الحوار المتمدن - موبايل



خِرَافُ العربِ الضَّالَّةِ

سامي عبد العال

2018 / 6 / 1
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


أينما وُجدت " خِراف ضَّالة "، فإنَّها تستحضر مُخلِّصها حتى ولو جاء كائناً عابراً. والعبور هو وضع ثقافي ( اجتماعي– سياسي ) بالمقام الأولِّ، يخلق رموزه الطارئة التي تهيمن على المجتمعات المقهورة. وفوق هذا تطلب الخراف السائمة أهدافها كما تقتات على العشب الأخضر، ولا تسعى نحوها تلقائياً إنما تحتاج راعياً منتَّظَراً. يحدوها إلى موارد الكلأ ويهدر استقلالها رجوعاً إلى قيادته على أن تسير طائعةً دون حراكٍ.

قال المسيح: "... لم أُرسل إلاَّ إلى خِراف بيتِ إسرائيل الضَّالة ". صحيح كانت رسالته تستهدف خراف بيتَّ إسرائيل، وهذا مثال مؤقت ومشروط بسياقه للإشارة، وبخاصة أن الخراف نوع من الحيوان يميز تلك البقاع الشرقية التي اعتبرها المسيح جيو سياسية دينية. بمعنى أنه لا تكون هناك خرافٌ ضالة دون عشب ديني متعاضد مع نباتات سياسية متسلقة وضارة للإنسان بالوقت نفسه. وهي الأعشاب التي تنبت في حواشي السياسات الشرقية ومتونها بما تجري في مجتمعات رعاةٍ بالأساس.

لأنَّ حيواناً من هذا النوع النادر( الخراف) يعدُّ على علاقةٍ وثيقةٍ بالإنسان، من حيث كونه يجذر إطاراً معيناً حول الرعاة والرعاية والرعاع والراعي والرعية، تدابير لا تخلو منها البيئة وتنعكس على حيوات الشعوب بالبقاع الشرقية تخصيصاً. لكن كلَّ رسالة (عملية أو نظرية) على غرار رسالة المسيح تعرف جيداً إلى من تتجه، ومن هي خرافها الضالة. وكيف تتعامل معها على المستوى نفسه من التأثير والأسلوب.

مقولة الخراف الضالة هي حالةٌ جمعيةٌ من الفوضى، وانعدام الرؤى، وضحالة الوعي، وانتشار روح القطيع، وسيادة التيوس والكباش الفارغة من المعرفة والفكر والفهم على مقاعد السلطة، وشيوع اليقينيات الأصولية حشواً للأدمغة، والتناحر على أتفه أسباب، والركض وراء الأوهام لتغدو ممارسة يومية بفعل السياسة والتعليم والإعلام. حتى نستطيع اعتبار المقولة السابقة عنواناً لمجتمعات ومؤسسات وأفعال وأنظمة سياسية لعبت أدوارا في ترويض الشعوب المغلوب على أمرها.

في هذا الشأن الأسئلة لا تنتهي، ماذا عن خراف بيت العرب والمسلمين؟ ومن الذي أُرسل إليهم؟ وكيف يقود خرافه الضالة؟ وكيف تتعامل هذه الخراف مع الرسالة؟ وإلى أي مدى تسير حياتها مع تحولات السياسة والدول والأنظمة التي خضعت للروح ذاتها؟ هل هناك سياق فقد مبرره كانت تتعامل الأنظمة خلاله إزاء شعوبها؟

أيا كانت الإجابات، فهي واضحة وتحتاج إلى زوايا أخرى من التحليل، ولابد أنْ تفتح أفقاً أوسع لعمل التاريخ وتراكمه. والمفارقة إلى حد السخرية واضحة بعد كل هذه الخطوات التي قطعتها الإنسانية من تقدم تكنولوجي والدفاع عن كيانها مستقلاً وحراً وتأسيس آفاق للحقوق والحريات وخلق أشكال الإبداع الفردي والجمعي وتأكيد المعالم الخاصة بالإنسان في المقام الأول وإنشاء أنظمة سياسية ليبرالية مفتوحة، أقول: بعد كل ذلك نجد هناك بالعالم العربي من يبحث عن تربية النعاج الضالة ويبني حظائرها ويؤسس لأجيال تالية تعيش في الأوضاع نفسها. ولا يغادر هذا أو ذاك موقعه (سياسياً ودينياً وإعلامياً ) دون التعامل مع المواطنين إلاَّ بهذا الوضع. ولو افتراضنا أن يخضع لمنطق العصر الراهن بوسائله المتقدمة، فإنه يتخفى في مظاهره بينما جوهر ما يقوم به رعاية الخراف الضالة.

