الحوار المتمدن - موبايل



حول التنظيم العمالي - المجالس العمالية- الجزء الأول

نادية محمود

2018 / 6 / 4
الحركة العمالية والنقابية


تتداول صفحات التواصل الاجتماعي وخاصة من قبل النقابيين والمهمتين بالشأن النقابي او التنظيم العمالي، بعض التعليقات والردود والرسائل المرسلة من قبل النقابات العمالية عشية طرح مقترح قانون جديد للنقابات وفق اتفاقية العمل الدولية رقم 87. من المقرر ان يقر القانون الجديد التعددية وحرية التنظيم في القطاع العام، من ضمن ما سيشلمه انه سيقوم بتكييف النقابات العمالية، اي بمعنى ان النقابات التي لا يثبت ان لديها اعضاء في ذات الموقع التي تدعي تمثيله قد يصار الى عدم اعطائها الشرعية... وهكذا، لا زال القانون يناقش من قبل وزارة العمل ويجري الحديث الى انه سيجري العمل على تطويره مع الاتحادات العمالية.
والى ذلك الحين، يمكن التاكيد على ان هنالك قضيتين تسيران جنبا الى جنب مع بعضهما البعض، الاولي هي وجود عدد من النقابات العمالية العاملة الان في العراق، البعض منها يؤكد على ان عضويتها تصل الى الاف العمال، سواء كانت هذه الارقام دقيقة او غير دقيقة، ومن جهة اخرى، العمال يقومون باعتصاماتهم، واضراباتهم، دون علم او حتى اتصال مع النقابات العمالية. اي ان العمال يمارسون الدفاع عن حياتهم ومعاشهم بشكل طبيعي، وضمن ما يتفقون عليه من مطالب وعبر استخدام التجمع العمالي الذي يقرون عليه الاعتصام او الاضراب، من حيث تحديد المطلب، وقت الاضراب، المكان، الوفد المفاوض مع الجهات المسؤولة، تشكيل لجنة للتفاضو وهكذا.
في هذا المقال، اريد ان القي الضوء على شكل من اشكال التنظيم العمالي، والذي ابتدعه العمال ولاول مرة في روسيا في ثورة 1905 الا وهو المجالس العمالية. من الواضح اننا حين نتحدث عن الطبقة العاملة، وعن التنظيمات العمالية، او عن امكانية وجود مجالس عمالية في العراق، اول ما يبادرنا الاخرون بالسؤال: وهل توجد طبقة عاملة في العراق؟ هذا السؤال لم يوجه الينا من قبل البرجوازيين او الرأسماليين -لانهم يعرفون عن وجود هذه الطبقة- بل من ناس يعرفون انفسهم انهم اشتراكيون او حتى شيوعيون. ان هذا يدلل على ان الشيوعية انفصلت لدى البعض ممن يسمون انفسهم شيوعيون او اشتراكيون، فصلا تاما عن الطبقة العاملة من حيث كونها طبقة مستقلة، لها صراعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع الطبقة البرجوازية ومن ثم لها افاقها وبديلها السياسي لادارة الدولة والمجتمع.
اي كان حجم وعدد الطبقة العاملة في العراق، تثبت الاضرابات المتواصلة في السنوات الخمس عشر الاخيرة والاعتصامات، ان هذه الطبقة حية. وبغض النظر عن عدد العمال في العراق، فكما قلنا في مقالات سابقة، قطاع النفط وهو من اهم القطاعات، لا يشغل اكثر من 1% من ايدي الطبقة العاملة في العراق. واذا افترضنا عن عدد العمال في العراق هو 7 ملايين، هذا يعني ان قطاع النفط وحده يشغل 700 الف عامل. ربما يبدو هذا الرقم مبالغ فيه، حيث ان التقدير ان عدد عمال النفط في العراق يبلغ 30 الف عامل.
في هذه المقالة اؤكد على ان المجالس العمالية لها راهنية وذات صلة بنضال العمال اليوم في العراق، خاصة وان العراق يسير ومنذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي نحو تبني قوانين السوق، الخصخصة، تراجع دولة الدولة ومسؤوليتها تجاه المواطن، وترك الاخير اسير تتلاعب به قوانين السوق. هذا التحول اخذ اشكالا اوضح بعد عام 2003. وان الاشكال التنظيمية التي لجأ اليها العمال في العراق في تنظيم اضراباتهم واعتصاماتهم، تملك على الاقل الملامح الاولية للمجالس، او على الاقل نواتات مجالس عمالية. حيث ان الاضرابات دائما استندت الى التجمع العام، وهو الشكل التنظيمي الاول الذي يلجأ له العمال لتنظيم اضراباتهم.
