الحوار المتمدن - موبايل



الصورة عند سارتر

سعود سالم

2018 / 5 / 27
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


خلال عملية الإدراك يكون الموضوع ماثلاً أمامي، أما في لحظة التخيّل فإن الموضوع يكون إما غائبًا وإما لا وجود له إطلاقا. فلكي أتخيّل موضوع ما، علَيّ أن أعتبره غير موجود، أي عدمًا. إن تخيّلي لشخص أو لموضوع ما لا يتم عبر اللمس أو الرؤية أو الحواس، وإنما هو وعي خاص يلجأ أساسًا إلى وضع وإفتراض غياب الشخص وإلى فقدان كل مسافة مكانية أو زمانية بيني وبينه، ومهما كانت قدرتي على التخيّل قوية، فإن التخيّل يتعاطى دائمًا مع الأشياء والموضوعات من حيث عدميتها ومن حيث كونها لا تخضع لقوانين الزمان والمكان، فلها زمان ومكان لا حقيقيان، ولذلك فإن العالم المتخيل وعالم الصور هو عالم مغلق على نفسه وليس هناك إمكانية التواصل، وليس هناك ممرات أو جسور بين عالم شهرزاد وعالم دون كيشوت مثلا أو عالم ماكبث.
لذلك فإن الصورة المتخيّلة عند سارتر ليست من طبيعة الإدراك الحسي ولا الوعي المتعلق بالأفكار والتصورات. ففي حال الإدراك يمكن التعمق في معرفة أدق تفاصيل الموضوع، والدوران حوله في المكان واستكشاف ملمسه وحرارته ورائحته وتطوير معرفتنا بالموضوع إلى ما لا نهاية، بينما في حال الصورة، فإنها تعطى دفعة واحدة، ولا يمكن إغناؤها بأية تفاصيل جديدة، فهي تتمتع حسب سارتر بميزة الافتقار إلى التفاصيل، إنها كل متجانس ينبثق دفعة واحدة وبدون أية مميزات حسية مباشرة من أي نوع. فعلى سبيل المثال حين أتخيّل صديقي فأنا لا أستدعي صورته من مخزن الصور أو من ألبوم يسكن الذهن أو الذاكرة، بل أستهدفه كموضوع حقيقي، كصديقي الذي أعرفه وأعرف تفاصيل تقاسيم وجهه وحركة يديه وكيف يضحك وطريقته في إشعال سيجارته إلخ، ولكنني أستهدفه كغائب عن هذا المكان، وخارج الزمان والمكان، وغيابه ضروري لإمكانية التخيل وتكوين الصورة. وهو أمر يختلف عن عملية التذكر والتي هي إعادة حياة موقف حقيقي معين. ولكن إذا كان التخيل يقتصر عن غياب الموضوع أو عدم وجوده، ألا يعني هذا الأمر أن التخيّل والمعرفة - المعرفة من حيث هي تكوين للفكر، وليس المعرفة بالمفهوم السارتري connaissance - والتي تتعلق بالإدراك، قد يكونان شيئًا واحدًا في نهاية الأمر؟ بطبيعة الحال سارتر يؤكدعدم وجود تطابق أو تماثل بين التخيّل والمعرفة، وأن فعل التخيل ليس هو نفسه فعل الإدراك ولا فعل التفكير وأنهما ينتميان إلى مجالين أو نوعين مختلفين من الوعي. فالمعرفة تستهدف موضوعًا لا تنطبق عليه مفاهيم الحضور والغياب، تستهدف الأفكار المجردة والمفاهيم والتصورات العامة، بينما التخيّل يفترض وجود مادة، أي هيولى يستطيع الوعي المتخيّل من خلالها استهداف موضوع ما. فالإنسان المولع حبا بشخص آخر، لا يتخيّل محبوبه أو محبوبته من خلال معرفة مجردة، بل يفكر فيه أو فيها من خلال مماثل مادي analogon يمكن أن يكون صورة فوتوغرافية أو حركة أو هدية أو ذكرى أو رائحة أو أي شيء آخر. وما تجدر الإشارة إليه هو أن هذا المماثل عند سارتر ليس موضوعًا واقعيًا، لأن التخيّل لا يحصل بالفعل إلا بعد غياب المماثل ووضع الكينونة بأسرها بين قوسين وتعليق الحكم بالوجود أو عدم الوجود، أي حين يفقد المماثل حضوره المادي ويتحول إلى صورة، أي حين يحدث تحول في الوعي وتحدث معجزة الإنتقال من الإدراك إلى الخيال. وهكذا فإن مفهوم الخيال والصورة يساعد على إزاحة اللثام عن حقيقة الإنسان وطبيعة حضوره في العالم وتفاعله مع العالم ومع ذاته. وقد خلص الفكر الفلسفي من الأوهام السيكولوجية ومما يسميه بوهم التأصل أو الحضورية illusion d immanence والذي يرجع ويقلص الصورة إلى مجرد "شيء" يسكن الوعي ويجرده من شفافيته المطلقة. ذلك أن الإدراك والتصور والتخيل تنتمي كلها إلى الوعي ولا فرق بينها لا في الدرجة ولا في النوع، وإنما في القصدية. فلو أخذنا لوحة رينيه ماغريت Magritte التي ذكرناها