسفياً ومعرفياً لكشف جوانبه المتناقضة في ظاهرها والمرتبطة عضوياً بمشكلة العالم ما بعد الحديث وهيمنة رأسمالية الأزمات إذ تنجز أهدافها بالموقع الذي توجد فيه وتتقيح وتخرج روائحها المطلوبة. لأن مشكلة فلسطين في حد ذاتها هي المقصودة، أي تواطؤ الأضداد وتقلباتها في طرق ومسارات متعرجة لا تنتهي. ويظل التفاوض والخطابات واللقاءات حامية الوطيس دون انفكاك من تراث كنعان... ثم لا شيء بعد ذلك.







اخر الافلام

.. 31 قتيلا في هجمات تحمل بصمات بوكو حرام شمال نيجيريا


.. قالوا| عن حزب النور السلفي وعن علاج أمراض المجتمعات


.. خارج النص-الحركة الإسلامية.. ثغرات في الطريق




.. اعتقال سائق بن لادن خلال مداهمة بؤر الإرهابيين في درنة


.. الشروق| «قصر الاتحادية» في عداد الآثار الإسلامية والقبطية