الحوار المتمدن - موبايل



الحضارة والزمن

عباس علي العلي

2018 / 6 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لم تنشأ الحضارة البشرية والتي نرى أثارها ومخرجاتها اليوم عالما لا حدود له في التطور والتضخم والنمو كنتيجة قرار شعب أو إرادة حاكم أو مجرد تفاعل بين الوجود البشري وبين بيئة قابلة للتفاعل فقط، بل هي صيرورة تاريخانية أعتمدت منطق التدرج والنمو والأزدهار تراكمت في التجربة والتأمل والفعل الخلاق، ومن خلال الفكر المبدع خارج سياقات الممكن والعمل بالتجسيد وتراكم التجربة الفردية أولا والبناء المادي الجمعي لاحقا، وقبل أن تفعل هذه العوامل مجتمعة كان ذلك للغة والحرف الدور الأساس بتفعيل منطق هذا الوجود الفكري، فلو لم يتكلم الإنسان ليمارس دوره ككائن منتج ويخترع الحرف للتعبير عن نفسه لكان الإنسان والحيوان كلاهما على ذات الشاكلة من السلوكيات التعبرية.
اللغة أهم منطق جسد المعرفة وجوهرها المعبر والوعاء القادرة على تجسيدها في الواقع لعبت دورا محوريا في وضع أسس المعرفة الأولى، فالحضارات القديمة التي يقدر عمرها بين سبعة ألاف سنه أو دون ذلك أستغرق عشرات القرون لتكون حدثا بارزا في حياة الإنسان هيأ لكل التحولات التي قادت الإنسان نحو تصوره الخاص والعام لما يجب أن يكون، وهذا يعني أن ما وصلنا من تلك الحضارات هو الثمر اليانع الذي كان ورائه أجيال من البشر وأجيال من التجارب المعرفية وألاف بل ملايين المحاولات الناجحة والفاشلة حتى وضع البشر أول قدم في مسيرة الحضارة البشرية شرقا وغربا.
نحن الذين نصف أنفسنا اليوم بـ (الإنسان المعرفي) تارة وبـ (الإنسان الحضاري) تارة أخرى مدينين بكل تأكيد لأولئك الذين تجروأ على فتح أفاق لم يعهدها الإنسان من قبل، أكتشفوا أنهم يستطيعون تحويل الصوت إلى رمز ليحل هذا محل هذا في تجسيد الفكرة أو التواصل بينهما على أسس معلومة ومشتركة، وأكتشفوا أن النار التي تحدثها الطبيعة أحيانا ممكن أن يخلقوا مثلها متى ما أرادوا وهتكوا سرها باكرا، وأكتشفوا أن المحدب والمدولب أسهل في الأستخدام من السطوح المستوية فأخترعوا العجلة من الطين أولا ليلاحظوا بعد ذلك أن القوة الذاتية للمادة هي التي تدوم أكثر وتقدم خدمة أعظم، هكذا بدأ أولئك الذين يطلق عليهم البعض (البدائيين) أول ثورات العقل.
أول من كسر حالة اللا علم واللا تطور هم (البدائيين) الذي أبتدؤأ أولا في أقتحام المجهول لنصل اليوم بفضل تلك المحاولات الشجاعة لنكون حضاريين ومعرفيين وعلميين، الفضل كل الفضل لتلك العقول الجبارة التي مهدت الطريق وفتحت مغاليق المعرفة دون أن طالبوا بحقهم أو الأحتفاظ لهم بفضل السبق، أما نحن ففي أفضل الأحوال لم ولن نكون إلا عالة على تلك العقول والأفكار الخلاقة مهما بلغنا من الرقي والتطور، فصاحب الخطوة الأولى يبقى هو العقل الأعظم وإليه تنسب مفاعيل الحضارة ونتائجها، أما الذين حولوا وغيروا منهجهم نحو تخريب الحضارة وهدم أركانها لأنهم ورثوا النار والحدد والقوة ووجدوا كل شيء حاضر أمامهم وقابل للتسخير فعاثوا في الأرض فسادا وتخريبا وتحطيما لروحية الإنسان المبدع، ليسوا إلا همج ورعاع قدرت لهم المقادير أن يسطوا على ثروة الإنسان وتراثه لأجل منافع شخصية أو لأجل نوازع بشرية لا علاقة لها بالحضارة وروحها الثائرة.
