الحوار المتمدن - موبايل



ناطوري كارتا... يهود ضد الكيان الصهيوني

محمد عمارة تقي الدين

2018 / 6 / 10
القضية الفلسطينية


"الصهيونية هي أخطر المؤامرات الشيطانية ضد الديانة اليهودية...الصهاينة هم سبب تزايد العداء لليهود في العالم.... لقد ارتكبت الصهيونية جريمة نكراء بطرد إخواننا الفلسطينيين من أرضهم..لقد حرّم الله على اليهود إقامة أي دولة سواء في فلسطين أو غيرها...على كل شخص في هذا العالم يؤمن بالعدالة أن يسعى للقضاء على الكيان الصهيوني ...القدس تلك المدينة المُقدّسة يجب أن تكون عاصمة للشعب الفلسطيني وتحت سلطته الكاملة".

هذه المقولات ليست صادرة عن عربي أو مسلم بل عن يهود من أتباع حركة ناطوري كارتا المعادية للكيان الصهيوني والرافضة لوجوده وممارساته الإجرامية ضد الفلسطينيين، فما هي تلك الحركة؟ وما توجهاتها الفكرية والعقائدية؟

ناطوري كارتا هي من أشد التيارات الدينية اليهودية رفضًا بل وعداءً لدولة إسرائيل، فهي لا تترك مناسبة إلا وتعلن عن موقفها هذا، لذلك فعلى الرغم من قلة عدد أتباعها الذي لا يتجاوز بضعة آلاف إلا أنها معروفة جيدًا لوسائل الإعلام المختلفة سواء العربية منها أو الأجنبية، فهي لا تكف عن التظاهر ضد الكيان الصهيوني مؤكدة على عدم اعترافها بدولة إسرائيل إذ تتهمها بالكفر باعتبارها قامت بإرادة بشرية صهيونية جاءت ضد تعاليم الإله ومخالفة لها.

وأتباع ناطوري كارتا يتميزون بشكلهم المألوف جداً للكثيرين فلحاهم وسوالفهم طويلة، وملابسهم مكونة من المعاطف السوداء حيث القمصان البيضاء أسفل منها، وعلى رأسهم توجد القبعات الكبيرة التي كان يرتديها اليهود في أوروبا العصور الوسطى وبداية العصر الحديث.

وناطوري كارتا هو اسم آرامي يعنى حراس المدينة، وهو تعبير ورد في التلمود، أحد أكثر كتب اليهود قداسة، حيث يشير إلى أن رجال الدين هم حراس المدينة الحقيقيون الذين يقومون بحمايتها سواء من الإلحاد أو من الانحلال الأخلاقي.

والتجمع الكبير للحركة في إسرائيل في حي مائة شعاريم بالقدس، أما مقـر الحركة الرئيسي ففي الولايات المتحدة الأمريكية وتحديداً في مدينة بروكلين بنيويورك، وثمة تجمعات أخرى للحركة منتشرة في أنحاء العالم إلا أنها تجمعات صغيرة.

تؤكد الحركة أن الأوامر الإلهية هي ما تمنعهم من مغادرة البلدان التي يعيشون داخلها أو من إقامة دولة في فلسطين قبل قدوم المُخلِّص، وهو التشريع الموجود بالتوراة المقدسة منذ ألفي عام وتردد ذكره في التلمود.

ففي سفر إشعيا تجد قوله:" هكذا قال الرب: مجانًا بعتم وبلا فضة تفكون" وهو يعني لدى الحركة أن العودة من الشتات إلى الأرض المقدسة، وكما توحي عبارة مجانًا وبلا فضة، تكون فقط بإرادة إلهية، وبدون أدنى محاولة من اليهود أنفسهم.

وفي سفر إرميا: " واطلبوا سلام المدينة التي سبيتكم إليها، وصلوا لأجلها لأنه بسلامها يكون لكم سلام " فهو أمر موجه لليهود من ربهم بأن يتقبلوا الحياة في الشتات وأن يعيشوا بسلام في تلك البلدان.

وفي سفر هوشع: " وأما بيت يهوذا فأرحمهم وأخلصهم بالرب إلههم، ولا أخلصهم بقوس وبسيف وبحرب"، فالخلاص من الشتات والعودة إلى الأرض المقدسة يتم فقط عبر الإرادة الإلهية، وبالوسائل السلمية دون حرب.

وفي سفر زكريا: " لا بالقدرة ولا بالقوة، بل بروحي قال رب الجنود "،وهي عبارات تحمل ذات المعنى.

