الحوار المتمدن - موبايل



عصافير شجرة الرمان _فصل من روايتي (النرجس والرمان)

عباس علي العلي

2018 / 6 / 4
الادب والفن


عاد أبو عبد الله من بيروت قضى فيها أكثر من شهر وقد أجرى عملية لإزالة أثر جلطة دموية متصلة في المخ وقد أوعد الأطباء في خلال مدة تتراوح بين شهر إلى شهرين يمكنه أن يحرك شفتيه ولسانه ويبدأ بالنطق الجزئي لكنه بحاجة إلى من يساعده على ذلك, المساعدة كانت تنحصر في إجباره من حيث لا يدري على التكلم أو الانفعال الذي يجعله مضطرا للنطق, أفهمت نرجس أبو صالح أن يجعل البعض من أصدقائه في المقهى كي يستمر معه في الحديث على أن يشاركهم بسؤال وجواب أو حتى يسألوه عن كل شيء.
في اليوم التالي للوصول خرج من الصباح ليتفقد العمل وذهب أولا إلى مدرسة عبد الله للسلام على مديرها والمعلمين الذين يرتبط مع غالبيتهم بصداقات كون أكثرهم من أهل المدينة ومن رواد المقهى, كانت التهاني تنهال عليه بسلامة الوصول ونجاح العملية فيما هو يشير لهم بيديه ونظراته والدموع تنحدر على خديه أن الحمد لله على ما كتب, سأل عن عبد الله أخبره معلم الصف أنه من خيرة التلامذة بأدب وأخلاق عالية, عاد هذا الكم عليه بمزيد من الاطمئنان أن رسالته تجري وفق ما رسم الله له .
قبل الحادث كانت هناك نية لشراء قطعة أرض عبارة عن خربة خان فقدت كل معالمها وأصبحت مجرد مأوى لحيوانات أهل السوق و(البراوية) الذين يأتون محملين بالفواكه والخضر والتمور إلى سوق المدينة, المساحة كانت كبيرة وقد عزم أبو عبد الله شراء الأرض وتحويلها إلى سوق تجاري لعل الناس تستفيد من المحلات وهو أيضا يضمن أن أمواله لا يمكن أن تبقى مجرد وديعة بالبنك .
في المساء صعد إلى شقة السيد كمال الدين المحامي ليسلم عليه ويبارك له زواج ولده الذي تم بغيابه ,ثم الاستفسار عن موضوع الأرض, كان السيد قد تحسس وضع أبو عبد الله ومازحه, إني أشتريت الأرض من صاحبها وإذا أحببتها يمكن أبيعك إيها ولكن بفرق خمسمائة دينار, أخذ نفسا عميقا وقال له بالإشارة موافق وتستحق, ضحك السيد كمال الدين وقال يا رجل لا يمكن أن أعملها لقد جهزت كل العقود والرجل المالك ينتظر عودتك, قال وبالإشارة أيضا أنا لا أوقع العقد دون أن تأخذ الخمسمائة دينار .
في المساء همست نرجس بأذن أم صالح كلاما خاصا قامت على إثره ولبست عباءتها وخرجت ووجها يتهلل من الفرح, صالح وعبد الله ومريم الصغيرة تشاركهم في أداء الواجب المدرسي بكل براءة الأطفال والصراخ على أشده, نرجس كان يمتعها هذا المنظر وهذه الفوضى التي تثيرها عصافير الرمان على شجرة أبو عبد الله ,كانت مريم وينادونها تحببا بالزايرة كثيرة السؤال عن النونو القادم كلما لامست أمها بيديها البطن المنتفخة ,الجواب التي تعرفه وتسمعه كل يوم عندما تنامي وتصحو صباحا ستجدين النونو وصل من السوق, لا تفهم مريم إلا أن الصباح القادم هو موعد مجيء النونو .