سابقا، حيث يمكن إعتبارها مجرد "شيء" معلق على الجدار يسمى لوحة لغرض الزينة أو لأي غرض آخر، مجرد مستطيل من القماش يحيط به برواز من الخشب ذهبي اللون طوله ٥٩ سنتمتر وعرضه ٦٥ سنتمتر، ويمكن لمس هذه اللوحة وتغيير مكانها وقلبها ورؤية ما يوجد في الجهة الأخرى ومعاينة الخشب وحالته، ورؤية الألوان ورائحة الألوان الزيتية والخطوط وتوقيع الفنان في الأسفل على اليمين .. إلخ، فنحن هنا في عالم الإدراك وعالم الأشياء الحقيقية الملموسة. وأثناء معاينة اللوحة لاحظنا وجود جملة مكتوبة بالفرنسية بخط يدوي جميل Ceci n est pas une pipe، وإذا كان المشاهد يعرف هذه اللغة، فإنه سيحدث تحول في رؤيته للوحة وسيركز على دلالة هذه الجملة المكتوبة تحت هذا الشكل المرسوم باللون البني الغامق، وسيفهم بان هذا الشكل ليس غليونا، وإنما صورة للغليون. وإذا كان المشاهد يمتلك القليل من الصبر والفضول فإنه ستيأمل الغليون-الصورة، وهنا تختفي العبارة المكتوبة وتصبح مجموعة من الخطوط السوداء المتناسقة، وتختفي اللوحة الحقيقية المكونة من القماش والإطار الخشبي، ويظهر الغليون بكل تفاصيله دفعة واحدة، ولكنه غليون لا يوجد حقيقة أنه يوجد كصورة فقط ولايمكن ملء تجويفه أو حشوه بالتبغ ولا يمكن لمسه أو معرفة المادة المصنوع منها ولا رائحة التبغ المستعمل. وهكذا يمكن لهذه اللوحة أن تكون حاضرة للوعي كإدراك، أي كشيء جميل للزينة حيث ألوانها تناسب ألوان الصالون وبقية الأتاث، ثم كخيال وكصورة للغليون، وأخيرا كفكرة أراد الفنان أن يوصلها للمشاهد، وهي أن صورة الشيء ليست هي الشيء نفسه، معبرا عنها لغويا بعبارة هذا ليس غليونا. ذلك أن ماغريت هو من الفنانين الذين يريدون دائما كما صرح في مناسبات عديدة، أن يخدم الفن شيء آخر غير الفن نفسه. وفي هذه الحالة يمكن أن يخدم الخيال مهمة التفكير والتوعية، ويساهم الخيال في عملية الخلق والإبداع الفني، حيث يرتبط الجمال عموما بوظيفة الصورة والتخيل، ذلك أن التأمل الفني يتطلب الإبتعاد والهروب من العالم الواقعي المادي الثقيل ووضعه بين قوسين مؤقتا، ليعانق عالم الجمال الخيالي المميز والذي يمكن إعتباره عالما جديدا يخلقه الفنان بكل تفاصيله. ذلك أن "الجمال - Le beau" صفة لا تنطبق على  الأشياء الواقعية السائدة في شيئيتها المادية، فالحجر أو الشجرة أو الكرسي أو منظر البحر والسماء وغروب الشمس إلخ هذه الأشياء المدركة والطبيعية التي تحيط بنا، ليست لا جميلة ولا قبيحة، إنها كائنة فقط ولا غير ذلك. لذلك يقول سارتر في نهاية كتابه عن الخيال " أن الواقع ليس جميلا البتة، فالجمال قيمة لا يمكن أن تنطبق أبدا إلا على الخيالي l imaginaire وتستوجب نفي أو تعديم العالم néantisation في بنيته الأساسية" وذلك بواسطة تطبيق "الإبوكي" او تعليق الحكم ἐποχή epokhē. فالصورة إذا هي "فعل" وعي قصدي conscience intentionnel، وليست حالة من حالات الوعي وليست إحساسا، ولا إحساسا متجددا كما يعتقد العديد من السيكولوجيين، كما أنها ليست خاصية من خصائص مادة أو جوهر مفكر، إنها كوعي قصدي يستهدف اللاحقيقي واللاواقعي، الخيال يقتضي ضمنيا موقفا عاما يكشف كينونة الإنسان ذاته، وقدرته على الوعي الحر واللاجوهري واللامادي والمطلق الشفافية، قادر على الإفلات والهروب من الواقع ونفيه ليعي اللاواقع وما هو غير حقيقي، ليتمكن الوعي البشري من القدرة على التعالي على العالم وعلى الواقع كما هو معطى وتمنحه الحرية والتجاوز. وهذا هو الشرط الوحيد لكي يعي الإنسان بأنه لا يتمتع فقط بالكينونة كالحجر أو الشجرة أو الكرسي ولكنه أيضا الكائن الوحيد الذي يتمتع بالوجود.







اخر الافلام

.. إيغوري لاجئ: نساؤنا يغتصبون في المعسكرات القسرية


.. الجبير: لن نسلم مواطنينا إلى تركيا


.. القمة الخليجية.. التصدي لعدائية إيران وخطر الإرهاب




.. السترات الصفراء.. خيارات باريس والكلفة الباهظة


.. اليمن.. حوار السلم وقناصة الميليشيات