الحوار المتمدن - موبايل



تناقضات النموذج ( التنموي ) الجزائري -- ازمة زراعة ، فشل صناعة .

سعيد الوجاني

2018 / 6 / 5
مواضيع وابحاث سياسية



قلنا في الحلقات السابقة ، ان الانقلاب العسكري الذي قاده الهواري بومدين ضد اول رئيس اشتراكي احمد بن بلة ، وبدعم وتجويه من ( ك ج ب ) الروسية ، هو السبب الرئيسي فيما آلت اليه الأوضاع اليوم ، وعلى جميع المستويات ، من اقتصادية واجتماعية بالجزائر ، رغم وجود بترول وغاز .
فبعد دخول ما كان يطلق عليه ب ( النظام الاشتراكي ) النفق المسدود ، الذي لم يكن في الحقيقة سوى دكتاتورية مفروضة من قبل صقور الجيش وصقور جبهة التحرير الوطني ، في تبادل للأدوار في شكل مسرحية ، عند تولي قصر المرادية ، حتى تخلى النظام عن ( الاقتصاد الاشتراكي ) الموجه الذي فشل فشلا ذريعا ، وارتمى بدون مقدمات في اقتصاد السوق ، التي تتطلب معايير خاصة ، كربط التحول الاقتصادي بمنهج أيديولوجي يضمن نجاح التحول ، ويضمن تحديات المرحلة التي تمت معالجتها معالجة تقنية وليست أيديولوجية ، وهو نفس الفشل حصدته تجربة البعث في سوريا وفي العراق ، وفي مصر الناصرية ، وهي نفس التجربة كانت ستعرف نفس المصير في المغرب فيما لو تم الاقتداء تقليدا بنفس تلك التجارب التقنوية المجردة من أي تحليل أيديولوجي . فما عكسه سلامة موسى بالشرق العربي ، نفسه عكسه المهدي بن بركة في غرب شمال افريقيا .
ومن خلال تحليل المعطيات التي افرزتها التجربة ( الاشتراكية ) الجزائرية المغشوشة ، والتي لم تكن في الحقيقة سوى ( اشتراكية ) صقور الجبهة والجيش ، الذين استحوذوا على ثروة الشعب ، وضرب كل طبقات المجتمع ، خاصة تلك التي كانت تتطلع للعب دور في الاقتصاد الجزائري ، فإننا سنصل الى خلاصة لا ينكرها غير جاحد ، وهي ان اول تناقض جوهري سيفجر ( النموذج التنموي الجزائري ) ، هو فشل ما اسماه النظام ب ( الثورة الزراعية ) . ففي الوقت الذي كان فيه النظام يعتقد انه سجل اهم إنجازاته الصناعية ، خاصة البتروكيمايوات التي أصبحت اليوم في ازمة ، كانت الزراعة تمر بأعمق ازمة لم تشاهد مثلها حتى خلال الحقبة الكلونيالية نفسها . ويمكن ان نجمل تمثلات الازمة الزراعية في المظاهر الأساسية التالية :
1 ) الهجوم على الأراضي الزراعية الغنية التي تركها الكلونيال ، من قبل محاربين ، وحزبيين ، ومن قبل ضباط كبار في الجيش . وقد اثر هذا التحول سلبيا في القطاع الزراعي ، بسبب انعدام الكفاءة ،والتخصص ، والموارد اللازمة للاستثمار .
2 ) انخفاض المردود الزراعي ، بل تراجعه بشكل مثير في اغلب المنتجات الزراعية . بسبب الكُلْخُوزاتْ ، وضرب المبادرة الحرة ، بل قتلها بسبب شعارات لا علاقة لها ب ( الاشتراكية ) المشوهة .
3 ) تزايد حجم هجرة الفلاحين الى المدن الكبرى ، حيث كانوا يشتغلون في الضيعات التي كان يسيرها المعمرون الفرنسيون .
4 ) تصاعد نسبة نزوح الفلاحين الشباب الى فرنسا واوربة .
5 ) اضطرار النظام العسكريتاري التوتاليتاري الجزائري ، للرفع من حجم استيراد المواد الزراعية ، نتيجة ضعف الإنتاج .
6 ) ضعف القوة الشرائية لدا الجماهير ، الناجم عن الغلاء المتزايد في اسعار المواد الزراعية والغذائية .
