الحوار المتمدن - موبايل



الإنكار والسياسة: نفي النفي إثبات

سامي عبد العال

2018 / 5 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


في السياسة لا يفيد الإنكارُ انعدام موضوعاته ( أحداثه ) ولا عدم وجود حقائق. لكنه دالٌّ على معانٍ أكبر من حجب الرؤية الفعلية إزاء القضايا محل الخلاف بين الدول والمجتمعات، مثل: عدم الاعتراف بالآخر، وتسرُب الثقة بالمواقف والعلاقات والآراء، وتشكيك الرؤى فيما يحصل من تغيُّر، والتمادي بفرض الأمر الواقع، ورسم صورة ذهنية تُزيِّف موضوعها وتشغلُّه عن الأشياء الأهم، ونيل الدعم من قُوى قد تراقب الأوضاع أو لا تراقب، والتغطية على الممارسات التي تنافي ما يبدو صحيحاً أو قانونياً. ثم لا تبتعد عملية الإنكار– كهدف قادم- عن رسم صورة مغايرة لما يجري بين أطراف الصراع.

الواضح من ثمَّ أنَّ الإنكار ليس موقفاً معرفياً بل برجماتياً للخروج من أي مآزقٍ. كلُّ إنكارٍ سياسي ينطوي على مُساءلةٍ من طرفٍ ما وإلاَّ لما بدا بوصفه السابق. فهو يضمر طرفين متنازعين أحدهما ينكر ما يقوله الآخر، وحين يصلان إلى نقطة صراع لا يعترف من ينكر بما حدث، وربما يلقي تبعية الحادث على الطرف المقابل.

هل الإنكار كذب أم حقيقة مختلفة ؟ هل يشمل معاني قابلة لفهم الأوضاع الجارية إزائه؟ هل النتائج المترتبة عليه ملزمة وشرعية؟ هل الحقوق تتعلق بإنكار يعترف بها أو لا يعترف؟ وماذا عن الإنكار حين يكون الموضوع المنكر واضحاً وحقيقياً؟ هل عكس الإنكار هو الاعتراف؟ هل يحتاج الإنكار لضامن يواصل استناداً إليه مسيرته وتأثيره؟

أبرز الأمثلة إنكار إسرائيل الدائم لعمليات العنف والاستيطان والاغتيال تجاه الفلسطينيين وإهدار حقوقهم. وبالعكس أيضاً مثل: إنكار الفلسطينيين لتكوين الدولة الإسرائيلية وطبيعتها وتأثيراتها ووجودها. والإنكار هنا جزء من الصراع، أداة صراع وخطاب تفاوض لا مناص من الاصطدام به.

أي لكي نفهم ما يجري على الأرض لابد من إدراج الإنكار كصيغة دفاعية تتلقف كالثعبان الأقوال والأفعال المقابلة. بطريقةٍ ما ستكون صيغته تصويراً للمشهد على أنَّه لم يكن كما وصل إليه المتابع. لدرجة القول بأنَّ الإنكار ليس مفرداً كأنه رد فعل لمساءلة حول القضايا والأمور الجارية، لكنه أفعال تحتشد ضمن خطاب موجَّه.

ينطوي الإنكار على جملة مستويات منطقية:

1- يتجاهل وجود الطرف المقابل: إسرائيل لا ترى الفلسطينيين فعلاً. إنهم مجرد فرائس أمام عدسات نيرانها وقناصيها الإلكترونيين. الوجود الفلسطيني كيان مهيض الجانب، هو أسلاك شائكة وطرائد تركض وراء بعضها البعض ليلاً ونهاراً. ليس الفلسطينيين أناساً عاديين بل كائنات شيطانية غريبة ومجهولة المعالم. علي إسرائيل أنْ تحدد إقامتهم الجبرية قبل إخضاعهم لعملية إنكار طويلة الأمد. هكذا فإنَّ الطرف الرئيس في أية عملية سياسية تشيطنه إسرائيل وتجعله منتهكاً قبل أية بادرة فعل منه.

وقد حدث العكس أيضاً أنَّ الفلسطينيين شيطنوا الإسرائيليين دون معرفة فعليةٍ حول ماهية الدولة الإسرائيلية وما مصدر قوتها وكيف تخوض حروباً الواحدة تلو الأخرى رغم تأسيسها القريب. مما جعل إسرائيل في الذهنية العربية دولة خرافية وغامضة. وهو ما أثَّر على كيفية التعامل معها والجلوس أمامها على طاولة المفاوضات. هذا جميعه جزء من الإنكار الخادع الذي يزيف المعرفة السياسية والممارسة في الواقع. وقد أعاق حلحلة القضايا الفلسطينية تاريخيا كما سنشير، لأنَّ أصحابها يمتلكون تصوراً غائما حول إسرائيل بسبب اختلاطه بالأفكار الدينية والافتراضية والسردية.

