الحوار المتمدن - موبايل



سجون بلا جدران

مظهر محمد صالح

2018 / 6 / 9
التربية والتعليم والبحث العلمي


سجون بلا جدران


الكاتب:د. مظهر محمد صالح

17/9/2013 12:00 صباحا

قبل ان ينفلت الليل ويفتك الزمن بنا بغمضة عين وقبل ان تقتحمنا الحياة ونهرب من اعبائها في قبضة الظلام،كان لابد من ان اشعل شمعة تشيْ ببوابات المستقبل لنتطلع له ونتفحصه قبل ان يتوارى عن ناظريه بلا هدف.
فوجئت بعبارة تركت على طاولتي تقول:ربما يكون عالمنا في (هذا الكوكب) هو بمثابة جحيم لكواكب أخرى! سلطت ضياء الشمعة على النص كرة أخرى وانا اقول في سري: من ذا يقاوم الرغبة في الاطلاع على المستقبل! فأجابني الضياء الذي ازداد لمعانه ثانية وهو يقول لي:ما ازهدك في امتياز لايجر وراءه إلا المتاعب!وان العبارة التي تطلعت اليها بعد اشعالك الشمعة هي بلا ريب للكاتب والروائي البريطاني (ألدوس هكسلي)المولود في إنكلترا في العام 1894ولم اهتم في بادىء الامر بفلسفة ذلك الكاتب متصوراً بأنها خيالات غريبة لاتجعل من الحياة الا عبئاً ثقيلاً! وهذا ما اتوقع منك ايها القرن العشرين من كتابات، فالكل يحاول ان يهضم اكثر مما يستطيع أكله!
إكتسى وجهي بغبطة شديدة الاستقرار بعد أن أخذت اتطلع في كتاب ذلك الروائي البارع (ألدوس هكسلي) الذي حمل عنواناً (كن شجاعاً في العالم الجديد!) الذي ألفه في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي وانتهى منه في اربعة شهور ، متناولا فيه التبدلات التي طالت الحضارة الغربية والمخاطر التي تواجهها مستقبلاً بسبب تعاظم القوتين التكنولوجية والسياسية، ذلك قبل تسلط النازية ودكتاتوريتها ضد الديمقراطيات الغربية ،وحتى قبل ان تتطور النزعة الستالينية في قبضتها الحديدية على المجتمع الاشتراكي.
فقد تخيل( هكسلي) في كتابه (كن شجاعاً في العالم الجديد!)،مجتمعاً مستقبلياً يستخدم علم الوراثة والاستنساخ البشري بغية السيطرة على الناس وتقييد أفراد الجنس البشري، ففي مجتمع المستقبل،يولد جميع الاطفال من خلال انابيب الاختبار وانهم سيخضعون من الناحية الوراثية الى قيد يمثل واحدا من خمس فقرات تحدد نوع السكان ابتداءً من الاكثر ذكاءً الى الاكثر غباءً.وهكذا يشخص(هكسلي) في كتابه لون وطعم ورائحة النظم الدكتاتورية التي ستختفي بموجبها الديمقراطيات الغربية.ويوصف النظم السياسية الغربية بأنها سجون من دون جدران ولكن لايمكن للسجين حتى ان يحلم بالهروب،ويخبرنا( هكسلي) باْنها نظم من العبودية،ينعم فيها العبيد بالاستهلاك والمتع المختلفة التي يستمدونها من عشق عبوديتهم!وان الديمقراطية التي تنتهي الى حروب ذات طابع عصري وبأطر علمية، هي ديمقراطية مقيدة وان الحروب العصرية او الحديثة لابد لها ان تقاد من حكومات شرسة وحشية مؤطرة بقوى بيروقراطية خنوعة ولكنها عالية التدريب!.
نتقد (هكسلي) مسألة الخوف من تزايد اعداد السكان في العالم ،منتقداً فكرة ان الحروب والكوارث الطبيعية هي التي تعيد توازن سكان العالم، كما تصورها (مالثوس) في نظريته السكانية.
