الحوار المتمدن - موبايل



الهَيُولى السياسية: مُواطن قابلٌّ للاستعمال

سامي عبد العال

2018 / 6 / 7
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أبرز سلبيات السياسةِ أنْ يتحول المواطن إلى كائن عديم المعالم والسمات، وفوق ذلك يكون قابلاً للاستعمال على المدى البعيد. أي أنَّه يصبحُ مفعولاً به وأداةً يحتاجها النظام الحاكم لتجميل صورته وحرق المراحل وترويج العناوين البراقة لممارساته وانتزاع ردود الأفعال إزاء استمراريته.

كلمة مواطن كلمة غريبة وربما خرافية إلى درجةِ اللعنة داخل الثقافة العربية. لأنَّها تشترط وجودَ دولةٍ أولاً حتى يستحق مسماه. والدولة تفترض- أو هكذا يجب - وجود الديمقراطية التي هي ما تؤسس حالة المُواطنة. وهي أشبه بحالة الهَيُولى الأولى عند فلاسفة اليونان كمادة خام لم تتشكل وتسري في تكوين العالم والوجود والأشياء. والهيولى السياسية هي المادة السارية في بنية الدولة عربياً.

الهَيُولى ( Hyle ) مصطلح يوناني يعنى الأصل أو المادة، وهى واحدة في جميع الأشياء، الجماد والنبات والحيوان. بينما تتباين الكائنات في الصور وحسب، فالموضوع الهيولى بذاته لا صورة له ولا صفة. لذلك يحتاج إلي الصورة لكي تجعله يصنف وينبثق للوجود ويظهر وتبرز معالمه. والصورة بمثابة مبدأ يعين الهيولى ويعطيها ماهيةً خاصة. أما بصدد الكائنات، فالهيولي والصورة لا تنفصلان إذ يتكون كل موجود من كلتاهما. وتسمى الهيولى بالجوهر المادي. وفي فلسفة أرسطو يطلق على الشيء- بهَيُولاه وصورته- اسم الجوهر، ومن الجواهر المختلفة تتكون الحقيقة.

وسياسياً الدولة هي الصورة التي تحدد هَيُولى الشعب وأفعاله وما عساه أنْ يكون. ولا يخفى على القارئ أنَّ حالاً كهذا يعكس أوضاعاً تعيشها المجتمعات النامية، لا يعرف المواطن ماهيته ولا حقوقه ولا فاعليته السياسية ولا قيمته المعرفية بالنسبة لبناء الدولة والمجتمع. وقد تحولت الدولة العربية بمجملها إلى غرفة ضخمة لتغيير الملابس والأقنعة والانتماء والتوظيف لمواطنيها. وعلى الجميع ارتياد الغرفة " عرايا " حتى يُفصِّل النظامُ أزياءً سياسيةً يلونها تبعاً لتوجهاته.

المواطن اللا متعين، الأبهم هو محصلة لقرون من التخلف والقهر السياسي. الأنظمة السياسية العربية تحرص على ألاَّ يكون المواطن ضمن معجم الحياة العامة. لغة الحياة اليومية لا تألوا جهداً في إهماله، تركه كلافتة بيضاء تنتظر من يسودها. وعلى الحاكم، السلطان، الملك – وللحقيقة هم يدركون جيداً- كيف يجعلون مواطنيهم بلا وجوه، بلا أرادة، بلا محتوى، بلا تاريخ، بلا أية أدوات نفي ورفض.

وقبل أنْ يقول الحاكم العربي ماذا يكون المواطن، على الأخير المبادرة بإعلان الولاء والطاعة لكلِّ من يقابله. ليس هذا اختياراً كانت الشعوب قادرة على انجازه في بعض الفترات، لكنه إكراه يصل حد الإلزام اليومي. الظاهرة البارزة لدى الشعوب العربية هي عملية النسيان المباشر حتى لوضعية الرفض.

