الحوار المتمدن - موبايل



إعادة نظر في قول المسيح -إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني-

أشرف حسن منصور

2018 / 6 / 4
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


إعادة نظر في قول المسيح "إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني"
تعرضت سيرة المسيح للتحرير والصياغة بهدف إخفاء الطابع السياسي لدعوته والتعتيم على السياق السياسي للمسيحية الأولى. ذلك لأن المسيحية كانت تنتشر في ظل الإمبراطورية الرومانية، ولم يكن ممكناً لدين أن ينتشر داخل الإمبراطورية ومؤسسه قد صلبته هذه الإمبراطورية بتهمة العصيان والتمرد عليها. فكان لابد لكُتَّاب الأناجيل تقديم صورة للمسيح باعتباره مسالماً مهادناً، غير مهتم بالسياسة ورسالته أخلاقية دينية صرف، وغير عابئ بالاحتلال الروماني لبلاده، بل وتقديمه على أنه يوصي بدفع الجزية لقيصر؛ وهي صورة مشوهة تماماً ولا تتفق مع منطق التاريخ ولا مع طبيعة الإنسان والمجتمع. وعلى الرغم من كل ما تعرضت له سيرة المسيح من تحوير، فإن بعض أقواله تبرز شاهدة على مواقفه الحقيقية من الرومان ومن الهيروديين الذين كانوا يحكمون فلسطين بالوكالة عن الرومان، وهي أقوال لم يستطع كتاب الأناجيل إخفاءها نظراً لشهرتها، وهي كاشفة عن الجانب السياسي والثوري والنضالي في دعوة المسيح، ذلك الجانب الذي تعرض للتعتيم المقصود في العهد الجديد كله.
سأتناول فيما يلي أحد هذه الأقوال.
"و قال للجميع إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه و يحمل صليبه كل يوم و يتبعني" (لوقا 9: 23)
كانت هذه المقولة هدفاً للتأويلات الدينية اللاهوتية، وهي موضوعة في إنجيل لوقا وسط عبارات أخرى للمسيح تدعو للسلام بحيث تأتي كل العبارات مدعمة لمعنى السلام. فحمل الصليب وفق هذه التأويلات هو قبول المسيح المصلوب فادياً للبشرية وحاملاً عنها خطاياها، والصليب هنا ليس صليباً حقيقياً بل صليب رمزي للفداء.
لكن دعنا نضع هذه المقولة في سياقها التاريخي والسياسي لفلسطين المحتلة من قبل الرومان في القرن الأول الميلادي. كان الصلب هو عقوبة الرومان للمتمردين الخارجين على سلطة روما، وقد بالغ الرومان في معاقبة المتمردين اليهود في عصر المسيح. فعندما كان المسيح طفلاً صغيراً، أي سنة 4 قبل الميلاد حسب الأناجيل، قامت ثورة يهودية مسلحة ضد الرومان، الذين كانوا يدعمون حكم أسرة هيرود بالقوة العسكرية. ولم تستطع الحامية الرومانية في أورشليم التصدي لهذا العصيان المسلح، نظراً للأعداد الكبيرة التي شاركت فيه من اليهود، فأرسل الرومان بعد ذلك فيلقين بقيادة فاروس Varus حاكم سوريا، وقضى على العصيان المسلح، وقام بصلب 2000 من الثوار. والمؤكد أن ذكرى هذه الأحداث وما تبعها من صلب هذا العدد الكبير ظل عالقاً في أذهان الكثيرين من معاصري المسيح، ولاشك أن المسيح كان على دراية تامة به، لأن أحد أهم المشاركين في العصيان كان زعيماً دينياً من الجليل وهي الإقليم الذي جاء منه المسيح، ويسمى يهوذا الجليلي.
فلا يمكن للمسيح أن يذكر الصليب وينبه أتباعه على ضرورة حملهم للصليب كي يتبعوه دون أن يقصد بذلك معاني سياسية ثورية. خاصة وأن هذه المقولة مذكورة في إنجيل لوقا في سياق تعريف المسيح بنفسه للجموع التي تساءلت عن هويته. فالمسيح ببساطة عندما يطلب منهم حمل الصليب كل يوم يبلغهم أنهم من الممكن أن يكونوا ضحية للرومان، لأن الصلب عقوبة رومانية للمتمردين عليها. لقد كان يطلب منهم بصورة مباشرة الاستشهاد في سبيل الدعوة.
أما التأويل اللاهوتي للمقولة فيذهب إلى أن المسيح كان يعرف أنه سيصلب وكان يدعو أتباعه لقبول صلبه المستقبلي على أنه فداء للبشرية. هذا التأويل اللاهوتي يقدم المسيح على أنه شخصية دينية لاهوتية فقط، وليس له أي علاقة بواقع بلاده وأقواله بدون أي دلالات سياسية، وهذا كله خطأ. كما أن الصليب في التأويل اللاهوتي مجرد رمز، في حين أن المسيح كان يقصد الصليب الحقيقي كعقوبة رومانية. إنه يبلغهم أنهم سيتعرضون للصلب، وليس هو. إنه يبلغهم أن طريق دعوته يتطلب أقصى تضحية بالنفس. ولا يمكن لدعوة تنتهي بالصلب إلا أن تكون دعوة نضالية ثورية ضد الرومان. هذه هي الحقيقة التي أراد كتاب الأناجيل إخفاءها. مقولة المسيح هي دعوة صريحة لمواجهة الرومان، وقد حدث هذا بالفعل بعد المسيح، في الحرب اليهودية ضد الرومان في 66 – 70 ميلادية، والتي انتهت بتدمير الهيكل وأورشليم كلها وفلسطين كلها.
كيف ليسوع أن يكون منتمياً لمجتمع يعاني من الاحتلال الروماني ومن تدنيس الرومان الوثنيين لمقدساته بوضع شعاراتهم العسكرية وتماثيل آلهتهم وأباطرتهم في المعبد المقدس، دون أن يتخذ من الرومان موقفاً؟ تكشف الأناجيل عن يسوع مثالي حالم، لا يهتم بالسياسة ولا بالواقع الفعلي لليهود، وهي صورة مشوهة تماماً. لكن من قراءتنا للأناجيل نستطيع أن نستشف شخصية يسوع الحقيقية، لقد كان غيوراً على دينه إلى أقصى حد، ولم يكن من الممكن أن يكون مسالماً مهادناً مع الرومان الوثنيين الذين يدنسون مقدساته. عندما يبلغ يسوع أتباعه بضرورة حملهم للصليب، فهو يدعوهم للثورة على الرومان، ولم يكن من الممكن لمستمعيه من اليهود أن تأتي على أذهانهم الدلالات اللاهوتية للصلب والتي ارتبطت بدعوة المسيح بعد ذلك، فهذه الدلالات التي أضفاها بولس الرسول في صنعه لدين جديد لم تكن في الأفق الفكري والعقلي لليهود الذين كان المسيح يخاطبهم. عندما تتحدث مع شعب محتل وتقول له احمل الصليب، فأنت تدعوه ببساطة إلى الثورة على القوة المحتلة. مقولة المسيح ثورية إلى أقصى حد، مهما حاولت التأويلات اللاهوتية تغيير طبيعتها.