لأول مرة في هذه العائلة تحدث السياسة ومشاكلها أثرا فيها، فقد سارت الأحداث التي تلت رمضان هذا العام والأسابيع التي مرت بخروج التظاهرات وحدوث الأصطدامات بين عناصر سياسية من أبناء المنطقة، وأنقسام الناس بين مؤيد لهذا ومعارض لذلك أن تحولت مقهى أبو عبدالله إلى ساحة من ساحات المواجهة بينهم, قرر مدير الشرطة أكثر من مرة أغلاق المقهى كونها مأوى للعناصر الشيوعية واليسارية, لا أحد هنا يفهم تماما ما تجري فيه الأمور ولكن الأغلاق المتكرر دفع به أن ينفعل وخرج من طوره دون أن ينتبه لمرضه وحالته الصحية, صرخ كثيرا بوجه بعض المتجمعين أمام المقهى, ابو حسن الوحيد الذي كان مسرورا لما يحدث, أنه يتكلم وبعصبية زادت من حمرة وجهه التي تحول إلى ما يشبه الأرجوانة .
السيدة التي حضرت مساء عادت لتجري اللازم مرة أخرى وتطمئن على نرجس ,كل الدلائل تشير على أنها أمام المخاض الليلة تتفاءل بعض النسوة ببعض الليالي مثل ليلة ولادة القمر أو ليلة أكتماله, القمر الساطع في ليلته متربعا وجه السماء كان البشرى والفأل الذي منح النسوة صبرا وأملا بولادة ميسرة ومبشرة بقدوم أمل متجدد، خاصة بعد ما مر على هذه العائلة من أحزان والآلام, (الجدة أم عباس) بخبرتها عرفت أن كتمان التألم من نرجس وراءه عاصفة من الألم المكبوت تراعي فيه حال الأطفال, لذا سارعن بالطلب من أبو عبد الله أن يقوم باستصحاب الأطفال في نزهة خارج البيت .
أبو صالح هو الأخر تخلص لفترة من ضغط العمل وبدأ يفكر جديا كما أخبر زوجته بأمرين، أولهما أنه يستشعر الحاجة إلى ولد أخر كما يدفعه الحنين لزيارة الأهل والأقارب، خاصة بعدما عرف الجميع هناك بأمره وأستقراره هنا, كان لا بد من تحقيق الهدفين غير أن زوجته كانت لا تمانع ولكن تطلب الوقت المناسب وموسم الزيارة على الأبواب وأبو عبد الله لم يعد كما كان سابقا إنه بحاجة إلى رجل أمين قادر على أن يمنحه الأمل بالمقاومة والنهوض مجددا .
ما حدث عصرا لم يصل خبره للبيت ولكن حسنه تفاجئت عندما أجاب عمها أبو عبد الله الجدة العجوز على طلبها، ونادى على الأطفال ليصحبهم في جولة على المدينة, كتمت الأمر على نرجس وحتى الرجل للآن لم ينتبه على أنه تكلم, الجدة أخبرته أن لا يعود قبل أن ترسل له من يخبره بالعودة, أجابه بكلمة نعم, هذه الكلمة الوحيدة التي طرقت أذان نرجس وأنستها كل ألم ومنحتها فرحة لم تكن تتوقعها أبدا .
شوارع المدينة القديمة التي تتهيأ لاستقبال شهر محرم الحرام كما العادة تزينت بالأعلام الملونة كما توشحت بالسواد وتجمعت المواكب تمثل أطراف المدينة، وبعض أصحاب المهن ومن البيوتات العتيقة من كان يحي موكب خاص به, الشيء الذي تتوجس منه الناس هنا حدة المواجهات بين سلطة الحكومة وذراعها الحرس القومي والشيوعيين الذين لم تهدأ حدة مواجهتهم للسلطة, كانت العباسية الشرقية تمثل بأكثريتها الشيوعيين ومركز قوتهم في المدينة, الغريب أن مدينة طابعها العام والخاص ديني محافظ تتحول إلى ساحة مواجهة بين أطراف لا تؤمن بالدين أساسا وأخرى تنادي بتحييد الدين لصالح القومية، والأوان أوان موسم لا يخلو من فرصة للأثارة السياسية .
