الحوار المتمدن - موبايل



وصايا الاستبداد السبعة فى الموروث الشعبى لدى السلطة فى مصر

ابو الحسن بشير عمر

2018 / 6 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


طالما تبنت أنظمة الحكم فى مصر منهجية استبدادية تقوم على قواعد ارتبطت بالجانب السياسى من الموروث الشعبى المصرى , فصورة الحاكم التى ارتبطت بأذهان المصريين سواء حكام او محكومين والتى تكونت لديهم على مدار عقود متعاقبة من الاستبداد و القمع , وظلت تلك الصورة ثابتة فى وجدان المصريين على الرغم من تغيير أنظمة الحكم الا أن تبنى تلك الانظمة لذات المنهجية قد رسخت عند الشعب المصرى تلك القواعد وأصبحت جزء من موروثه الشعبى النابع من خصوصية الدولة والمجتمع المصرى , وأصبحت تلك القواعد وصايا واجبة بسبب اصرار أنظمة الحكم المصرية على تبنى تلك القواعد و كأنها ارث تلك الانطمة لبعضها بعض وباستقراء الموروث الشعبى لدى المصريين حول فكرة السلطة والحكم يمكننا ان نجمل تلك الوصايا كالآتى
الوصية الأولى
" الكرباج "
" شعب مش بيمشى غير بالكرباج " ... تلك العبارة التى طالما تسمعها فى مصر يرددها المحكوم قيل الحاكم لدرجة انها أصبحت قاعدة راسخة فى وجدان الشعب المصرى نفسه , ولا أحد يعرف تحديدا مصدر تلك العبارة أو من قائلها أو الظرف الذى أوجدها , إلا إنها أصبحت الوصية الاولى من وصاية الاستبداد السبعة , التى ظلت تتوارثها الانظمة المتوالية على حكم مصر , وتعد تلك الوصية فى حقيقتها مبرارا لمبادئ للاستبداد و القسوة التى تنتهجها السلطة مع الشعب , وقد ورد لفظ " الكرباج " فى إشارة الى الاستبداد كاستراتيجية وحيدة ولازمة لتسيير و حكم الشعب المصرى , فقد ورد لفظ " إلا بالكرباج " على سبيل الحصر و التخصيص , فلا سبيل و لا بديل عنها لحكم الشعب المصرى ودفعه و اجباره على القيام بواجباته , وقد عمدت الانظمة الحاكمة المتاولية على حكم مصر , على ترسيخ تلك القاعدة فعمدوا الى تشويه أى دور تاريخى للشعب المصرى , ذلك بجعله فى صورة المجبور دوما على مساهمته فى الانجاز , والامثلة عديدة بداية من بناء الاهرامات و ما تناقله البعض من أن الشعب المصرى شارك فى بناء ذلك الشاهد على التاريخ أحد عجائب الدنيا السبع مرغما و مجبورا , ونهاية بحفر قناة السويس التى تم الترويج له بعد ثورة 23 يوليو 1952 على أنها تمت بالسخرة و بالجبر , وأن الشعب المصرى لم يكن ليشارك و يساهم فى انجاز ذلك العمل التاريخى , وهذا ما يجعها الوصية الاولى من وصايا الاستبداد

الوصية الثانية
" الفتوة "
ارتبطت شخصية الفتوة فى التراث والمفهوم الشعبى بأذهان المصرين كنموذج للحاكم الذى يجب ان يتصف بالقوة واستعراض مظاهر فرض السيطرة ويقوم بتوفير الحماية لمحكوميه - أهل الحارة – مقابل ما يتحصل عليه من أتوات يقوم بفرضها على هؤلاء المحكومين نظير القيام بمهة الفتوة الرئيسية و هى حماية هؤلاء المحكومين من أنفسهم و من خطر تعرضهم الى فرض سيطرة فتوات المنطاق المجاورة و الوظيفة الاهم للفتوة هو حماية رؤوس الاموال – شاهبندر التجار – من ثورة الحرافيش , فالفتوة هو الضامن لأمن واستقرار الحارة – المجتمع المصرى – حتى نموذج الحاكم العادل فى التراث الشعبى المصرى ارتبط بالفتوة " عاشور الناجى " ذلك الفتوة الذى تمكن من فرض نفوذه على التجار ورؤوس الاموال و حقق جزء من العدالة الاجتماعية بين فقراء و معدمى الحارة إلا أنه ظل ابتداء و انتهاءا فتوة يلوح بنبوته فى وجه معارضيه و يفرض عليهم سيطرته بالقوة , ويضرب به كل من يخالف أحكامه و قراراته فهو يرى أنه العدل الصواب و مخالفتها إثم وخيانة , لذلك ظل الفتوة بصفاته و سلوكه متجسدا فى صورة السلطة الحاكمة لمصر على مدار عقود , وهو ما قدم نموذج الحاكم الفتوة ليستحق مرتبة الوصية الثانية من وصاية الاستبداد السبعة .

