الحوار المتمدن - موبايل



رمان حلو ... رمان حامض _ فصل من روايتي (النرجس والرمان)

عباس علي العلي

2018 / 6 / 2
الادب والفن


رمان حلو ... رمان حامض


ليس كل الرمان كنوع حلو المذاق وليس واجبا أن يكون كذلك, التنوع هو ديدن الحياة ولكل طعم ومذاق أسباب ونتائج الشجرة التي تطرح الرمان الحلو هي أختها تماما من تطرح الحامض والأيام التي تجلب الخير وحسن الفأل هي ذاتها من تسقيك الألم بعد الأمل .. عبدا الله اليوم يتهيأ لدخول المدرسة أول مرة والكل يحتفي بهذه المناسبة كان أبوه أشد المحتفلين وهو ممسك بيده خارجا من محلات فتاح باشا المقابلة للمقهى وقد طربت روحه للمشهد يفاجأ من غير سابق إنذار بالكارثة التي سودت بأحداثها الكثير من الصفحات اللاحقة من قصة النرجس والرمان الحامض .
وصل الخبر لنرجس في البيت مساءا عن طريق أطفال الدربونة لا أحد يمكنه أن يبلغ أم عبد الله على الذي أصاب زوجها وأبنها شفقا بها من هول الخبر، ظن البعض أن وقوعه سيكون قاتلا لها وهي لم تخرج بعد من الحزن الذي أصابها بفقدان العمة تركية التي رحلت منذ عشرة أيام, هرعت أم صالح ومعها نسوة الجيران ليخففن من وقع المصيبة وهن لا يعرفن بالتحديد ما هو الحادث وكيف تم, دخلت النسوة في الوقت التي كانت نرجس في هستريا أفقدها التبصر في أمرها وأمر الناس ,كانت الدموع عصية لكن العيون متجمرة من ما في القلب من حرارة ولوعة.
طرق الباب شديدا أوقف كل البكاء والحشرجات التي تصدر من الصدور وتعلقت القلوب في الباب, تركض أم صالح لتجد زوجها يحمل شيئا من التصبر لا أحد ميت عبد الله وأبوه ما زالا أحياء وقد يخرج عبد الله الآن لأن أصابته بسيطة مجرد كسر في اليد, نزلت الدموع منهمرة جدا من نرجس لتسقط مغشيا عليها في باحة الدار, فيما الجميع منشغل كي تستفيق ويذهبوا مع الرجل للمستشفى الحسيني حيث يرقد المصابان, حسنة وحدها الآن تتكفل بهذا المصاب الجلل كم أنت مباركة يا عمة تركية رحلت ورحل الفرح وغاب قمر السعادة من سماءنا, تحسست نرجس نفسها بعد أن أفاقت وألبستها الجارات عباءتها حيث مازال أبو صالح ينتظر مع صاحب الربل في أول الدربونة .
مضت أكثر من ساعتين وخضر ما زال في غيبوبته أثر الضربة التي تلقاها على رأسه من اصطدام السيارة المسرعة به وسقوطه القوي على حافة الرصيف، ولكن الآمال باستفاقته موجودة ويأمل الأطباء أن يتعدى حالة الخطر, الأمر صعب جدا على الجميع وخاصة على نرجس وقد وجدت نفسها دون سابق موعد مع الوحدة القاتلة, لم يكن خضر الزوج فقط كان عالما من نوع أخر كان الجنة التي تحلم بها كل أنثى يفيض حنانا ورجولة وأمان, عوض لها عن كل الأيام المرة بل معه نسيت كل المرارات, كيف لها أن تتصور فقدانها هذه الشجرة العملاقة كانت المأوى والظل الظليل .
كالمجنونة تهرب من غرفة العناية لتذهب إلى سرير عبد الله وما أن تطمئن عليه حتى تعود مغرورقة الدمع لتقابل باب غرفة الطوارئ وهي تنظر من الفتحة الدائرية مرة لوجه زوجها ومرة لوجوه الطاقم الطبي لعلها تتلمس علامات تطمئنها عن رفيق الدرب, لا يمكن لأحد أن يسمع منها كلمة غير مشهد الدموع حتى عندما تحتضن أبنها تحتضنه في هيبة الصمت وكأن هذه الأنثى المجروحة في مقتل لم تجد للكلام حروفا ومفردات فقررت أن تتكلم بصمت عن فجيعتها وفاجعتها, لا تريد لهذه الجنة المفتحة أن تغلق أبوابها مبكرة أنها تستحق أن تبقى جنة لكل الناس وكل أشجارها رمان حلو لكن الأمر أولا وأخيرا لا بد أن تنبت ولو رمانة حامضة واحدة كي نعرف طعم الحلاوة .