التعليقات


1 - ما هو دين بولس
طاهر المصرى ( 2018 / 6 / 4 - 18:51 )
الأستاذ/ أشرف حسن
تحية طيبة,
قرأت المقال بعناية نظراً لأننى قرأت ودرست الكتاب المقدس بعهديه العهد القديم والعهد الجديد( الأنجيل) إلى جانب القرآن، وأعتقد أن الأديان الثلاثة من صنع أيادى بشرية ولا يمكن تصور إله أو آلهة بهذه الصور التى يتحدثون بلسانه فى كتبهم المقدسة، لأنها صورة إنسان قزم ضعيف يحقد ويكره البشر لدرجة أنه مهتم جداً ولا ينعس ولا ينام وأخترع جحيم النار والعذاب الأبدى فى الأديان الثلاثة.
لكن موضوع أن بولس صنع ديانة جديدة فهذا الموضع سمعته وقرأته مرات كثيرة فى المنتديات ومواقع التواصل لكنى لم اكن أهتم بتلك الأفكار السطحية نظراً للخصومة والتعصب الكبير من المسلمين ضد المسيحيين وهذا طبيعى، لكنى وجدتك سيدى تكرر هذه العبارة أى أن بولس صنع ديانة جديدة بعد موت المسيح وتفرق حوارييه وتلامذته، ما هى تلك الديانة المسيحية أو البولسية الجديدة؟ هل أسسها موجودة فى رسائل بولس أم فى أناجيل العهد الجديد التى كتبها الحواريين؟
وخلاصة هذه الديانة البولسية الجديدة ما هو هدفها وماذا تريد تحقيقه عكس تعاليم المسيح عيسى؟
مع خالص الشكر