2- تعرية الآخر من الحقائق: حيث يدرك الإنكار الإسرائيلي أنَّ الفلسطينيين ليسوا إلاَّ موضوعاً مادياً. حتى وإن احضروا كطرف رئيس بالمفاوضات حول الحقوق التاريخية لدولتهم، فهو منبوذون، ولا يحق لهم المطالبة بحقوقهم المشروعة. وذلك بفضل إنكار إسرائيل ليس لمجرد حق بل كل حقيقة. ونحن نعرف كون الحقيقة قابلة للتشكيل باعتبارها متوحدة مع السلطة، الحقيقة هي مفاهيم القوة المهيمنة والأكثر سطوة.

إنَّ إسرائيل تمتلك الواقع، الأرض والسماء تحت الفلسطينيين وفوقهم، عن طريق آلتها الحربية الضخمة ووسائل التكنولوجيا. والمرعب أن يتحول الإنكار الإسرائيلي إلى أداة لتشكيل الهوية اليومية للفلسطينيين سياسياً. من هم، وكيف يتحركون، وما علاقاتهم بالعالم الخارجي، وكيف يخرجون، وكيف يدخلون إلى بلدانهم؟

وهنا تتماهى الآلة العسكرية مع الآلة الإعلامية والمخابراتية لترويج خطاب إنكار مؤداه أنَّ الإرهاب فلسطينيُّ المنشأ والممارسة، وأنَّ ما تناله إسرائيل جراء العنف الفلسطيني يجعلها دولةً في خطر. إسرائيل دولة في خطر... هكذا روجَّت ومولَّت ودعمت هذا التصور لدى مجتمعات الغرب.

3- الإنكار قابل للتكرار: إذ يظل المنكِّر للآخر مردِدَّاً ما يقول، هو لا يكف عن تصدير هذا القول أو ذاك. فالآلة الإعلامية الإسرائيلية تروج تكراراً لا يتوقف عما يسببه الفلسطينيون للمواطن الإسرائيلي. والتكرار نوع من أخذ خطوات استباقية تترتب عليها خطوات في الخطاب المطروح. فإذا كان الإنكار مجدياً مرةً، فلم لا يكون مجدياً كل مرة تالية؟! وهذا هو المعنى الذي يحكم العلاقة وبالتالي ستظل الدولة الإسرائيلية تنكر ثم تنكر ثم تنكر، فيكون رد الفعل على المستوى نفسه. أي أن الذي يناقش أو حتى يتعامل مع الإنكار سيأخذه من ذيل صيغته الأخيرة.

ونتيجة الخاصية الاستباقية كررت دول أوروبية ( مثل فرنسا ) أنَّ إسرائيل لديها الحق في الدفاع عن نفسها. والتعليق ليس حيادياً، لأنَّه مبني على رؤية أحادية، والسبب هو الإنكار الاستباقي الذي جعل سياسات بعض الدول تقع في شركه.

4- الإنكار مشبع بالتصديق: فبخلاف ما قد يظن القارئ، ينطوي الإنكار على عكسه، أي معرفة الجوانب الحقيقية من القضايا محل الإنكار وإثباتها. وهو التصديق بشكل معكوس ومناقض. فكلُّ نقيضٍ يدرك الحقيقة جيداً، ربما أكثر من الطرف صاحب المسألة.

ولولا انحياز المتابعين لطرف على حساب طرف، لكان الإنكار داعياً إلى البحث والتقصي ومعرفة الخلفيات التي أدت إلى ذلك. فالواقع هو الأمر الذي يكشف الأفعال سواء أكانت ضد هذا الطرف أو ذاك. لأنَّ الإنكار يعني ضمنياً فكرة الاختلاف الذي يناقش الآراء ووجهات النظر. وإنْ لم يكن التصديق( الحقيقة – قوة المشهد- فعالية الآثار) مطروحاً داخل عملية الإنكار ما كان ليعتبر نفسه طرفاً في معادلة السياسة بأية صيغة من الصيغ.

وهنا الإنكار يعتبر اعترافاً مصدِّقاً لسواه وجارياً بحسب الظروف والشروط السياسية. وهي الشروط والظروف التي ستهدده لاحقاً. فلئن كان يأخذ جولاته من تطويع المشاهد لصالحة كما تفعل إسرائيل، فلأنه لا يعتمد على قوامه الذاتي بل على إمكانيات تلك الظروف.

وهذا ما يجعل المواقف الإسرائيلية على المحك دوما مع عمليات الإدانة الدولية لما ترتكبه من جرائم إزاء المظاهرات الفلسطينية وأعمال المقاومة. فرغم أنها مواقف متبجحة وتنفي ما تراه العيون بواحاً، فإنَّها هشة أثناء المناقشات الدولية ولا تستطيع الاستحواذ على أصوات كافية لتدعيمها.