لما تقدم ،فقد سلطت (جامعة وسكانسن) الاميركية في واحدة من بحوثها ودراساتها في السنوات الماضية ،عن ماهية تركيب ونوع سكان العالم اليوم وهل هم في جحيم ازاء العوالم الاخرى خارج كوكبنا كما تصور(هكسلي) ام هم في نعيم على سطح كوكب الارض؟ إفترضت دراسة (جامعة وسكانسن) بأن العالم يتألف من 100شخص نصفهم من الذكور والنصف الآخر من الاناث.يعيش 61منهم في آسيا و12 في اوروبا و13 في افريقيا و14 في نصف الكرة الغربي من الارض، وان 80 منهم من البالغين و20 من الصغار .
وان 14 من البالغين هم من عمر 65 فأكثر. وعلى مستوى الديانات فأن 31 من الديانة المسيحية و21 من الديانة الاسلامية و14 من الديانة الهندوسية و 6 من الديانة البوذية و12 من ديانات أخرى متنوعة و16 بدون دين.وعلى الرغم من ذلك، فما زلنا نتساءل: أين هو الجحيم الذي تحدث عنه (هكسلي)؟فالجواب هو ان 17 من اصل المئة شخص موضوع الدراسة لايحصلون على مياه شرب آمنة وان 25منهم هم بدون مأوى و18 لايقرؤون ويكتبون وان شخصا واحداً فقط من المئة يحمل مؤهلاً جامعياً وكذلك شخص واحد فقط من المئة شخص يمتلك جهاز حاسوب!
صفوة القول، ان الجحيم الذي تطرق اليه(هكسلي)على سطح كوكبنا هو التعليم الذي يشكل أس المشكلة في تطور المنافسة العالمية وازدهار مستوى معيشة الامم، وسيبقى التعليم هو القيد الاول على تطور البلدان ولاسيما النامية منها، وان التقدم وبناء مستقبل المجتمعات لايتم الا بتسخير البرامج الحكومية نحو التعليم وتخصيص الموارد الكافية للتعلم والبحث والتطوير وإقامة البنى التحتية ذات الصلة لانقاذ سكان العالم وتمكينهم من مواجهة تحديات المستقبل!
توفي (هكسلي) في 22 تشرين الثاني من العام 1963 وهو اليوم نفسه الذي اغتيل فيه الرئيس الاميركي الراحل جون كيندي، وقد ترك هكسلي لنا عبارته الشهيرة "ربما يكون عالمنا هو جحيم الكواكب الاخرى!" ولكن ينبغى ان لاننفي ان الكاتب كان قد اصدر كتابه المؤثر جداً في تطورحركة الشباب الجامعي الاميركي في العام 1954والذي صدر تحت عنوان (ابواب الادراك الحسي) الذي صار انجيلاً لحركة الشباب العبثي المناهض للقيم الراسمالية في الجامعات الاميركية وانتشار افكــاره في الغرب بين صفــوف الطلبـة... وهي الحركة المسماة(بـالهيبيز) ودعواتها المناهضة للحرب والعمل من اجل الحرية والسلام والحب،وهم اولئك من ميزوا انفسهم بطول الشعر وارتداء الملابس الفضفاضة وتعاطي المخدرات وموسيقى الروك وغيرها.
ختاماً: لم انس ذلك اليوم من العام 1963 حين طردت متوسطتنا في بغداد طالبا واحداً كان من انصار او هواة تلك الحركة(الهيبيز) وربما كان طرده في يوم وفاة (هكسلي) نفسة في مطلع شتاء ذلك العام !!
حين تداولته متوسطات بغداد طرداً حتى عاد الطالب تائبا الى مدرستنا من دون شعر طويل هذه المرة، ولكنه ظل محباً للسلام والتعلم!!!







اخر الافلام

.. دراسة: ارفض طلبات زوجتك لتحافظ على أسرتك


.. طهران تندد بالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على قوات ا


.. ترامب: السعودية حليف مهم وسنعرف ماحدث لخاشقجي نهاية الأسبوع




.. عيادة الجزيرة.. ريجيم فصل الشتاء لتفادي زيادة الوزن


.. مرآة الصحافة الاولى 18/10/2018