الحوار المتمدن - موبايل



الانقلاب البومديني ( بودين ) ، وفشل اختيارات الدولة الجزائرية . ( 1 )

سعيد الوجاني

2018 / 6 / 1
مواضيع وابحاث سياسية



كل متتبع للمسار التنموي الجزائري المعطوب وفي كل المجالات ، لا يمكنه ان يرد السبب ، الاّ الى الانقلاب الفاشي الذي قاده الهواري بومدين على الرئيس الشرعي احمد بن بلة .
وحين يلج السياسة من يجهلها ، ويتولى تسيير دولة بالاعتماد على شعارات كان لها بريقها المحتشم ابان الحرب الباردة ، قصد الاصطفاف الى جانب محتضني الأنظمة العسكرتارية التوتاليتارية ، من جهة للتّميز ، ومن جهة لضمان عراب يحميهم من سخط شعوبهم الفقيرة والمفقرة رغم وجود الغاز والبترول ، فعندما يصبح كل شيء مخنوقا في عنق الزجاجة ، لا يسع الدكتاتور الاّ ان يبحث عن شماعة يلصق بها فشله البيّن والواضح ، ويصرف بها الأنظار عن الفشل الساحق الذي أصاب كل مؤسسات الدولة .
ان فشل البومديانية ، الذي تسبب في فشل الجزائر الدولة ، حتى أضحى على رأسها شخص فاقد لأهلية الحكم ، سواء بسبب سنه ( طاعن في السن ) ، او مرضه المزمن ، هو ما جعل الطغمة المسيطرة والمتحكمة في الجيش وقصر المرادية ، تصرف الأنظار نحو النزاع المفتعل حول الصحراء .
في 19 يونيو 1965 ، تحركت الدبابات على غير عادتها ، وفي وقت غير عادي أيضا ، نحو اهم البنايات الوزارية في الجزائر العاصمة ، بينما تتوجه مجموعة من الضباط والجنود ، الى بين رئيس الجمهورية .
ومن خلال البيانات الأولى التي اذاعتها إذاعة الجزائر ذلك اليوم المشؤوم في تاريخ الجزائر ، سيعرف العالم اجمع ، ان الدبابات تحركت لتطويق واحتلال ومراقبة المقرات الاستراتيجية التابعة لجهاز الدولة وان الضباط والجنود الذين توجهوا الي بيت الرئيس ، قد ذهبوا لاعتقاله .هكذا إذن وفي رمشة عين ، تمت الإطاحة بأول رئيس جمهورية في دولة الجزائر المستقلة .
ان 19 يوليوز ليس يوما من الأيام العادية في التاريخ الجزائري ، بل يعتبر بالعكس اللبنة التي ستنبني عليها الدولة الجزائرية الفاشلة كما نشاهدها اليوم .
1 ) الشروط التاريخية لظهور البومدينية :
ان الاستعمار الكلونيالي للجزائر يختلف عن نظيره في المغرب . في المغرب مثلا ، كانت استراتيجية الاحتلال الفرنسي تقوم على سياسة مرنة ، تجاه الملاكين العقاريين والبرجوازية المغربية .
فبالنسبة للملاكين العقاريين ، عمدت إدارة الاحتلال الى الحفاظ على مصالحهم ونفوذهم ، بل اكثر من ذلك قد عمدت الى تطويرها وتقويتها ، حيث ساهمت مساهمة فعالة في خلق طبقة الملاكين العقاريين المتجانسة المصالح . فالتحالف بين قوى الاحتلال والملاكين العقاريين ، كان في المنظور الكلونيالي اللعبة السياسية الأكثر نجاعة لتسهيل وترسيخ الاستعمار ، كما انها من ناحية أخرى ، الأقل تكلفة للسيطرة على البادية المغربية .
وبالنسبة للبرجوازية المغربية ، عمدت إدارة الحماية كذلك الى احتواء ، ودمج الشرائح العليا من البرجوازية في الرأسمال الأجنبي ، ومن ثم منحها نوعا من شروط النمو ، والتطور لمصالحها الطبقية .