في البدء لا بد ان نعرّف ما هي المجالس العمالية، المجالس هي شكل من اشكال التنظيم العمالي، والذي ابتدعه العمال لاول مرة في روسيا في ثورة عام 1905. تشكلت المجالس العمالية بشكل عفوي او شبه عفوي ومباشر وتلقائي من العمال. اي ان المجلس العمالي لا يشكل من الاعلى الى الاسفل، ولا يشكل من قبل حزب سياسي او اتحاد او نقابة عمالية بشكل فوقي ومن الاعلى، وان كان لنشطائها علاقات مع احزاب سياسية او نقابات، الا انها تتشكل بمبادرة ذاتية من العمال انفسهم. ان بساطة هذا الشكل من التنظيم يدفع العمال الى اللجوء اليه واستخدامه، حيث لضرورات الموقف الذي يتواجه معه العمال يقتضي هذا النوع من التنظيم. اي انه نبع من حاجاتهم هم ومن القضايا التي يريدون التصدي لها ولم يرم لها من فوق. ان العمال حين يقتضي الموقف لا يمضون الى البحث عن اشكال تنظيمية معقدة، او ادارية او بيروقراطية، بل يمضون على الفور الى ايجاد ابسط واول شكل من التنظيم الذي يخدم قضيتهم، ومن هذه الاشكال التجمع العام والمجلس العمالي.
ان المسالة الاساسية في تنظيم المجلس هو ان الصلة التي تجمع العمال هو ارتباطهم ببعضهم البعض بفعل وجودهم في عملية الانتاج. حيث ان عملية الانتاح هي الرابطة الوحيدة التي جمعت العمال. العمال موجودون في مصنع او معمل او مكان انتاجي اخر بفعل تلك العلاقة الاقتصادية التي ربطتهم مع بعضهم البعض، والتي قام بها رب العمل، سواء كانت الدولة او راسمالي فرد.
بساطة هذا الشكل من التنظيم جعل العمال في كل انحاء العالم يتجهون اليه ويستخدمونه. ربما في دول وفي اماكن في العالم لم تسمع عن هذا النمط من التنظيم، ولكن المستلزمات والارضية التي تدفع العمال المعترضين في مكان عمل انتاجي محدد يتوصلون الى ذات الصيغة وذات الشكل التنظيمي الذي توصل اليه عمال اخرين في اماكن اخرى من العالم. من قبل جماعات من العمال ربما لم يكونوا على اطلاع على مثل هذه الاشكال التنظيمية في اماكن اخرى في العالم. ارقى اشكال التنظيم المجالسي هو ما ظهر في السوفييتات، وادنى اشكال هذه التنظيم هو تشكيل لجان تمثل العمال في العمل.
ان المجالس العمالية وان كانت تظهر بشكل اولي في تنظيم الاحتجاجات والاعتراضات الاقتصادية للعمال، الا انها في اوقات استعار الصراع الطبقي، تظهر وتعبر عن نفسها، حالها حال الاشكال الاعتراضية الاخرى في الصراع الطبقي مثل الاضراب العام، الاحتلال، والعصيان والخ. ففيما يخص الدور السياسي، فان المجالس العمالية كما ذكرنا اعلاه تأسس في اوضاع الثورة في روسيا في عام 1905، وقد تكرر تشكيل هذا النوع من المجالس في اماكن اخرى في العالم مثل المانيا عام 1918، وايطاليا في نهاية العشرينات من القرن الماضي، وهنغاريا عام 1956، وايران عام 1978، وكردستان العراق اوائل 1991 - 1992، الارجنتين في اوائل القرن الحادي والعشرين.. وهكذا.
اي ان مسار تشكيل المجالس العمالية يوضح دور الطبقة العاملة ليس في صراعها مع ارباب العمل حول مطالب اقتصادية معينة، بل يقدم المجلس العمالي اطارا تنظيميا للطبقة العاملة تعبر عن نفسها سياسيا وتطرح مواقفها لاحداث تغيير جذري في المجتمع. ان مجالس العمال باعتبارها اداة لتنظيم الاحتجاج في قلب الطبقة العاملة، يمكن ان تلعب دورا و لها القدرة على احداث تحول سياسي، بل الاكثر من هذا ان تطرح نفسها كبديل للسلطة السياسية تمثل الطبقة العاملة بوجه السلطة السياسية للطبقة الرأسمالية. فنواتات المقاومة التي اظهرتها في المعامل والمصانع يمكن، ان تتبدى على نطاق اوسع، شامل وقطري.
ان احد اهم سمات المجالس العمالية، هي بقدر ما تعمل وتتحرك كاداة تنظيمية للعمال، تلعب دور ايضا بالتحول السياسي وطرح نفسها كبديل للسلطة. كشكل منظم من قبل العمال، تحديها للدولة البرجوازية و طرحها لنفسها كأداة او ناقل للتغيير في المجتمع.