الوصية الثالثة
" شعب فرعون "
ظلت كلمة " فرعون " بل ومازالت الى الان تشير الى صفات التجبر , فكان لقصة موسى عليه السلام و فرعون واقعها لدى النفس , بالاضافة الى ما احتواه التاريخ الفرعونى القديم من أحداث أن دلت فهى تدل على تعاظم الطموح التوسعى للدولة الفرعونية القديمة , والذى كان سببا فى إنتقال هذا المفهوم لكلمة " فرعون " وارتباطها بكلمة " متجبر " الى الدول المجاورة كالمملكة العربية السعودية و دول الخليج التى مازالت تتذكر الصراع بين محمد على وبين محمد بن سعود , والدور الذى قام به محمد على فى وأد ميلاد الدولة السعودية الاولى , كما مازالت و مازال العالم يتذكر طموح جمال عبد الناصر و دخوله اليمن واقترابه من حدود الممالك فى الجزيرة العربية وتهديد عروشهم والذى بدأ من حرب اليمن و اعلان اليمن كجمهورية , وتكمن خطورة هذا التعميق والترسيخ لذلك الربط و الخلط والتعمد إلصاقه بالشعب المصرى , فى توفير المبرر للسلطة الحاكمة كى تتبنى استراتيجية التطويق فى تعاملها مع الشعب المصرى , وذلك بحجة كبح جماح التجبر و التوسع لديه , و هى الوصية الثالثة من وصايا الاستبداد السبع التى اعتنقتها النظم الحاكمة المتواترة على عرش مصر .

الوصية الرابعة
" العصاية والجزرة "
إنها أشهر وصايا الاستبداد فى التاريخ السياسى لمصر , وتعد الاستراتيجية السحرية لتسير و حكم الشعب المصرى ظلت جميع الانظمة الحاكمة لمصر بمختلف صورها تحافظ على تلك الاستراتيجية وتسعى دوما لتنفيذ تلك الوصية المتوارثة , فالجزرة تشير الى الطعام أو بمعنى اكثر توسعا الاحتياجات الاساسية اللازمة لاعاشة المواطن , والعصا هى القوة و القسوة أو بمعنى أدق هى الشدة أو الطاعة الجبرية للحاكم و الخضوع , فسياسية العصا و الجزرة , هى الغذاء مقابل الطاعة فلا مجال للديمقراطية أو ما شابه و لا اعتراف بأى حقوق مدنية أو سياسية , بل فقط هى الطاعة و الخضوع هو الاستبداد فى مقابل توفير كفاف العيش و الحد الادنى من ضروريات الحياة , إنها سياسة رعاة الاغنام , فليس للاغنام حاجة سوى الغذاء فلا حاجة للديمقراطية أو الحرية , و الراعى يحركهم يمينا و يسارا بعصاه , تلك هى الوصية الرابعة من وصايا الاستبداد للحكام و الرعاة .

الوصية الخامسة
" شعب سوستة "
على الرغم من كونها الوصية الاحدث من وصايا الاستبداد الا انها أصبحت نبراسا ومنهجا سياسيا للحكم فى مصر وهى أن المواطن المصرى مثل " الياى / السوستة " يجب ان تظل ضاغطا عليه بكل قوتك و الا سيطير كالمقذوف فى وجهك ويصيبك , فكانت البداية من المؤسسات العسكرية والنظامية والتى ظل ذلك التشبيه هو المعيار التنظيمى الذى تبنته القيادة عند ادارتها للفئات والرتب الدنيا كالجنود بها وكان لهذا الوصف و التشبيه الدور الاهم فى تبرير تلك السياسات الاستبدادية التى تتبناها السلطة الحديثة فى مصر ذات الخلفية والعقيدة العسكرية , ودلالة كلمة سوستة هنا و تشبيه المواطن المصرى بـ " الياى " وهو الجزء المسئول داخل الاسلحة الخفيفة على سحب الطلقات والذخيرة نتيجة الضغط عليه , تشير الى سياسات التجويع والافقار والتخويف التى تتبعها الانظمة الحاكمة الحديثة فى مصر بل تعاظم الامر و وصل الى حد تسخير امكانيات الدولة نحو ما يسمى " بإستنفاذ وإجهاد المواطن " .

