الحوار المتمدن - موبايل



نحو دراسة الفقر سيكولوجيا (الجزء 1)

وعد عباس

2018 / 6 / 9
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


الفقر ببساطة هو الحالة أو الوضع الذي يحتاج فيه الفرد أو المجتمع إلى الموارد الماليّة، والأسس الضروريّة للتمتُّع بأدنى مستوىً من الحياة والرفاهيّة الذي يعتبر مقبولاً في المجتمع الذي يعيش فيه وهو ظاهرة قديمة قدم البشرية ، رافقت نشأة الانسان ، وتطور مفهومها مع تطور الحضارات الانسانية ، ونالت اهتمام الحكماء والفلاسفة لما لها من تأثير سلبي على الفرد والمجتمع .
كما أولت الديانات بشقيها "السماوية والوثنية" اهتماما واسعا بظاهرة الفقر ، ووضعت عددا من المعالجات التي من شأنها أن تحد من الظاهرة ، كالدعوة إلى العمل ، فالديانة الزرادشتية مثلا تفضل أن يشق الرجل أرضا بمحراثه على أن يقدم عشرة آلاف قربانا ، أما الديانة الاسلامية فبالإضافة إلى دعوتها إلى العمل ، فقد وضعت في أموال الناس حقا للفقراء ، من باب التكافل الاجتماعي .
وفي العصر الحديث الذي يتسم بتطور العلوم بعد انشقاقها عن الفلسفة فقد تزايد الاهتمام بظاهرة الفقر ، وتناولها كل علم من وجهة نظره ، وليس يعنينا في مقالنا هذا دراسة الفقر من وجهة نظرية اقتصادية أو سياسية ، وإنما سنكتفي بدراستها سيكولوجياً .
فالحقيقة التي تكاد أن تكون خفية هي ان هذه الظاهرة رغم شيوعها لا تزال شبه مهملة في علم النفس ، فقليلة هي الدراسات النفسية التي تناولتها مقارنة بما قدمه علم الاقتصاد .
ورغم كون العراق واحدا من أكثر الدول التي تعاني من انتشار ظاهرة الفقر ، واتساع حجم طبقة الفقراء ، إلا أن الدراسة النفسية لهذه الظاهرة فيه مهملة لا تلقى أي اهتمام من المتخصصين ، وان هذه المبادرة ما هي إلا محاولة أولية لفهم طبيعة الفقر في العراق ، والتعرف إلى السمات النفسية والعقلية والسلوكية التي يتسم بها الفقير العراقي ، والتعرف إلى أسباب وآثار هذه الظاهرة ، ووضع معالجات لها .
وإن هذه الدراسة ليست كلاما نظريا ، أو توقعا لا دليل عليه ، بل أنها نتجت عن ملاحظة استمرت لسنوات ، إذ استغليت عملي مع مؤسسة خيرية واستفدت من المعلومات التي تسجلها كـ "الاسم وتاريخ التولد وعدد الأطفال والمستوى التعليمي ...الخ" وفي هذا الجزء من المقال سأكتفي بطرح أسباب الفقر التي توصلت إليها :
خلال تجوالي في بيئة الفقراء لاحظت أمورا ثلاثة تيقنت أنها من أهم عوامل الفقر ، كان اولها أنهم ينحدرون من بيئة ريفية وقد اتضح لي ذلك من لغتهم ، وثيابهم ، وتقاليدهم ، فهؤلاء هاجروا من بيئة بسيطة ، قليلة متطلباتها ، إلى المدينة التي تتسم بالتعقد ، فبعد أن كانوا يكتفون بالمأكل والمشرب وبعض الأمور البسيطة ، أصبحوا في بيئة تتطلب "انترنت وتلفزيون وتسوق يومي وبيت فخم وتعليم ...الخ" الأمر الذي أنهك ميزانيتهم الضعيفة ، إلى جانب صعوبة حصولهم على عمل في المدينة التي لا يعرفون طريقة التعامل مع اهلها ، كما أنهم مزارعون لا يجيدون أعمال المدن ، ومع مرور الزمن ، ونشوء جيل جديد لهذه العوائل ، تتطور ، وتنسجم مع حياة المدينة ، وتتخلص من الفقر شيئا فشيئا .
أما العامل الثاني فهو أن بعض العوائل تعيش بمستوى قريب من خط الفقر ، فأصابهم الفقر مباشرة بعد تغير أسعار السوق ، وحدوث الكساد الاقتصادي ، وقلة فرص العمل أو اجوره ، وبات من الصعب عليهم النهوض بوضعهم ، فضلا عن استعادة وضعهم السابق ، وما أثار استغرابي أكثر أن بعض الناس تزوجوا في وقت يصعب عليهم تلبية احتياجاتهم ، وأنجبوا من الأطفال (6 و 7 و 8 ...) ما أسهم رسميا بانزالهم دون خط الفقر ، فما يحصلون عليه ينفقونه في وقته ، وأنى لهم أن يجمعوه كي يطوروا فيه حياتهم أو عملهم على الأقل ، أما العامل الثالث فهو المرض الذي لا حاجة إلى شرحه ومناقشته .
فيما كان فقر بعضهم يرجع إلى سمات شخصيتهم التي تتسم بالملل وقلة الرغبة بالعمل ، والاتكالية والاعتماد على الآخرين ، والتقاعس وانتظار الحظ ، والايمان بأفكار غير عقلانية .
(سأناقش في المقال القادم أسباب ديمومة الفقر "نفسيا" وعدم قدرة الفقراء على النهوض بوضعهم الاقتصادي)







اخر الافلام

.. ترامب يهدد صناع السيارات في أوروبا..


.. مرآة الصحافة 24/06/2018


.. نشرة الإشارة الأولى 2018/6/24




.. ميليشيات الحوثي تتكبد خسائر فادحة في الحديدة


.. إثيوبيا تعتقل مسؤولا أمنيا على خلفية تفجير السبت