وفي التلمـــود ورد في عدة أماكن منه، وكما يذكر الكاتب اليهودي إسرائيل شاحاك " أن اليهود أقسموا لله قسمًا مُغلّظًا على ثلاثة أشـياء، وهي: الأول: ألا يتمردوا على غير اليهود الذين يعيشون بينهم، الثاني: ألا يقوم اليهود بهجرة جماعية إلى فلسطين قبل مجيء المسيح المُخلِّص، الثالث: يجب على اليهود عدم الإلحاح في الصلاة طلباً لقدوم المسيح حتى لا يأتي قبل موعده المحدد.

فوجود اليهود في المنفي ـ حسب اعتقادهم ـ هو التزام ديني وامتثال لأوامر الله من أجل التكفير عن خطاياهم التي نفاهم الله بسببها، وأنّ ما عليهم سوى الانتظار حتى قدوم المسيح المُخلِّص، وأن ما فعلته الحركة الصهيونية بالعودة باليهود إلى فلسطين قبل قدومه هو مخالفة صريحة لتلك الوصايا، بل هو أمر من شأنه أن يحول دون عودة المُخلِّص بحسب المعتقد اليهودي.

ومن ثم ترى الحركة، وفقاً لعبد الوهاب المسيري، أن الصهيونية هي أخطر المؤامرات الشيطانية ضد الديانة اليهودية إذ قوضتها من الداخل وحالت دون الدخول في عصر الخلاص، وتذهب إلى أن اليهود ليسوا شعبًا بالمعنى القومي بل هم مجرد جماعة دينية تتبع تعاليم التوراة، وهو الخلط المتعمد بين الدين والقومية الذي ارتكبته الحركة الصهيونية، كما ترى أن الهدف من اختيار الله لليهود – أي اعتبارهم شعب الله المختار – ليس بمفهومه العنصري، وإنما اختارهم لتبليغ رسالته للبشرية جمعاء وتطبيق منهج الله في أرضه ونشر المحبة والسلام.

وكما يؤكد رشاد الشامي يرفض أتباع ناطوري كارتا استخدام اللغة العبرية في أمورهم الحياتية لإيمانهم بأن الله حرّم استخدامها في غير الطقوس الدينية والتعليم الديني والصلاة.

وأتباع الحركة يمتنعون عن أداء الخدمة العسكرية بالجيش الإسرائيلي، حتى أن الحاخام موشيه هيرش أحد زعماء الحركة قال في هذا الشأن:" لماذا يُفكِّرون في تجنيدنا؟ إذا أعطونا السلاح سنُطلق عليهم النار".

كما يمتنع أعضاء الحركة عن المشاركة سواء في انتخابات الكنيست أو الانتخابات المحلية، يقول الحاخام ديفيد فلدمان أحد الشخصيات البارزة في الحركة: " إن اليهود المتدينين يمتنعون حتى اليوم عن أخذ أية مخصصات من السلطة الصهيونية ومؤسساتها بما في ذلك المؤسسات التعليمية، كما أنهم لا يشاركون في الانتخابات، ونحن لا نخدم في جيشهم".

ويؤكد الحاخام ديفيد وايس الناطق الرسمي باسم الحركة على الموقف الرافض بل والعدائي المتبادل بين الحركة وبين الصهيونية، إذ يقول " هم يعتبروننا العدو الذي سوف يدمرهم من الداخل"، ومن ثم تحدث عن وجود تعتيم إعلامي كبير من قبل الصهيونية في محاولة للتقليل من شأنهم وأنهم بلا ثقل في الشارع اليهودي، بل وتصفهم بأنهم يهود يكرهون ذاتهم.

وكان الحاخام أمرام بلاو مؤسس الحركة قد قرّر أن اعتراف الأمم المتحدة بإسرائيل ومنحها عضويتها هو خطيئة كبرى أضرّت بالأمة اليهودية، وذلك نظرًا لما أكسبته لهذا الكيان من شرعية دولية.

وكما يذهب إيمانويل هيمان فهم لا يحتفلون بعيد الاستقلال(يوم النكبة) بل يعتبرونه يوم حزن وحداد، ويرفعون الرايات السوداء فوق منازلهم في هذه الذكرى.

ويؤكد لورانس ماير أنه توجد عبارة تُلخِّص منهج الحركة وموقفها من الصهيونية وهي منقوشة على جدار أحد المعابد الخاصة بالحركة في مدينة القدس، وتقول هذه العبارة " اليهودية والصهيونية ضدان لا يلتقيان".

ولا تكف حركة ناطوري كارتا عن تصدير قناعة ما للرأي العام العالمي وهي وجود علاقة حميمة بين الصهيونية والنازية بعكس ما يُشاع، فالصهاينة وفقًا للحركة قد تحالفوا مع النازيين لدفع اليهود للهجرة خارج أوروبا والتوجه لفلسطين ومن ثم إقامة الكيان الصهيوني، فالهدف كان واحداً وهو إخراج اليهود من أوروبا ومن ألمانيا تحديداً.