في الجزائر كان الامر مختلفا ويختلف . فالاستعمار الكلونيالي للجزائر لم يكن استعمارا تقليديا ، لكنه كان استيطانيا عميق الجذور ، لم تسلم من براثن استغلاله واضطهاده الطبقات المحتلة السائدة نفسها .
ان حركة المعمرين الفرنسيين الكثيفة التي اجتاحت التراب الجزائري كالجراد ، أدت في تهافتها على امتلاك الثروات الوطنية ، الى تدمير الملاكين العقاريين والبرجوازية الجزائرية ، وتهميش ما تبقى منها .
ان هذا الاختلاف في الطبيعة للاستعمار الفرنسي لكل من المغرب والجزائر ، وما ترتب عنه من تحولات اجتماعية مختلفة ، سيكون له بالغ الأثر في بروز اختلافات أخرى ، سواء تعلق الامر بطبيعة حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار في المغرب والجزائر ، او طبيعة الدولتين اللتين سيتم تشييدهما بعد دحر الاحتلال الفرنسي .
في المغرب ، أدى ذلك الى تأهيل البرجوازية الوطنية المتحالفة مع فئة الملاكين العقاريين التي لبعت دورا وطنيا معاديا للاستعمار ، الى قيادة حركة التحرر الوطني ، بحيث ان البرجوازية الصغيرة والجماهير الشعبية بوجه عام كانت خاضعة لتلك القيادة .
ان هذا الوضع إذن لمسيرة التحرر الوطني المغربي ، يشكل ركيزة موضوعية ، لطبيعة دولة ما بعد مرحلة الاستعمار ، ويفسر في ذات الوقت وموضوعيا ، لماذا تم هدم القوى الراديكالية في السنوات الأولى للاستقلال ( الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ) ، ولماذا كانت الدولة المغربية الناشئة حينئذ ، قد قامت على تحالف البرجوازية الكبيرة والملاكين العقاريين تحت هيمنة النظام .
في الجزائر ، كان الامر مختلفا . فبعد تدمير واضعاف ، وتهميش البرجوازية الجزائرية ، والملاكين العقاريين ، أدت حركة التعمير الاستيطاني نفسها بالمقابل وموضوعيا ، الى خلق فئات جديدة من البرجوازية الصغيرة العصرية المتعلمة من جهة ، والى تجذير مواقف الفئات الأخرى التقليدية المتضررة من الاحتلال من جهة أخرى . والحصيلة كانت : وجود طبقة برجوازية صغيرة قوية شكلت ، وفي غياب الطبقات الوطنية التقليدية قلب الشارع النابض .
ان كل الشروط الموضوعية والذاتية ، كانت تعمل إذن في اتجاه فرز نخبة من المناضلين في صفوف البرجوازية الصغيرة الذين تولّوا مهمة تعبئة الشعب الجزائري ، وقيادة حركة تحرره الوطني ضد الاستعمار الكلونيالي الفرنسي . ولقد تشكلت معظم كوادر " جبهة التحرير الوطني " و " جيش التحرير الوطني " من تلك النخبة .
هكذا يمكن القول ان حركة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي ، كانت عبارة عن تحالف واسع ، يضم البرجوازية الصغيرة ، والفلاحين ، والعمال ، بينما كانت قيادة ذاك التحالف في يد البرجوازية الصغير . ان هذه الطبيعة في بنية التحالف الطبقي المناهض للاستعمار ، يفسر ، موضوعيا ، لماذا كانت مسيرة حركة التحرر الوطني في الجزائر تتميز بنوع من الراديكالية .