بينما يُفترض أنْ يكون المواطن أساساً في كل مفاهيم الدولة المعاصرة وممارساتها. فالدولة لن تكون كذلك حقيقيةً دون الطرف الأقوى داخلها بالمعنى الحداثي وهو المواطن. لأنَّ اعتباره إنساناً حراً، قادراً على التعبير عن مطالبه ووجوده أمر لا يقل أهمية عن وجود الحاكم. والدولة المعاصرة لا تعترف بأيِّ تراتب يكون المواطن على أثره كائناً بلا فعلٍّ. بل العكس لن تكون الدولة دولةً بملء الكلمة دون أنْ يصبح المواطن مواطناً. والحقيقية لا تكمن فقط في هذا التوصيف، فالمواطن لابد أنْ يتمتع بكامل حقوقه وكيانه وخياله ومستقبله وأهدافه المشروعة.

وإذا كانت دولة الاستبداد لا تعترف بكيانه، فهي لا تدرك أنَّها بذلك لا تعترف بكيانها هي في المقام الأول. إنَّ كلَّ تقليل - ولا أقول احتكار بمعناه الأخلاقي – من شأن المواطن يسلب صورته المبتغاة لكنه يفت في عضد الدولة وبنيتها. لأنَّه ينخر في كل فعاليتها جزءًا بجزءٍ جاعلاً إياها هيكلاً فارغَ المضمون. ما معنى أنَّ حاكماً أو نظاماً لا يعبأ بكيان مواطنيه ؟ أليست القضية هي تعرية الدولة أمام نفسها ؟

المواطن يماثل القارئ في أفق الفلسفة المعاصرة، فالقارئ هو الذي يعطي النص وجوده وتأثيراته، لأنَّه يولد منه نصوصاً تالية ومتتابعة ويحقق احتمالاته وأية دلالات تسكنه. إنَّه الشبكة القرائية التي يمكن عبرها كشف قدرات النص الفذة. القارئ هو الكاتب الفعلي لأي نص من النصوص، القراءة هي النص ليست أقل. بهذا المفهوم أشار جاك دريدا إلى أنَّه: لا شي خارج النص il n’y a pas de hors-texte.

المواطن بالنسبة للدولة المعاصرة كالقارئ بالنسبة للنص، ولئن كانت اللغة تفصل بين أطراف كهذه، فإنَّها شيء واحد. المواطن هو من يقرأ دولته كما يقرأ القارئ نصاً. يَحُول دون انزلاق النظام السياسي إلى سلبياته التي لن تضر بوجوده. وفي هذا لا ننسى كون الدولة لا تتحدد في ذاتها بقدر ما يحددها مواطنوها بالمثل. ولذلك فالدولة قد تكون متقدمة سياسياً لكن ليست في وجودها الجمعي المقفل، إنما عبر فسيفسائها الفردية والحرة. وهي المواطنون الذين يجسدون حركة الكل وسماته النوعية.

من أسفٍ أنْ تحولت الدولة لدى العرب بخلاف جميع مفاهيم الدولة في العالم قديماً وحديثاً، إنَّها ماكينة لا يعدو المواطن داخلها سوى ترس تستعمله لمضغ طاقاته والهيمنة على مستقبله وإرادته. وهذا اقتضي أنْ تضعه تحت الطلب، رهن الاستعمال، قيد التشكيل.

أولاً: المواطن بصيغة: " لا أنت ولن تكون ". الدولة العربية رسالة سرية في جوهرها لكل من يعيش رضها، تقول: لا تحاول حتى التعرف إلى نفسك، أنت لا تمثل شيئاً إنما أنت لافتة بلا عنوان. ولا بد أنْ تكون في حيرة من أمرك دوماً. ولذلك، فإنَّ حراك الشباب في الميادين أثناء الربيع العربي كان صدمةً لكل نظام سياسي. والصدمة آتية من التعبير عن حرية المواطنين خارج الاستعمال العمومي لإرادته.