عاد أبو صالح من دائرة البريد بعد أن أتصل بكركوك وأخبر الحاج عمر بالحادث وأنه في الطريق سيصل هذه الليلة حتما, نظرت في وجهه وانهمرت الدموع كأنها نهر صغير يجري ينتظر من يمسح أثاره على وجنتيها, لم يكن الأمر سهلا على الرجل ولا على جيران خضر فكيف يكون حال هذه المفجوعة لقصص الفقدان من أمها من قبل وأبيها والزايرة مريم والعمة تركية، تدعوا بقلب يرتجف بل يهتز بقوة أن لا تكون لهذه القصة الآن خاتمة كسابقاتها, تسأل الله في دعوات مخفية أن ينهض خضر الآن من غفوته ليطفئ لها نيران أشعلها هذا المساء الموحش وليعيدها للجنة التي كانت .
الهدوء الذي ساد قاعات المستشفى فجرا بعد ذهاب أكثر الناس والمراجعين إلا من خطوات أبو صالح الذي يقطع الممرات جيئة وذهاب هو المشهد الذي يزيد بوحشتها من خوف نرجس، وقد مضت ثمان ساعات على غيبوبة خضر دون أن يستفيق منها, الجو بحرارته لم يزيد جسدها إلا سخونة وقد تفطرت شفتيها من الحرارة ومن العطش وقد أبت أن لا تشرب الماء حتى ترى ملامح الحياة تعود لجسد زوجها المسجى أمامها, عبد الله لم يعد يحتاج للمكوث أكثر فقد نصحها الطبيب أن يخرج معها صباحا ليتم أكمال علاجه في البيت لحين كسر الجبيرة إنه سلم مما كان أشد, لم تنطق بعد بكلمة وكأن الحادث أيضا غيب لسانها أو مرارة الفاجعة أفقدتها النطق .
مع أول أذان الفجر قامت نرجس ولأول مرة منذ المساء بمسح دموعها وتوضأت وتوجهت لسرير عبد الله لتطمئن عليه ثم عادت إلى غرفة الطوارئ لتنظر من خلال الفتحة لزوجها الممدد على سرير الرحمة، وصلت ركعتين في أرض الحديقة وأتجهت إلى خارج المستشفى تبحث عن شيء قاطعة للطريق المظلم في بعض أجزاءه دون أن تنبس ببنت شفة, أسرعت حسنة للحاق بها لكنها أمرتها بإشارة أن تعود, عادت وهي تلتفت بين الفينة والفينة لتعرف أين ذهبت هذه السيدة التي أنقلب حالها بمجرد أن هومت عيناها قليلا بسكرة من النوم لتعيدها أكثر أنتباها ونشاطا .
في حيرة حسنة التي شتتها الموقف لا تعرف ماذا تفعل ولا أين ذهبت نرجس وزوجها ممد على أحد مقاعد الخشب المنتشرة في الحديقة, بين هذا وذاك قررت أن تجلس في الباب الرئيسية للمستشفى وقد أنهكها التعب والإرهاق تبكي حال نرجس أم تبكي حال خضر الممدد هنا بين الحياة وشبه الحياة، أم تبكي وجعها السابق وكيف أن الأيادي البيضاء منحتها السلام والأمن , تبكي بشدة , بحرقة , بشي من مرارة الزمن, قطع كل ذلك المشهد صوت سيارة صغيرة أمامها وقد نزل منها الحاج عمر وإخوانه وهم في صدمة من مشهدها الحزين حد القتامة .
أرتكبت لم تعد تعرف ما تقول زاد من حيرة الرجال بما يدور ... أخيرا قالت جملة مفيدة أنه في غرفة الطوارئ تقدمت تجري نحو زوجها لتوقظه من نومه قصيرة, نادت به فزع من الصوت لكنه تمالك نفسه عندما رأي الحاج عمر وجماعته أبدى الترحيب وحاول أن يطمئنهم بقول الله كريم كل شيء بيد الله فقط ننتظر رحمة السماء، وأخذ بيد حاج عمر إلى غرفة الطوارئ ليطل من خلال فتحة الباب الصغيرة على خضر وقد شاهده وهو يحرك أصابع يديه وحركة بسيطة من رأسه, أخبر الممرض المناوب في الصالة أنه يحرك أصابعه, ركض الممرض ليتأكد من الحال وأتصل من غرفة الطوارئ بالطبيب الخفر لتعم الفرحة مرة أخرى هذه الوجوه المتعبة .
مضت ساعة وقد حاولت حسنه أن تخفي أمر غياب نرجس عن زوجها وعن الضيوف القادمين من كركوك حتى أنفجرت باكية تدمدم بكلام غير مفهوم، حاول أن يعرف زوجها ما هو بالضبط... ما يحرجها ماذا حدث وأين ذهبت, لا تفعل أكثر من أن تشير بيدها أنها ذهبت من هنا نحو مركز المدينة, توقفت عن البكاء وسألت الجميع اليوم أي يوم من أيام الأسبوع ,قال عبد الرحمن السبت هذا صباحه, مسحت دموعها وقالت لقد ذهبت أم عبد الله للعباس أنها عادتها في كل سبت تذهب فجرا للحرم تصلي وتعود .