في سنة 1962 حين اضطر الاستعمار الفرنسي للاعتراف باستقلال الجزائر ، وحين أصبحت البلاد تحت السيادة الوطنية ، كان الوضع الذي نجم عن تلك الفترة التي تلت مباشرة الاستقلال مباشرة يتميز بما يلي :
ان التوازنات السياسية بين مختلف الطبقات الوطنية ، التي استطاعت جبهة التحرير بناءها وترشيحها ابان مرحلة النضال ضد الاستعمار ، قد استطاعت ان تستمر أيضا خلال السنوات الأولى من الاستقلال . ذلك ان تلك التوازنات السياسية ، قد خلقت لها انعكاسات وامتدادات على الصعيد السياسي / الإداري ، وكذا على الصعيد الاقتصادي تمثلت في التالي : فبعد حركة الهجرة الواسعة والكثيفة للمعمرين الأجانب الذين عادوا الى بلادهم ما بين سنتي 1960 و 1962 ، أصبحت فجأة معظم الدواليب في جهاز الدولة ، وجزء هام من ممتلكات المهاجرين الفرنسيين شاغرة مما أدى الى :
1 ) اجتياح البرجوازية الصغيرة لدواليب جهاز الدولة ، حيث كانت اكثر الطبقات تأهيلا لذلك .
2 ) احتلال العمال ، والعمال المزارعين بشكل خاص ، للمعامل وضيعات المعمرين ، وإقامة نظام التسيير الذاتي للأراضي الفلاحية وللمعامل والمصانع .
3 ) استحواذ بعض الجنود – الفلاحين العائدين من جبهات القتال على أجزاء من الأراضي .
4 ) استحواذ بعض الملاكين العقاريين كذلك على بعض الأراضي .
5 ) سيطرة بعض البرجوازيين على معامل فرنسية .
ان الميزة الرئيسية إذن لتلك التوازنات ، كانت تكمن في تعايش طبقي بين مصالح متنافرة ، وتطلعات طبقية متناقضة من حيث الجوهر ، يمثل قطبها الرئيسي التسيير الذاتي للعمال المزارعين ذوي النزوع الاشتراكية ، بينما تمثل القطب المقابل تطلعات الرأس المال الجزائري الخاص .
ان هذه القاعدة الاجتماعية غير المنسجمة ، قد عكسها سياسيا وغيّر منها الى حد كبير ، نظام احمد بن بلة ، ذلك ان عجز هذا النظام على بلورة وتطبيق سياسة منسجمة واضحة وثابتة ، وسقوطه في سياسة بهلوانية متقلبة من الطرف الأقصى الى الطرف الأقصى ( فهو تارة يقف بجانب الملاكين العقاريين والرأسمال الخاص ، وأخرى ضدهم ، وهو تارة لصالح التسيير الذاتي ، وأخرى ضده ، وهو تارة مع الاستقلال النقابي للعمال ، وتارة ضده ، وهو تارة ينحاز الى الإسلام ، و " الاصالة " ، وتارة أخرى ينحاز الى الاشتراكية العلمية ..... لخ ) ، أقول ان ذاك التخطيط السياسي الذي لازم نظام بنبلة ، إنما كان يترجم في حقيقة الامر ، واقع التعايش المتنافر بين المصالح والتطلعات المتناقضة للتحالف الطبقي الذي خاض النضال ضد الاستعمار .
بيد ان ذاك التعايش لم يكن سوى تعايش في السطح، لأن الأساس الذي كان يحكم العلاقة بين اطراف التحالف المذكورة ، هو الصراع من اجل تقوية الذات واضعاف الخصم . فهشاشة كل التوازنات الطبقية التي هي في عمقها توازنات انتقالية ، كانت تحتم إذن حسمها لصالح الطرف الأقوى . ان جملة شروط موضوعية وذاتية ، كانت تجعل البرجوازية الصغيرة الطرف الأقوى ضمن قوى التحالف المذكور ، ولذلك كانت ترشح عملية الحسم تلك لصالحها .