الأمور في بيت أبو عبد الله وكما يبدو من تفاءل السيدة العجوز الجدة تمضي كما تشتهي سفن نرجس, الوقت مناسب ولم يعد يمض من الليل الشيء الكثير, أبو صالح الذي جاء من السوق محملا بكل ما تحتاجه العائلة وما لا تحتاجه مالئا الربل ذو النغمة المميزة بجرسه الكبير, أفرغ الحمولة وعاد ليلتحق بمعلمه وأستاذه مع الأطفال ولديه بشارة له, أخيرا وجده بعد البحث جالسا في محل نزهة الفرات المشهور بمرطباته الكربلائية يتناول الدوندرمة مع الشعيرة وبصحبة شلة الأطفال .
حرارة الجو والطقس الصيفي بدأ يفقد الكثير من شدته مع تفدم الليل في ساعاته الاولى ,الشوارع شبه هادئة بعد اضطرابات الصباح, الجو المشحون قد خفت أيضا ملامحه, أنه واحد من المساءات التي تشرح الصدور ليوم حار فائض ومتعب, جلس الرجلان وجها لوجه فيما الأطفال يتناولون المرطبات بكل براءة قال أبو حسن, عمي هل تعلم أنك اليوم تكلمت كثيرا, لم تنتبه لذلك وأعرف أن ذلك علامة الشفاء التام, أخيرا أدرك الرجل ما يدور وعادت الحمرة لوجهه والفرحة التي تكاد تفقده توازنه .
في الطريق للبيت كان أبو عبد الله كريما كعادته لم يترك شيء يمكن أن تطلبه عائلة من حلويات ومكسرات وهدايا صغيره محملا بأكياس ورقيه يحملها بفرح ,لقد أحس للتو أن الحياة قد وقفت معه مرة أخرى, لقد عاد النطق سريعا وها هو يتكلم ويثرثر الطريق كله مع الأولاد ليتأكد أنه فعلا في عالم حقيقي وليس بحالم, خطواته تتسابق ليزف البشرى لنرجس وكلما أقتربت الأقدام من دربونة أبو رمانه نبضه يعلو وتحمر وجنتاه ليلتقي بالخبر قريبا لقد شرفت تركية وهي الان تنتظر أباها .
مريم وعبد الله أول المستبشرين بقدوم تركية أنهم كانوا ينتظروا الصباح حت تأتي "الحجية "كما أخبرتهم الوالدة وهي تحملها بزنبيل من خوص وتطرق الباب وتعطيهم النونو وتذهب لتعطي ناس أخرين هديتهم, الفرح الغامر بتوكي كما يسميها عبد الله ومشاعر الفشل في رؤية الحجية اختلطت لكن الضجيج الذي احدثوه أنسى الوالد أن يحمل ما تبقى من هدايا وتركها خلف الباب, قوبل دخوله بعاصفة اخرى من الهلاهل والزغاريد كانت "الواهلية" تمطر على رأس ابو عبد الله احتفاء بتمام الشفاء وسلامة الوصول لتركية ونهوض والدتها من وضع الوضع .







اخر الافلام

.. مثقفون من -الأعلى للثقافة-: إصدارات مصطفى الفقى أيقونة علمية


.. ست الحسن - رأي -أ. محمد عبدالرحمن- في إرادات أفلام عيد الفطر


.. باريس عاصمة للريغي... في عيد الموسيقى




.. تونس: استعدادات لـ-المهرجان الدولي لسينما المناجم- في الجريص


.. صباح العربية | فسحة أمل فوق ركام الألم.. العالم يحيي يوم ال