تقوم المجالس العمالية باختيار مندوبيها، وكل مندوب يمثل جمهرة الناخبين التي قد تتراوح الى المئات، وبشكل مباشر. واهم ميزة من ميزات المجالسية هي ان كل ممثل قابل للاستبدال في اي وقت. الامر الذي يعطي ميزة للمجالس العمالية، وهي تعبيرعن الديمقراطية والتمثيل المباشر لناخبيها. وهؤلاء الممثلين او المندوبين قابلين للمحاسبة وقابلين للتغيير في اية لحظة ينأوون بها عن مصالح ومطالب منتخيبهم. اي ان السمة الاساسية في المجالس هي قدرتها على ازاحة اي مندوب وبشكل فوري واستبداله بممثل اخر وفي الحال. اي على عكس الديمقراطية البرجوازية التي تعتبر المجتمع هو تجمع من اشخاص مستقلين واحرار، يطرح الشيوعيون المجالس العمالية مسالة التمثيل كتمثيل طبقي، حيث تقوم المجالس العمالية بتمثيل الطبقة العاملة، والتعبير عن ارادتها، وتقوم بازالة اي ممثل ينحرف عن تمثيل ارادة العمال.
بالنسبة للشيوعيين بدون تشكيل المجالس او هيئات مشابهة يصبح انتصار العمال في عداد المستحيل. لان هذه الاطر مرتبطة بدفع توازن القوى لصالح الطبقة العاملة بوجه الرأسمالية للامام، القدرة على ايجاد سلطة مزدوجة تظهر فيها الطبقة العاملة قدرتها وادارتها السياسية، جنبا الى جنب مؤسسات الدولة البرجوازية التي بدأت تفقد مواقعها لصالح المجالس العمالية. اي ان المجالس لعمالية تقوم بالادارة الذاتية من الاسفل. من المؤكد ان هذا يستدعي تنظيما عماليا ينطوي على التضامن ووحدة الطبقة العاملة، واولا وقبل كل شيء ارتفاع درجات وعيها الطبقي.
من المعلوم ان المجالس، والتي نشأت لاول في ثورة روسيا لم تتشكل وتتكون كلها دفعة واحدة، حاملة نفس السمات كما ظهرت في اكتوبر 1905، بل انها نتجت عن اشكال سابقة للتنظيم بين العمال، وانها عدلت من اطرها بمرور الايام. وبدأت تكتسب شكلها وملامحها عبر مسار التحولات الذي مرت به المنظمات العمالية المناضلة في استعار الصراع. لقد اؤسست من قبل الجماهير، وكانت تتحول من شكل الى اخر، تتغير في كل خطوة، تزيل بعض العوامل، وتضيف اخرى، احيانا تعقد الاجراءات، واحيانا تبسطها. في بعض الاماكن تطورت المجالس عن لجان الاضرابات التي شكلها عمال القطارات، في اماكن اخرى، تطورت عن لجان الورش. اي انها لم تنشأ كلها مرة واحدة وبشكل واحد، بل تطورت وبرزت ملامحها حيث بلغت الحركة الثورية الذروة.
تقول شيلا كوهين ان المجالس العمالية من عام 1840 الى القرن الحادي والعشرين تثبت ان "صلاحية" المجالس العمالية لم تنتهي، وهي مفيدة كأطار تنظيمي لعالمنا اليوم. وبما ان العراق ليس استثناءا مع كل الاوضاع الصعبة والمعقدة التي تمر بها الطبقة العاملة في العراق والاوضاع المعاشية للجماهير سواء في احيائهم او في اماكن عملهم، يمكن ان تكون المجالس العمالية اطارا لتنظيم العمال اقتصاديا وان يكون لها دورا سياسيا ايضا. خصوصا وان العراق يتجه لتبني السياسات النيوليبرالية او الاقتصاد الحر الجديد، وما ستجلبه من انتهاكات وحرمانات جديدة على الجماهير في ظل هيمنة قوانين السوق.
واذن خصائص المجالس العمالية هي كالتالي: استنادها الى التمثيل المباشر من العمال، او الديمقراطية المباشرة. السمة الثانية: هي عفويتها، اي لا تشكل بشكل فوقي من قبل اي حزب او اتحاد، اونقابة، بل انها تنبع من العمال ذاتهم، وليس من خارجهم. ثالثا، قدرتها وخصيصتها الرئيسية على ازالة وعلى الفور كل شخص لا يمثل العمال. ان اهمية التفكير بالمجالس العمالية هي تذكير للقوى الاشتراكية باهمية تنظيم "الطبقة"، هذا المصطلح الذي اريد به ان يدفع الى الخلف والى الهامش، لتحل محلة هويات اخرى، الطائفية والقومية والدينية، والعرقية وغيرها. في العدد القادم، سنستعرض تجارب المجالس العمالية في بعض الاماكن في العالم.
نهاية الجزء الاول







اخر الافلام

.. هل بدأت معاناة المصريين مع زمن التقشف


.. اتحاد نقابات عمال النرويج يضع آلية لمقاطعة إسرائيل


.. زمن التقشف في مصر




.. اتحاد نقابات عمال النرويج يضع آلية لمقاطعة إسرائيل


.. الغلاء يعكر فرحة الأردنيين بالعيد