الحوار المتمدن - موبايل



سرب الإوز المحلق فى السماء

حمدى عبد العزيز

2018 / 5 / 28
سيرة ذاتية


سرب الأوز الذي كان يرتفع صوته صياحاً قوياً متميزاً يعلو على أصوات الديكة والدجاجات وذلك البط المتنوع مابين السوداني والبكيني والبلدي والمجنس ذو الصوت المبحوح في الساعات الأولى من صباحات تلك الأيام ، والتي كانت تبدأ عقب أن تنتهي جدتي القروية من وضع وجبة الإفطار لهم ، وقبل أن توقظ كل من في الدار التي كانت أغلب قاعاتها مشيدة بالطين الممزوج بالتبن ..

والبيوت المشيدة بهذه الخلطة من المواد الأولية البسيطة كانت تشيع الدفء في المكان إذا ماكان الجو سقيعاً وترطب المكان إذا ماكان صهد الحر صيفاً ؛

جدي كان قد شيد لجدتي قاعة للخبيز وقاعة لخزين الدار من الدقيق والأرز والبصل والثوم وجرار المش التي كانت تحوي خلاف الجبن المملح قرون من الترمس الأخضر والبشائر المبكرة للقتة والخيار التي تقطف قبل النضج وبعض حبات من الطماطم الخضراء أو أعواد اللفت لكنها لم تكن تخلو من قرون الشطة القانية الإحمرار التي كنت أكرهها في ذلك الحين ، لكنني أحب جداً أن تخرج لي جدتي أعواد الترمس الخضراء مع المش وقطع الجبن القديم وكنت أعتبر ذلك مع رغيف البتاو هدية كبرى أستعد مبتهجاً لإلتهامها بطفاسة لا أنكرها

ضمن ما شيد جدي لجدتي من قاعات بتلك الخلطة الطينية قاعة واسعة لتربية الطيور فلم يكن بيتاً في القرية يخلو من قاعة للطيور حتى وإن خلا من غرفات نوم إضافية للأبناء
كانت القاعة في نصفها العلوي تحوي اقفاصاً للحمام القطاوي الذي لايطير بعيداً عن المكان وكان الجدار في نصفه السفلي يحوي تجويفات تشبه الكهوف الصغيرة للأرانب ثم تتكدس القاعة بأعشاش الدجاج وأخنان للبط والأوز بينما تتناثر هنا وهناك في تلك القاعة الجهنمية أقفاص يسمونها ( سباتيات) لمبيت الدجاج وحيث تبيض وثانية وثالثة لأفراخها من الكتاكيت وأخرى وغيرها لأفراخ البط والأوز

كانت هذه القاعة عالم عجيب من الطيور البرية التي كان يعمر بها الريف في ذلك الوقت
وكنت أصحو مبكراً على صوت تلك الجلبة التي تحدثها أصوات طيور جدتي بعد الفجر بقليل ..

الآن عندما أتذكرها وأنا ابن التمدن الحضري المولع بموسيقي تشايكوفيسكي وكورساكوف ، ورحمانينوف ، وشتراوس ، وكارل أولف ، وشوبان وخانشادوريان وأندريا رايدار ، وعلي إسماعيل ، وفؤاد الظاهري ، وراجح داود وغيرهم .. تبدو لي هذه الجلبة كعازفي الأوركسترا الذين قرروا في لحظة إستثنائية ممارسة حالة من العزف العشوائي المتداخل في غياب المايسترو

للغرابة لم أكن أنا الصبي حمدي أصحوا منزعجاً بهذا
على العكس كانت تشتعل في جسدي حالة من النشاط الممتزج بالحبور
لإقفز من سريري وقبل أن أقوم بأعمال النظافة الصباحية أو أن أغتسل اقفز مباشرة ً لحضور طقس خروج أسراب البط والأوز الصباحي إلى الترعة المقابلة لبيت جدي
لاشئ كان يعوضني عن مشاهدة حالة الطيور وهي تنطلق من محبسها إلى الفضاء الوسيع بعد تناولهم لوجبة الفطور التي تعدها لهم جدتي من الردة المبللة بالماء وأعواد البرسيم الخضراء إذا كان الأوان هو أوان البرسيم

يالها من لحظة لامانع لدى أن يتوقف العمر عندها
أسراب الأوز المتنوع الألوان مابين الأبيض الشاهق ومابين الأبيض المختلط بالرمادي ومابين الرمادي الخالص باستثناء شريط الرقبة الأبيض أو الأبيض الخالص باستثناء شريط الرقبة الرمادي أو ربما الأجنحة

هي اللحظة التي أريد لهذا الطفل ثم الصبي الصغير الذي هو أنا أن أقف عندها عمراً آخر
إنها لحظة اشتعال فرحة الأوز وتأججها ليشرع سرب كامل من الأوز أجنجته في آن واحد فيطير لبضعة أمتار فوق سطح مياه الترعة الصباحي الرقراق صائحاً
كما لوكان يصرخ مشتعلاً بالفرح
أنا البهجة
أنا البهجة
_____________

حمدي عبد العزيز







اخر الافلام

.. استنفار أمني كبير لتأمين وصول الحجيج وتسهيل أداء مناسك الحج


.. جهود التهدئة بين إسرائيل وقطاع غزة تتحول مجددا إلى مادة للتر


.. عزل قادة عسكريين حديث الساعة في الجزائر




.. عراقيون يدعمون دفع بلادهم تعويضات خيالية لإيران!


.. لقاء الأستاذ جهاد جليل على قناة الرشيد بخصوص دور الشباب في ا