2 - هداف السيد المسيح خلاص البشرية ونشر المحبة
مروان سعيد ( 2018 / 6 / 4 - 21:36 )
تحية للاستاذ اشرف حسن منصور وتحيتي للجميع
ليس من عادة السيد المسيح ان يحابي وان يخاف من كلمته وهو القائل
بل ليكن كلامكم: نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير.
ولعلك فهمت اهداف السيد المسيح اكثر من تلاميذه فجميعهم فهموا ان دعوته سلمية وليس اهداف سياسية ولا تحرر من الرومان لاانه هو العارف بالمستقبل وهو الانبئئهم بهدم الهيكل وهو المتحكم بزمام جميع الامور
وان قولك غير صحيح بالنسبة لبولس هو لم ياتي بشيء جديد وعندما يوصي شيئ جديد يقول هذا رائيي
وجميع التلاميذ نادوا بالمحبة والسلام والابتعاد عن الشرور
انصحك ارجع اقراء الانجيل جيدا والرسائل جميعها يوحنا وبطرس وبولس وكلها متشابهة وتدعوا لعدم مقاومة الشر بالشر
وهذه من تنبات السيد المسيح بخراب الهيكل في متى 24
ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكي يروه ابنية الهيكل. 2 فقال لهم يسوع: «اما تنظرون جميع هذه؟ الحق اقول لكم انه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض!».
وحصل هذا بحزافيره حيث لم يبقى حجر على حجر حيث احترق الهيكل وذاب الذهب فبدء الجنود يهدوه حجر حجر لياخذوا الذهب
ومودتي للجميع


3 - عندما تتحول العقوبة الي ديانة
محمد البدري ( 2018 / 6 / 4 - 23:04 )
المسيحية مشكلة في حد ذاتها كونها تأسست علي مازوخية قبول الصليب؟ قبل سبعين عاما من ولاده المسيح تم صلب سبارتاكوس. وهي عقوبة رومانية ليست من الديانة في شئ بل هي اداه لتركيع البشر هكذا اصبح الصليب رمز لكل من تناله عقوبة مواجه سلطة الرومان وهي سلطة وثنية، اكرر سلطة وثنيه. فجأة تنقلب الامور ويصبح حب العذاب واستعذابه والخوزأة علي الصليب عقيدة. اي ان الضحية جعل من جلاده رمزا ومن العقوبة حبا واخلاصا. قرار قسطنطين باعتماد المسيحية ديانه لروما كان قرارا ذكيا بان جعل عقوبته ديانة. اصبحت العقوبة عقيدة والصلب فداء وخلاص. لهذا سادت المسيحية وظل المسيحيين محكومين بنفس القهر للحكام. قول المسيح: فليحمل صليبه ويتبعني، هو اعتماد للاحكام الرومانية الوثنية. فماذا كانت النتيجة بهذه التعاليم؟ كانت عصور الظلام التي دخلت فيها اوروبا. ولم ينقذها الا الفلسفة اليونانية طوال العصر المدرسي بدءا من القرن 11 م وحتي بدايات النهضة ثم التنوير. تحياتي