5- الإنكار يتحول إلى واقعٍ متناقض: فتراكم عمليات الإنكار وخطاباته سيكون تبريراً وراء تبرير، تبريرات تبرر تبريرات. أي أنه سيتحول من موقف إبستيمولوجي يناقش الحقائق والأحداث إلى حجب الأفعال والاعتراف بها في الوقت نفسه. وبلا ريب ما لم يُختبر الإنكار في مراحله الأولى، سيختبر في خطواته التالية. ذلك لأن الواقع عملي وتجربي، بينما سيكون التبرير خطابياً بنبراته البرجماتية الواضحة.

التبرير يعد حالة تابعة لحالة أولى، ولن تكون السلسلة هكذا متواصلة إلى مالا نهاية. فهناك خاصية ما إذا كان التبرير كافيا أم لا.. وحتى في حالة كفايته لن يبنى عليه يقين، لسبب بسيط أنه يبرر سواه على الدوام. أي ليس التبرير موضوعاً في ذاته، لكنه يحمل فعلاً إشارياً، ولا بد من استناده إلى ما يشير إلية. وفي القضايا الفلسطينية ستكون الإشارة غير واضحة، لأن الطرف الثاني في المعادلة( وضع الفلسطينيين) يكشف شيئاً مخبوءاً يناقض الإنكار ابتداءً.

6- الإنكار منطق للنسيان: تنحو عمليات الإنكار إلى ترسيخ النسيان بصدد الحقوق. فالدخول عبر أنفاق التبريرات يجعل من المواقف المبدئية قابلة للتفاوض والأخذ والرد. وهو ما حصل تاريخياً بصدد القضايا الفلسطينية، فلم يقبل الفلسطينيون في البداية أقل من الأراضي التاريخية قبل احتلال عام ثمانية وأربعين، ثم أخذوا يناقشون مع الإنكار والتبرير الإسرائيلي العودة إلى أراضي الاحتلال قبل عام السابع والستين، لينتهي الأمر مع تواصل التبرير والإنكار إلى تعليق فلسطين داخل حلم تاريخي. لكن ذلك لم يكن ليعني النسيان على ما هدف إليه الطرف الإسرائيلي.

ذاكرة الشعوب ليست ميكانيكية حتى تفرغ نفسها بنفسها تحت تكرار الإنكار، بل هي ذاكرة تأسيسية، عامة وضاغطة مع أقل الأحداث. بكلمات واضحة أن كل ما يحدث من قبل الإنكار لن يزيد الفلسطينيين سوى التمسك بحقوقهم. وأن الذاكرة لن تُسقِط شيئاً ذا أهمية صغر أم كبر. وحتى إذا تحولت فلسطين بمجملها إلى ذاكرة، فالإنكار سيفشل في نزع جذورها الأكثر عمقاً ودراية بما يجري. ولأن الإنكار عام، فلن تكون الذاكرة إلاَّ فعل انكشافٍ وتجلٍّ باستمرار. وهذا سر أنَّ الإنكار سيواصل في طريق بينما ستكون الوقائع والتجارب والمقاومة في طريق آخر.

في ضوء النقاط السابقة ينبني الإنكار حتما على النفي، لكن ما هي دلالة النفي؟ إنه نفي تابع لحالة مقاومة يبادر بها الآخر( وهي حالة نفي بالأساس). مما يعني أن الآخر سيكون موضوعاً للاعتراف ولو بالسلب، ولو بالمقلوب ولو بالتضمن.

من مفارقات الإنكار أيضاً أن هناك دلالة الجحود قابعة في تفاصيله، ولكن السؤال: ما الذي يمكن جحوده في تلك الحالة؟ البعد الأخلاقي يتحول إلى بعد واقعي، فالجحود سياسياً هو تنويه خفي لما يعطي القائم به أهمية، من الذي يعطي الإسرائيليين أهمية؟! ستحيل الإجابة تباعاً إلى التساؤل والتنقيب عن أصل المشكلة وتداعياتها. إذن الإنكار يمثل مبدأ اعتراف يعوزه قوة ضامنة لكشف الحقائق وراءه، وهو ما لم يتحقق في قضايا الفلسطينيين حتى الآن. ومازال هذا الوضع رهن المبدأ الرمزي الذي يلوح بالتناقض السافر بين ممارسات إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، لكنه لم يضُع المسار بعد.







اخر الافلام

.. -عكس ما كنا نتوقع- المقتنيات الثمينة تضر بجاذبيتك | اليوم


.. طالب يحل 6 مكعبات -روبيك- بنفس واحد تحت الماء لدخول غينيس


.. كيف تغيرت وجبة -هابي ميل- من ماكدونالدز عبر السنين




.. طهران تتحدى عقوبات واشنطن بالإصرار على تطوير قدرتها الصاروخي


.. نافذة خاصة لتغطية توافد حجاج بيت الله الحرام إلى منى لقضاء ي