نجحت نتاجات الحداثة وما بعدها في إنجاز التجريف التاريخي لرواسب مقولة المسيح وتدميرها، فلا تقارن المقولة إلاَّ بما يناقضها في كيان الإفراد وأفكارهم وممارساتهم كما هو موجود لدى مجتمعات الحضارة الغربية: الإبداع والانطلاق والتحلُّل من الحشد والاستقلال والعلمانية وتدمير الميتافيزيقا المتعالية والنقد الجذري وإعلان حقوق الإنسان والاعتراف بالآخر وكشف زيف الأساطير. حيث التأكيد على قيم الذات وإذاقة الإنسان معرفة أناه الحر وخياله الطلق، هذا الترياق الشافي من جروح القطعان وضغوطهم.

وإضافة إلى هذا تمَّ تفكيك ما يُسمى بالضلال( الخراف الضالة)، لأنَّ ضلالاً بمعناه اللاهوتي المسيحي يعني:

1- تأكيد سلطة دينية متعالية، وهي ما تكفر الضالين وتفرزهم عن المؤمنين. لأن كل إقرار بالضلال إنما يضمر معايير تحتاج إلى من يمسك بها للحكم على الآخرين. وهذا ما حدث عندما أفرزت مفاهيم الضلال وتصنيفاته تراتباً اجتماعياً وسياسياً في المجتمعات التي تستند إلى أُطر دينية. وتلك السمة لا تنتهي من تربة الحياة بسهولة إنما يجب الحفر حول بذورها وجذورها المهملة بين طيات التراب وتحت أكثر الأنشطة سريانا في تضاعيف الأفعال واختلافها.

2- الحكم على أناس بعينهم بالضلال. وهذا أخطر ما يؤدلج تعاليم الديانات عبر التاريخ، لأنَّه يحول فكرة العمومية بين جميع الناس إلى أداة إرهاب. والأداة تخلق أصحابها من وقت لآخر بموجب عدم قدرة الإنسان على الاستقلال والشعور بخصوصية متفردة. في مقابل عدم إنهاء الاستغلال لكونه لصيق الصلة بينية المجتمع وذراته المكونة.

3- تحُول المقولة دون اتساع رقعة المجتمع المدني، وهو مجتمع لا يلجأ إلى قوى خارج قدراته الذاتية ومؤسسات حقوقه المدافعة عن مصالح أفراده والضامنة لحرية حركتهم والتعبير عنها بكامل الإرادة. وعندما يكون هناك نظام مستبد (متخلف) فإن المقولة تصبح قيد التطبيق بشكل لاوعٍ، بل هي النموذج الأمثل الذي يخدم السلطة ويغذيها بأسباب استمراريتها.

4- انتظار الرسل حتى بعد انقطاع النبوات، وهذا في الثقافة الإنسانية معناه ملء الفراغ بأنبياء مزيفين يتحكمون في رقاب البشر, ويتلاعبون بمعاناة الناس وآلامهم. والنبوة في التراث الشرقي يخلع على أي صاحب سلطة نافذة ولا سيما السلطة السياسية، فالحاكم الملهم هو نبي بدرجة ما إن لم يكن إلها يتحرك على رجلين.

5- تكريس اللغة الدينية وكأن الحياة المدنية لم تفرز معجمها اليومي الخالي من ثنائيات الضلال والصلاح. وهي معاني لا يوجد لها مقابل بالحياة الفعلية. فما معنى الضلال في الأفعال والسلوك؟ وكيف يأتي الضلال عبر الظواهر السياسية والاجتماعية العامة؟

رغم ذلك يلوك السياسيون العرب نغمة الضلال الغابرة، ففي محاربة الإرهاب يستخدمون المقولات الدينية لمحاربة خصومهم ولا يضعون حدوداً لانتشارها وتداولها. والأسوأ أن يعاملوا مواطنيهم على أساس حركة القطعان الضالة. أحدهم يتمسكن ويتمطع ويتلوى ويزمزم ويطلق ألفاظاً ناعمة لا تخلوا من الخداع الماكر على خلفية دينية سلفية. وقد اعتبر مواطني دولته نعاجاً ليست ضالة فقط بل تحمل ما ثقل وزنه وغلا ثمنه من شحم ولحم وصوف وجلود.

والخراف أو المواطنون ينتظرونه كما ينتظر المغلوبون على أمرهم عودة المُخلِّص في التراثات الشعبية، هذا الفتوة الذي يهزم الطاغية ويخلِّص الضعفاء والفقراء من القهر والظلم، ثم سرعان ما يتحلقون حوله ويحملونه فوق أكتافهم كمشهدٍ من المشاهد البارزة في رواية الحرافيش لنجيب محفوظ. وهو بالمقابل لا يُفلت الفرصة السانحة، فالخراف كنوز بشرية متحركة بدءاً من اغتصاب إرادتهم والضحك الهستيري على أحوالهم وإطلاق الوعود والعهود دون أجل. وتشكل الحالة في مجملها دراما الخراف الضالة ويظل المسيح في أوضاعه البشرية هو البطل الفعلي الذي ينذر نفسه لإلهاء خراف بني الإنسان العربي.