4 - المقالة غير دقيقة و الكاتب يفتقر الى المعلومات
حسام بطرس ( 2018 / 6 / 5 - 00:56 )
المقالة قفزت على حقيقة واخدة انا عمدا او بسبب نقص المعلومات الدينية للكاتب عن المسيحية و اقصد بذلك ان من صلب المسيح هم اليهود و ليس الحاكم الروماني بل ان الحاكم الروماني بيلاطس مسح يديه تعبيرا عن براءته من دم المسيح و قال انني لا اجد انه عمل شيئا يستحق عقوبة الصلب و لكن اليهود قالوا الحاكم الروماني انه يُقول انه ابن الله و هذا تجديف كبير في ديانتنا يستحق عليه عقوبة الموت في محاولة اخيرة من الحاكم الروماني لإعطاء فرصة لإنقاذ المسيح قال لليهود انه


5 - الاستاذ محمد البدري المحترم
مروان سعيد ( 2018 / 6 / 10 - 18:21 )
تحية لك وللجميع
من الذي سينتصر ويغلب بالاخر هل الحرب ام السلم
نعم لقد تراجعت المسيحية وتشوهت تعاليمها بعصر الدولة الرومانية
السيد المسيح لم يدعوا لدولة او مملكة بل يدعوا لااقامة المحبة والسلام والحوار الراقي المتمدن
ببداية عصر المسيح انتهى عصر العضلات وبداء عصر التعايش السلمي والرقي
من ينتصر في الحروب والتصارع القبلي الديني
نشاهد اليوم ما يحصل الاخ يقتل اخاه والابن يقتل ابيه وامه من اجل ماذا لااحد يعرف
وبالنسبة للصليب هو قوة الله لاانه بالصليب تم الخلاص للبشرية وبالصليب قسم التاريخ لقسمين ما قبل الصليب وما بعده اي انتهى عصر النقمة والهمجية وابتداء عصر النعمة والرقي
شاهدت حضرتك وانت تحاضر ولكنك لم تحمل السيف وتضرب به مخالفينك بالرائي وفضلت الحوار والسلام عن حمل السلاح وهذا يعني انك من مناصري الصليب
انت لم تفهم الف باء الصليب انه الفداء العظيم الذي وعد به الله ابنائه انه المصالحة العظمة بين الله والبشر انه فكر راقي يمثل تنازل الله بيسوع المسيح لنا لاانه احبنا اولا وحمل خطايانا واثامنا لذا نحن نحبه ونؤمن بتعاليمه لاانها قارب النجاة
وهذه من اشعيا 53
يتبع رجاء


6 - الاستاذ محمد البدري المحترم 2
مروان سعيد ( 2018 / 6 / 10 - 18:32 )
من صدق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب. 2 نبت قدامه كفرخ وكعرق من ارض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ولا منظر فنشتهيه. 3 محتقر ومخذول من الناس رجل اوجاع ومختبر الحزن وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به 4 لكن احزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. 5 وهو مجروح لاجل معاصينا مسحوق لاجل اثامنا تاديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. 6 كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد الى طريقه والرب وضع عليه اثم جميعنا. 7 ظلم اما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق الى الذبح وكنعجة صامتة امام جازيها فلم يفتح فاه. 8
هذه النبؤة قبل مئات السنين تخبرنا بعمل الرب وطريق الالام
نحن لسنا جبناء استاذ محمد ولكن اكتشفنا بالعلم والنصاحة مقاومة الشر بالشر طريقة غبية وليس لها نهاية كقبيلتين قتل احدهم فيجب الانتقام فيقتلوا واحد من القبيلة الثانية فيردوا الانتقام وهذا الى ان ينهوا بعضهم
وتصور لو قاوم اهلنا في العراق الدواعش فكانوا سيبادون بدم بارد ليه لانه ليس لديهم اسلحة مثلهم فيفضل الانسحاب ودع الله يتدخل وانظر نهايتهم
ومودتي للجميع

اخر الافلام

.. ترامب يهدد صناع السيارات في أوروبا..


.. مرآة الصحافة 24/06/2018


.. نشرة الإشارة الأولى 2018/6/24




.. ميليشيات الحوثي تتكبد خسائر فادحة في الحديدة


.. إثيوبيا تعتقل مسؤولا أمنيا على خلفية تفجير السبت