وللحركة نشيد خاص بها يقول:" الله ملكنــــا ونحـن عبـيده، التوراة المقدسة دستورنا ونحن مخلصون لها، نحن لا نعترف بالنظام الصهيوني المُلحد وقانونهم لا ينطبق علينا، نحن نتبع تعاليم التوراة سواء في الماء أو في النار، نحن نتبع تعاليم التوراة كي نُقدِّس اسم الإلـه". وإذا ما تأملنا هذا النشيد نجده يرتكز على محورين رئيسيين وهما: التمسك بتعاليم التوراة وفقاً لفهمهم لها، ورفض الصهيونية ووصمها بالإلحاد.

ودائماً ما يحاول الكيان الصهيوني والمنظمات اليهودية الموالية له التضييق على الحركة بشكل مستمر للحد من أنشطتها، ففي أكتوبر 2013م، أعلنت المنظمة الصهيونية المعروفة باسم" العصبة لمقاومة التحريض"، عن ضم حركة ناطوري كارتا للائحة (كارهي إسرائيل) وهو ما يعني اعتبارها حركة معادية للسامية ومن ثم تأليب المجتمع الدولي ضدها.

وبحسب ما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت الصهيونية فقد طالب يعقوب كاتس أحد نواب الكنيست بأن تُصنّف حركة ناطوري كارتا كحركة إرهابية وذلك بعد أن هاجمه أتباعها في حي مئة شعاريم وطالبوه بمغادرة المكان، فعمد إلى تقديم مشروع قانون للكنيست لتصنيفها كحركة إرهابية، وكان قد سبق للحركة أن هاجمت وزير الداخلية السابق إيلى يشاي والحاخام الأكبر لإسرائيل يوناه ميتسجر.

وكما تؤكد الكثير من المراجع تنظر حركة ناطوري كارتا للمسلمين بكثير من الاحترام والتقدير مؤكدة أن الشعوب الإسلامية ساندت اليهود على مر التاريخ بل وعاشوا لفترات طويلة في محبة وسلام في ظل الحكم الإسلامي، في وقت لم تتسامح معهم أمم أخرى كتجربتهم في أوروبا العصور الوسطى وما بعدها.

وفي هذا الشأن يتحدث الكاتب اليهودي ديفيد لانداو عن المساعدات المادية التي تقدمها الحركة لصالح ضحايا الانتفاضة الفلسطينية من الفلسطينيين، ولعائلات المعتقلين والمصابين، وغالبًا ما يكون مرفق بها رسالة تقول:" نحن اليهود الفلسطينيين المناهضين للصهيونية نُعبِر عن تعاطفنا معكم ومودتنا لكم، نحن إخوانكم الفلسطينيين".

لقد رفضت الحركة من اتفاقات أوسلو البند الخاص بإقامة دولة إسرائيلية، وهو البند الذي قبلته السلطة الفلسطينية، فوفقاً لأدبيات الحركة وقناعاتها الدينية تعد إقامة أية دولة يهودية قبل مجيء المسيح المُخلِّص هو مخالفة صريحة لأوامر الله من شأنها تأخير عملية الخلاص الديني.

وأدانت بناء الجدار العازل، إذ اعتبرته جيتو بربري يزيد من الاضطهاد الصهيوني للشعب الفلسطيني.

كما تؤكد الحركة على تضامنها مع اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى وطنهم، ففي شهر فبراير من عام 2005م شارك الحاخام آرون كوهين ممثلًا عن الحركة في مؤتمر حق العودة للشعب الفلسطيني والذي أقيم في بيروت، وقد وضع أعضاء الوفد شارات على صدورهم كتب عليها باللغة العربية " أنا يهودي ولست صهيونيًا".

يقول الحاخام موشيه هيرش زعيم الحركة: " يجب أن نعلم أنه بطرد إخواننا الفلسطينيين ارتكبت جريمة نكراء بحق الشعب الفلسطيني، وهي جريمة لا يوجد لها مثيل في العالم".

وقد شارك أربعة أعضاء من حركة ناطوري كارتا في قافلة تحيا فلسطين الثانية في منتصف عام 2009م، كما أعلنت الحركة عام 2010م في بيان لها عن إدانتها الشديدة لهجوم القوات الإسرائيلية الإجرامي على سفينة مرمرة الزرقاء، التي كانت تهدف لفك الحصار عن غزة.