دخلت نرجس ولم ترى لا صاحبتها ولا زوجها أمام غرفة الطوارئ... تطيرت من المشهد وأمسكت قلبها الموجوع لتصرخ قبل أن تصل لباب المكان الذي تركت فيه أعز الأعزة، فترى الطبيب يتفحص زوجها بهدوء وهو مطمئن, سرى المشهد عليها كأن طائر من طيور السكينة حط فجأة على دليلها المتعب... أسترخت تنظر بتمعن لكل حركة أو أشارة أو علامة تطمئنها من الطبيب, في هذه اللحظة أدركت أن الله قد نظر إليها ومنحها عطف يتناسب مع حرارة الدموع التي ذرفتها منذ مساء الليلة الماضية, أخرجت زفرة محشورة ومكتومة داخل صدرها كأنها حمم من بركان تنفست قليلا لتريح روحها المتعبة, أمسكتها حسنة من الجانب الخلفي لتضمها بحنان الأخت المواسية تطمئنها أن خضر قد عاد لوعيه.
مريم الصغيرة التي تناسى الجميع أمرها وصالح معها هم من بقى بالدار قد يكون أحد الجيران قد تولى أمرهم,من المؤكد أن الناس لا يمكنها أن يتركوا الأطفال هناك مع المحبة التي يكنها الجميع للعائلة وتعاطفا معهم، وهم يواجهون موقف لا يمكن أن يوصف بأقل من مأساة حدثت بدون سابق إنذا, سأل حسن زوجته عنهم قالت لا تخف هناك ألف من يعتني بهم.
الجميع كان ينتظر الطبيب المختص ليقرر ما هو القادم وما العمل أخبرهم بأن المريض عبد الله يمكنكم إخراجه أما الأب فما زال أمامه الكثير من الفحص والتدقيق ليقرر مع أحتمال أن الرجل سيفقد النطق, هذا الخبر وحده كافيا ليلقي بنرجس جثة هامدة على الأرض وهي تشعر منذ الأمس بدوار وقيء ووهن شديد فسرته حسنه من كثرة الإرهاق والحزن على رحيل العمة تركية وما أثر الصدمة ليلة الأمس إلا مزيدا من التدهور.
الطبيبة النسائية التي فحصت نرجس أخبرت حسنه أن السيدة بحاجة للمكوث يوم أو يومين هنا في المستشفى فلديها أعراض حمل وضعف مصاحب ولا بد من عناية شديدة, قد يكون الإرهاق الذي تعاني بسبب اصابة زوجها يزيد من خطورة الحمل على صحتها, أجابت نرجس يا دكتورة أنا والجنين وصحتي بكفة وصحة أبو عبد الله الأهم, أشارت الطبيبة أن من المهم أن تكوني هنا أولا قريبة من زوجك وقريبة من العناية هكذا ألحت حسنة أيضا وهو ما تم .
الناس الذين توافدوا من الأمس واليوم شكلوا مصدر قلق لإدارة المستشفى كما شكلوا مصدر إنشغال لأبو صالح الذي أرهقه الوقوف والإجابة على أسئلة الناس ومدارات الضيوف، والركض وراء الأطباء والممرضين, كما يشغله أيضا بالكثير من القلق أن يجهل ما تلقي عليه الأيام القادمة من ثقل ومسئوليات في غياب حضور أبو عبد الله المؤثر, أحس في خضم الأزمة أن الرجل كان يحمل الكثير عنه وعن المحيطين به كان هو المحرك الأساسي لكل الأعمال والأشغال ولكل الأشخاص المحيطين بهم, كان أمام تحدي الآن عليه أن يكون كمعلمه قويا لا يهتز .
في قاعة النساء كانت نساء الطرف ومعارف أبو عبد الله وعيالات أصدقاءه يتجمعون في كل مرة ليحيطوا نرجس بالكثير من الحنان والحاجة إلى الأم والأخت في مثل ظروفها, لم تشعر بالغربة مؤكدا أن أم صالح كانت كل شيء لها الأخت الخدومة الصابرة المواسية التي تتحمل كل شيء من أجل إنسانه قدمت لها ما لم يقدمه أحد, كل ذلك وأحيانا تنحدر الدموع على خديها شعورا منها بتعاطف غريب مع نرجس هل هو هاجس الأغتراب أم هاجس الغربة .







اخر الافلام

.. مداخلة الفنانة -درة- و -ايمي سمير غانم- للحديث عن استخدام قص


.. صباح العربية تراب الماس في صدارة أفلام العيد


.. الموسيقى تساعد مرضى الخرف من الشعور بالاكتئاب والتوتر




.. احيا وأموت على البصرة .. الغناء البصري الرائع


.. وحدة لسان الحاج.. دور إنساني يتجاوز خدمة الترجمة للحجاج