الوصية السادسة
" شعب يخاف ما يختشيش "
تعد تلك الوصية هى الاخطر من وصايا الاستبداد التى توارثتها الانظمة الحاكمة لمصر , فهى تمس انسانية الشعب المصرى وتنال منها بشكل مياشر ومركز , حيث نزعت تلك الوصية اهم واسمى القيم الانسانية اللازمة لتطور وترقى المجتمعات ألا وهى " احترام القانون " , فتقاس الشعوب بمدى تولد ذلك الشعور الداخلى لدى افراد المجتمع باهمية احترام الجميع لفكرة سيادة القانون او ما يطلق عليه الاحترام الذاتى للقواعد التى يتبناها المجتمع , اما فكرة فرض القانون بأساليب الترهيب والتخويف فقط دون مراعاة العامل الانسانى للمحكومين , تقوم على فرضية تأثيم المجتمع بصفة عامة وكأننا نحكم مجموعة من المجرمين والمخطئين دائمى التعدى على القانون , فينقلب المجتمع الى سجن وفقا لتلك الفرضية , وتنتفى عن المواطنين أهم ضمانة انسانية قررتها دساتير العالم وهى أن الاصل فى الانسان البراءة أو بالمفهوم الدارج البسيط " المتهم برئ حتى تثبت ادانته " , لتتحول الى " أن المواطن مذنب ومخطئ حتى يثبت ولاؤه او استسلامه " , واصبح واجب الدولة واجهزتها هو قمع المواطنين والقاء الرعب فى انفسهم كى يخشوا العقاب والجلاد .

الوصية السابعة
" أضرب المربوط "
هى الوصية الاخيرة والاهم لدى انظمة الحكم المتعاقبة على حكم مصر " اضرب المربوط يخاف السايب " مثل شعبى مصرى شهير تحول الى استراتيجية من استراتيجيات السيطرة على الشعوب التى كانت و لا تزال تتبناها أنظمة الحكم المصرية فى تعاملها مع القضايا الامنية بوجه عام و الازمات السياسية بوجه الخاص حيث تتلخص تلك الاستراتيجية فى ان تبرز مظاهر قوتك و قمعك على من هم داخل نطاق سيطرة مؤسسات النظام حتى يخضعوا لك من هم خارج نطاق السيطرة أو على الاقل تجعلهم يخشون مواجهتك و تستخدم ايضا كحل خاص لمواجهة الازمات السياسية و الامنية , فأنظمة الحكم المتعاقبة على حكم مصر اعتادت ممارسة القمع الامنى ضد المواطنين السلميين و التعمد فى ابراز مظاهر القمع الترويع و الجهر بانتهاكات حقوق الانسان ويظهر ذلك جليا من انتشار القوات الامنية بشكل ملحوظ و بكثافة غير طبيعة دون فائدة حقيقية اللهم سوى الافراط فى اظهار و ابراز حجم القوات الامنية و كثرة عددها , ذلك بالاضافة الى الاكمنة الامنية المنتشرة التى لا تقوم سوى باستيقاف المواطنين الاسوياء و التحقيق معهم و تفتيشهم و تفتيش سياراتهم دون اذن قضائى أو وجود مسوغ قانونى و كأن مهمة تلك الكمائن فى الاساس هى التأكيد على ان الدولة لا تحترم حقوق و حريات المواطنين الدستورية بهدف احكام السيطرة الامنية على الدولة و التى اعتادت النظم المصرية بناء شرعيتها عن طريق تلك السيطرة القمعية , دون اية محاولة حقيقية من جانب تلك النظم للبحث عن الاسباب الحقيقية للمشكلات الامنية و السياسية السعى لحلها بالوسائل و الاليات الفعالة .







اخر الافلام

.. غريفيث: وثيقة لوقف النار ودعم الحل السياسي في اليمن


.. ترامب: الصين تريد التوصل إلى اتفاق تجاري


.. مسيرات العودة مستمرة في قطاع غزة




.. الليكود ينفي نية الدعوة لانتخابات مبكرة


.. لقاء مع ضيوف من البلدان العربية على هامش منتدى مراكز التحليل