ودينياً ينصب الشيوخ الإسلاميون أنفسهم كالمسيح، لا يعتبرون متابعيهم أسوياء ولا أناساً لهم مؤهلات وسمات الإنسانية المجردة، بل هم من وجهة نظر الشيوخ خراف سائمة لا تنطق ولا تعقل، وإلاَّ ما سبب هذه الفتاوى حول الظلم والقهر الذي هو - كما يزعمون - مما كسبت أيدي الناس، وأنَّ ما هم فيه لا دفعَ له لكونه بلاءً من رب العباد، رغم أنَّ الفاعل معروف والاستبداد مشهور والتخبط السياسي والفساد المالي والإداري لا يحتاج إلى دليل. وهذا يثبت زيف الشيوخ وزيف خطابهم القائم على حيوانية الإنسان وهو خطاب يوضع في خدمة أي تيس قوي في الحظيرة له الغلبة والشكيمة على باقي الخراف.

ولقد فاق الإعلام العربي - باختلاف توجهاته ودوله - كل الحدود في تربية الخراف الضالة واجتذابهم حوله على غرار فج وقميء. إحدى القنوات الخليجية المشهورة مازالت تطرح الأخبار والتعليقات والبرامج بمنطق قطيع الخراف، حتى أنها تعول على حركته السائبة في شوارع الفوضى والإهمال، شوارع بعض الدول العربية. ونظراً لكونها قناة مؤدلجة دينياً، فإنَّها تستخدم كل حيل الحظيرة السياسية لتزييف وعي المشاهدين واستعمالهم في تلوين الحقيقة.

حالة الخراف الضالة لا تعلَّن بصراحة، لكنه نمط ثقافي سائد وضاغط ويحكم ضمنياً طرائق الحكم وممارسات السلطة والخطاب وتداول المعرفة. حيث يتجاوز النمط كافة الأحزاب والاتجاهات: تجد ليبرالياً يمارس ليبراليته بوضعية الخروف الضال، تجد قومياً يمارس قوميته بالخروف الضال، تجد سلفياً يمارس سلفيته بالخروف الضال، تجد عقلانياً يمارس عقلانيته بالخروف الضال ويفرض على الآخر هذه الوضعية من التلقي السلبي والطاعة العمياء...ماذا بقيت من شرائح المجتمع لم تتشبع بهذا المعنى؟

وإذا أراد العرب التأسيس لمرحلة من التطور وتحديث المجتمعات، فيستحيل الانخراط في ذلك دون تفكيك الجهاز المفاهيمي والفكري لهذا النمط الرعاعي الأبوي. ليس أقل من نسف كل ما ينتمي إليه بصلة لأن الأبوة والرعاعية يتعاونان مع بعضهما في مناطق اجتماعية ودينية متناهية الصغر وعظيمة الهدم لكل محاولات نقدية حقيقية وتعطيل مسيرة الإنسان تجاه الإحساس بذاته وإنضاج رؤاه حول العالم والتاريخ.

لا يوجد في السياسة ولا في الدين خراف ضالة، هذه الحالة لابد من تفريغها وتكسير مفاصلها وإعادة قراءتها في التفاصيل الدقيقة للوعي والحياة، ذلك بعملية تاريخية وثقافية طويلة الأمد تشتغل على صور السلطة الجارية وتلوينها بالدين والأخلاق والنظام الاجتماعي. حتى ولو اقتضى الأمر تثوير أبنية المجتمعات العربية وتحطيم قيودها المنتجة لهذا السلوك الفارز.

وكما انخرطت مجتمعات الربيع العربي في عملية تحول بشكلٍّ ما وإن كانت منحرفةً عن جادة التطور السليم في أغلب حالاته، فلابد من تقعيد الوعي الثوري والتنويري بإنتاج خطابات تستثمر في تنمية قدرات الإنسان وطاقاته وتطلق العنان لحرياته المتنوعة ولا تعتبره خروفاً في قطعان هائمة نحو مصيرها المجهول. إنَّ الحرية جزء من بناء وعي مضاد لفكرة ( الضلالة) التي تهدد المجتمعات العربية في مستقبلها وتطورها المنشود. ولا ينبغي انتظار مالا يأتي من رسل آخرين، لأنَّ الحياة والتطور لا ينتظران أكثر من قدرة الإنسان على الإبداع والاختلاف.







اخر الافلام

.. الكونغرس يطلب تقريرا حول نشاط الإخوان


.. مسلمون أميركيون يسعون لخوض انتخابات التجديد النصفي للكونغرس


.. الكونغرس يفتح ملف الإخوان ويطلب تفاصيل نشاطاتهم




.. لهذه الأسباب نبشت ميليشيا أسد الطائفية قبور ضحايا مجزرة الكي


.. تنظيم -الدولة الإسلامية- يتبنى تفجير مركز تعليمي في حي شيعي