الحضارة الإنسانية حالة أستمرارية في أقتحام عوالم المجهول وليست مظاهر مادية كالقصور والمباني والتماثيل والمعابد، الحضارة الإنسانية أن تتمكن من أكتشاف محركات الوجود وأن تستخدم هذه المحركات بالطريقة الصحيحة لبناء إنسان قادر على الإبداع والتجدد والتطور، الحضارة في مفهومها الجوهري أنك لا تتوقف في نقطة وتعتبرها نهاية العالم وأن لا تمنع أحد من تجاوز الواقع الممكن نحو الخيال والتأمل ثم الأبتكار، الحضارة الإنسانية قبل كل شيء هي أنتماء العقل لكل ما هو جديد وهو قابل لتجدد أيضا، ماتت معظم الحضارات الكبرى ليست لأنها تعرضت للغزو أو الأعتداء أو التفكك ولكن لأن القائمين عليها لم يعد يهمهم أن تتسارع خطى الإنسان نحو كل جديد وأكتفوا بالتنعم الذي وصلوا له، هنا توقفت حركة الزمن عندهم وتوقف العقل من أن ينتج ما هو ضروري فبدأ التراجع سريعا وعكس مسار الصيرورة والسيرورة، وصار التقليد سيد الموقف والتراجع حاكم المسيرة، فأنهارت أسس البناء واحدة تلو الأخرى حتى إذا ما جاءت ريح عاصفة لم يكن أمام هذه الحضارة من يستكمن مصادر القوة والتحدي والبقاء، مما ساهم بشكل كبير في سهولة التخلي عنها نفسيا وعقليا قبل أن يتخلوا عنها بالسلاح.
الحضارة إذا تراكم نوعي وتراكم كل جديد مبتدع والجديد لا يولد إلا من خلال الحركة الدائبة نحو المجهول الذي لا نعرفه، فكلما توقف الإنسان عن هذا الفعل تراكم المجهول أمامه وتعاظم فيقف عاجزا أن يقتحمه خاصة إذا رافق ذلك ما يشغله عن البحث والأكتشاف، فالحروب مثلا أو سيادة منطق القوة بدل منطق الفعل سوف يصبح الإنسان مشغولا ومهتما أكثر في نفسه وفي الحفاظ على ما بين يديه، ويقدم المهم على الأهم لأرتباط ذلك بالمحافظة على الحد الأدنى الذي يسمح له أن يعيش لا أن يتطور، وهذه المفصلية في حالات الإنسان هي المسؤولة عن تراجع فعله الحضاري، الأمن والأستقرار والحرية شروط أساسية ليكون الإنسان فاعلا في التغيير، أما أن يسخر كل ما لديه من معرفة فقط لأجل البقاء يعد هذا الأمر تخليا عن إنسانيته المجردة وتحوله إلى النمط الحيواني في سلوكياته الوجودية.
إن الفعل الحضاري الحقيقي اليوم كما نفهمه من التجربة ومن دراسة السيرورة التاريخانية أنها تقوم على مبدأين هما، لا مكان لمن لا يؤمن بقيمة الزمن مهما أمتلك من مصادر القوة والفعل، لأن الزمن هو الحاكم المجرد الذي يمكن الأعتماد على أحكامه وقياساته في معرفة الوجود كليا وجزئيا، وثانيا أن العمل الممنهج والنظر المسبق وحدهما من يتمكن ومن خلالهما الإنسان أن ينطلق مع الزمن، فتكون المعادلة ثلاثية في وعينا بالتحضر، أحترام الزمن زائد المنهج الذي يدفع للأمام زائدا العمل الذي يجعل من الفكر صورة حية للواقع، بلا هذه المعادلة نبقى نرواح مكاننا ولربما ترجعنا هذه المراوحة إلى ما لا نريد أو نسعى له، فاليوم هو ماض جديد يطل علينا بكل ما في تأريخ المعنى أو معنى التأريخ، والمطلوب أن نجدده تلقائيا ليكون حاضرا حقيقيا لا أن نعيشه كما هو كأننا نكرر نفس الحلقة المفرغة يوميا، البعض ممن أمن بالفعل الحضاري جعل من اليوم فعل غد حقيقي وأثبت ذلك عمليا بالإبداع وتحشيد العقل والفعل معا لأجل ذلك، لأنه تجاوز فكرة اليوم غير الأمس بل جعله متقدما حتى على زمانه الطبيعي الزمن الذي لم يحترمه البعض حتى في صورته المبسطة والطبيعية، ما ينقصنا حضاريا اليوم هو عدم أهتمامنا بحدود الزمن ومفاهيمه والخضوع بإرادتنا لمبدأ تجاوز الممكن والمعقول.







اخر الافلام

.. كوريا الشمالية توافق على تفكيك السلاح النووي..زكيم بعن عن مف


.. وثائقي #أفول_القاعدة - الجزء الأول


.. بالأرقام.. انتهاكات وجرائم -مروعة- للحوثيين بحق مدنيي اليمن




.. إدلب.. ثغرات الاتفاق ورفض الفصائل


.. العراق.. عثرات السياسة ومنصب الرئيس