ان ازمة الزراعة لم تكن مشكلة في حد ذاتها ، وعلى المنظور المتوسط ، خاصة وان النموذج الذي اولاه العسكر وصقور الجبهة عناية واهتماما ، كانت صناعة البتروكيماويات والصناعة الثقيلة ، التي ستدخل ازمتها على المنظور البعيد كما نشاهد ذلك اليوم . فالاستثمارات التي خصصها النظام للصناعة التي فشلت ، لو كان قد خصصها للزراعة لكان وجه الجزائر اليوم مغايرا للحالة التي تتواجد عليها في العشرية الثانية من الالفية الثالثة . فالمشكلة الزراعية أضحت فعلا مشكلة عويصة ، لأنها في حد ذاتها أصبحت تهدد النموذج نفسه ، الذي راهن على الصناعة ، والذي هو حجر الزاوية في بنيان مشروع ( برجوازية الدولة ) كله . ذلك ان ازمة الزراعة تعرقل المشروع التصنيعي الجزائري من ناحيتين أساسيتين :
الأولى : بما ان مصدر التمويل الأساسي الذي تعتمد عليه الاستثمارات الصناعية الجزائرية يقوم على عائدات الغاز والنفط ، فان انخفاض الإنتاج الزراعي الناجم عن ازمة الزراعة ، يفرض على النظام العسكريتاري ، اللجوء الى استيراد كميات متزايدة باستمرار ، من المواد الزراعية والغذائية بأسعار مرتفعة ، الامر الذي يقود الى تحويل نسبة ضخمة من عائدات النفط والغاز ، المخصصة أصلا لتمويل الصناعة ، لتغطية العجز الغذائي الذي تعاني منه الجزائر اليوم ، حيث كل سلعها الزراعية والغذائية مستوردة من خارج الجزائر ، وهو ما يجعلها في وضعية تبعية ، تتناقض مع شعارات ك ( ككوبا افريقيا ) ( يابان العالم الثالث ) ( الديمقراطية الاشتراكية ) ( مكة الثوار ) . فوضع الجزائر اليوم كارثي وبامتياز وعلى جميع الأصعدة . ومن ثم فالنظام يبحث عن تهريب ازمته الى خارج الحدود من خلال التشبث بعظم الجمهورية العربية الصحراوية .
والثاني : فان احدى الشروط الأساسية للتراكم الرأسمالي الصناعي أصلا لتمويل الصناعة ، تكمن في ضمان اقل كلفة ممكنة بالنسبة لقوة عمل الطبقة العاملة الصناعية . لكن اضطرار النظام لاستيراد مواد زراعية وغذائية بأثمان باهظة وجد مرتفعة ، يجعل تلك الكلفة ترتفع ، مما يؤدي الى انخفاض معدل الربح .
إذا كانت المسألة الزراعية تمثل التناقض الجوهري الأول الذي فجر( نموذج التنمية ) الجزائرية ، فان التناقض الجوهري الثاني الذي قاد الى نفس النتيجة ، يكمن في طبيعة ذلك ( النموذج ) نفسه . فاستراتيجية التصنيع كما حددها ( النموذج ) ، تقوم على التكنولوجية المتطورة جدا ، والمستوردة من الغرب ، خاصة من فرنسا الذي ظل النظام مرتبطا بها اقتصاديا وثقافيا ، الامر الذي يدفع في نهاية المطاف الى مأزق كبير يصعب الخروج منه ، وهذا للاعتبارين التاليين :
الأول : ان التصنيع القائم على التكنولوجية المتطورة ، لن يكون من شأنه سوى تشغيل نسبة ضئيلة من العمال ، الشيء الذي يؤدي حتما الى تفاقم البطالة ، خصوصا في شروط ازمة الزراعة التي ينجم عنها تصاعد الهجرة من البادية الى المدينة .
والثاني : ان اعتماد التصنيع على التكنلوجية المتطورة ، يجعل الإنتاجية تكون عالية جدا ، وفي شروط وجود سوق محلية متقلصة وضعيفة يصبح التناقض هو ما بين تضخم الإنتاج ، وضعف الطلب ، وتدني الاستهلاك .
فكيف حاول النظام العسكريتاري التوتاليتاري الجزائري ، إذن حل هذين التناقضين اللذين هددا ( نموذجه التنموي ) بالنسف ؟
( يتبع )







اخر الافلام

.. شاهد: حول العالم في أسبوع من الصور


.. المغرب..خطة حكومية للقضاء على الأحياء العشوائية


.. توقيع اتفاقيات تعاون بين روسيا وسوريا




.. قناة العربية - البث المباشر


.. البرلمان الأوروبي ينتقد مصر حقوقيا ويشجب التعاون الأمني معها