كانت الدولة تتوقع أي شيء من المواطنين إلا أن يتطلع إلى المستقبل، علية أن يركض وراء أشباحه دون وصول إلى صورة فاعلة بعينها. والشعوب عندما تحركت تركت كل أغطية الهوية المصنعة بالزيف والوهم لأجل لا هوية في الشارع بحثاً عن مطالب حياتية مفقودة. ولو فقد المواطن كياناً اسمه الدولة لجري وراء ما يلبي له مطالبه العاجلة.

ثانياً: مواطن الجسد لا المعنى ولا الروح. أكثر ما ينغص حياة الحاكم العربي أنْ يبحث المواطنون عن المعنى والفكر والثقافة. إنَّه يعلم بأنفه السياسي أنها أشياء ستقود إلى التمرد. ولذلك يبني نظامه على أرضية أن المواطن جسد، رغبات، شهوات، غرائز، " أفواه وأرانب " على طريقة الدراما المصرية.

إنَّ قابلية الاستعمال تقضي بأنْ يكون المواطن كتلةً متحركةً من الغرائز، بحيث تجعله الدولة حيواناً شرساً وجائعاً في أقفاص اسمها المجال العام. والجسد هنا جسد بيولوجي سياسي تحتاجه الدولة في الانتخابات والمظاهرات الموالية والجري وراء ابسط الأمور. والسياسة هي فن معرفة توجهات الغرائز وكيف تدار ولماذا تخمد في فترات وتثور كالبركان في فترات أخرى. والواضح من مشاهد الربيع العربي أن انقلبت الغرائز الحسية( الفقراء ) إلى تطلعات سياسيةٍ، والدورة بين الاثنتين لم تكن بعيدة الأمد.

ثالثاً: المواطن كعملٍ نقديةٍ. أي يصبح الإنسان نفسه مجرد رصيد مادي قابل للتداول، إنه أحدى السلع التي تبتاع وتشترى بغطاء الدولة. والجسد الذي يحمله هو متن العملة والمعبر عنها من أقصر الطرق. وقد نجحت بعض الدول العربية في جعل أجساد مواطنيها قطع غيار. والحاكم يعرف أيضاً أن ثمن المواطن لا شيء حتى وإن جرجر إلى حتفه العابر انتظاراً لاستجابة الدولة لمطالبه ولو مرة واحدة في حياته. والدولة تسير بمنطق ( اللي تعرف ديته أقتله )، أي من تستطيع دفع ثمنه والقدرة على تكلفته اخلص منه في أقرب فرصة. والمقولة مثل شعبي واسع الانتشار في الثقافة اليومية.

رابعاً: المواطن كعلامةٍ. وهو المطلوب في المشاهد والصور والمنتديات الدائرة في الإعلام. وظيفته أن يُعلِم الآخرين كونه موجوداً بصرف النظر عن حالته ولا إلى ماذا يتطلع، وهي مشاهد صامتة في عودة تاريخية للسينما في بدايتها قبل أن تصبح ناطقة. تجد هذا المواطن مصفقاً مرة واقفاً أمام الخدمات مرة ومتزلجاً على الوعود السياسية التي لن تتحقق، والجاري وراء الرئيس هنا أو هناك أكثر من مرة. وهو الجالس على النواصي والمقاهي في وضع أبله يصدِّر علامات البهجة المصطنعة والرضاً المزيف. إنَّه حشو الأنظمة السياسية ومادتها حتى يشعر المتابع بكونها ممتلئة وحقيقية بينما هي صنف من الطبل الأجوف.







اخر الافلام

.. -عكس ما كنا نتوقع- المقتنيات الثمينة تضر بجاذبيتك | اليوم


.. طالب يحل 6 مكعبات -روبيك- بنفس واحد تحت الماء لدخول غينيس


.. كيف تغيرت وجبة -هابي ميل- من ماكدونالدز عبر السنين




.. طهران تتحدى عقوبات واشنطن بالإصرار على تطوير قدرتها الصاروخي


.. نافذة خاصة لتغطية توافد حجاج بيت الله الحرام إلى منى لقضاء ي