اما ابرز تلك الشروط فهي التالية :
1 ) ضعف البرجوازية الكبيرة والملاكين العقاريين ، الناجم تاريخيا عن التهميش والضربات القوية التي تلقياها من طرف الاستعمار الكلونيالي .
2 ) ضعف التنظيم المستقل ، أيديولوجيا ،وسياسيا للعمال والفلاحين .
3 ) قوة البرجوازية الصغيرة المتمثلة في تحكمها في المواقع الحساسة في جهاز الدولة ، والجيش ، وجبهة التحرير الوطني .
4 ) ان الاستغلال والنهب اللذين مارساهما الاستعمار ، كانا عميقين جدا ، مما اوْرث دولة الاستقلال ، العديد من المشاكل العويصة التي يتجاوز حلها ، إمكانات الطبقات التاريخية التقليدية ( البرجوازية الكبيرة والملاكين العقاريين ) ، بحيث تصبح تلك المهمة ، من نصيب طبقة أخرى ، تتميز بنوع من الراديكالية مثل البرجوازية الصغيرة .
5 ) ان طبيعة حركة التحرر الوطني الجذرية التي قامت على تعبئة واسعة للجماهير الشعبية ، قد أدت الى خلق قوة جماهيرية ضاغطة ، ومؤثرة في تحديد طبيعة الدولة المستقلة التي يراد بناءها .
6 ) الاقتصاد العصري الذي خلفه المستعمر الفرنسي ، كان يتميز بدرجة عالية من التمركز .
ان هذه الشروط مجتمعة ، هي التي اهّلت إذن البرجوازية الصغيرة ، لان تكون الطرف الأقوى الذي سيؤول اليه مصير دولة عهد الاستقلال . وفعلا لم تكن سنوات 1962 – 1965 في حقيقتها ، سوى سنوات استكمال الحكم البرجوازي الصغير ، لمختلف دواليب جهاز الدولة ، ولمواقع الجيش والحزب ، واكتساح مواقع جديدة في الاقتصاد الاستعماري الفرنسي ( تأميمات تلك السنوات ) ، وافراغ التسيير الذاتي من مضمونه الثوري ( التمهيد لتحويله الى قطاع رأسمالي تابع لقطاع الدولة ) .. لخ .
هكذا يمكن القول ان الشهور الأخيرة ، بوجه خاص ، من حياة نظام بنبلة ، قد شهدت احتدادا في التناقض ، ما بين سيادة البرجوازية الصغيرة في مختلف مرافق الاقتصاد الوطني وعلى صعيد أجهزة الدولة ، وبالتالي نزوعها الى نظام سياسي متماسك ، يتجاوب كليا مع تطلعاتها الطبقية ، وبين نظام بنبلة الذي أراد الاستمرار في التوفيق ، بين مصالح مجموع اطراف التحالف التاريخي .
ان هذا التناقض كان لا بد ان يجد له حلاً ، ولقد وجده في حركة 19 يونيو التي أطاحت بنظام احمد بنبلة ، وفتحت الطريق امام صعود البومدينية .
ان البومدينية لم تكن مجرد انقلاب عسكري فوقي أراد فرض توجه سياسي معين على المجتمع الجزائري ، بل كانت حركة ذات بعد تاريخي شكلت لحظة موضوعية في تطور المجتمع الجزائري ما بعد الاستقلال .
ان البومدينية تمثل إذن النظام السياسي الذي ارادت من خلاله البرجوازية الصغيرة المتحولة الى برجوازية دولة ، تطبيق رؤاها ومشاريعها السياسية – الاقتصادية .
فهل نجحت في ذلك ؟
( يتبع )







اخر الافلام

.. الأخبار على طريقتنا - شخصية -المسحراتي- مع -العم ياسر-


.. البحث عن مهاجم ستراسبورغ ما زال جاريا


.. قرقاش: قطر مستمرة في التحريض




.. القاعدة تنفي مقتل قيادي إرهابي في مالي


.. الأخبار على طريقتنا - طوني في - الأوسكار-