وتقيم الحركة علاقات جيدة مع الداخل الفلسطيني، ففي يناير 2016م، وعلى سبيل المثال، زار وفد من الحركة خيمة مناهضة حظر الحركة الإسلامية في إسرائيل تضامنًا مع الحركة الإسلامية في مواجهة قرار حظرها من قِبل الكيان الصهيوني، وقدّم الوفد للشيخ رائد صلاح زعيم الحركة كُتبًا ومنشورات تثبت التناقض التام بين مبادئ الديانة اليهودية والمشروع الصهيوني.

وحين تفجرت قضية الطفلة الفلسطينية عهد التميمي، المعتقلة في السجون الإسرائيلية في عام 2018م زار أعضاء من الحركة عائلتها وكان الوفد يرفع الأعلام الفلسطينية، وأعربوا عن دعمهم لنضال الأسرة، وقال الحاخام مئير هيرش زعيم الحركة الحالي:"لقد جئنا للتعبير عن تضامننا مع ما حدث للأسرة، والوقوف ضد الاحتلال وضد القمع المستمر للفلسطينيين، ليس ضد هذا الاعتقال فحسب بل ضد سلوك الكيان الصهيوني برمته".

وترفض الحركة الادعاءات الإسرائيلية بأحقية الكيان الصهيوني في منطقة المسجد الأقصى ومحيطه، ففي نوفمبر من العام 2018م تظاهر أعضاء الحركة أمام مقر اليونسكو في نيويورك دعماً لقرار اعتبار المسجد الأقصى تراثا إسلاميا خالصاً وتأكيده على عدم وجود علاقة لليهود بالحرم القدسي الشريف ومن ثم فلا حق لهم فيه.

كما أصدرت الحركة في نهاية عام 2018م بيانًا شاملًا تناقلته وسائل الإعلام العالمية أعربت فيه عن تأييدها قرار مجلس الأمن بإدانة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة مؤكدة أن ذلك خطوة جيدة نحو إقامة دولة فلسطينية حرة وإنهاء الاحتلال الصهيوني، وأن سفك الدماء لم تعرفه فلسطين إلا بعد قيام دولة إسرائيل العلمانية، وأن اليهود عاشوا في سلام مع إخوانهم المسلمين خلال فترة الحكم الإسلامي، وفي نهاية البيان تمنت الحركة أن يسود السلام العالم.

وفيما يتعلق بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر من العام 2017م بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فقد أدانت ناطوري كارتا القرار بل وهدد أعضاؤها بأنهم يمكن أن يغادروا إسرائيل احتجاجاً على هذا القرار ورفضًا له، وكان الحاخام موشيه هيرش قد صرَّح بأن: " القدس تلك المدينة المقدسة يجب أن تكون عاصمة للشعب الفلسطيني وتحت سلطتهم الكاملة".

ومن ثم شارك وفد من الحركة برئاسة الحاخام مئير هيرش زعيم الحركة في مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس الذي انعقد بالقاهرة في يناير من العام 2018م بمشاركة ممثلين من 86 دولة من مختلف قارات العالم وذلك رداً على قرار ترامب، وقد ألقى الحاخام كلمة أدان فيها الكيان الصهيوني، وأكد على أن القدس للفلسطينيين وحدهم، ودعا دول العالم لإنهاء الاحتلال بأسرع وقت، وجاء فيه: " أوقفوا حملة إبادة الشعب الضعيف والقمع الوحشي الذي تنتهجه القوات الصهيونية الإجرامية ضد الفلسطينيين، كفى سفكاً رهيبًا للدماء، كفى قتلاً للشعب، كفى احتلالاً لفلسطين".

وترى الحركة أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية هو ما يدفع القرار السياسي الأمريكي نحو مساندة مطلقة لإسرائيل وممارساتها الإجرامية ضد الفلسطينيين، لذا فالحركة لا تكف عن فضح أنشطة هذا اللوبي، ففي مارس من العام 2018م تحدثت الصحف الإسرائيلية عن تظاهرات الحركة ضد المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) في واشنطن، وهي أقوى منظمة عالمية مساندة للصهيونية وإسرائيل، وقد نددت حركة ناطوري كارتا في تلك المظاهرات بهذا المؤتمر داعية إلى تفكيك الكيان الصهيوني وإزالته من الوجود من أجل إقرار السلام في المنطقة.

والجدير بالذكر أن الحاخام موشيه هيرش زعيم الحركة السابق والذي توفي عام 2010م كان يعمل مستشارًا لرئيس السلطة الفلسطينية للشئون اليهودية، وتذكر العديد من المصادر أنه كان من أكثر الزوار ترددًا على الرئيس ياسر عرفات في مقره بالضفة الغربية، وعقب وفاة الرئيس عرفات أعرب الحاخام عن حزنه الشديد لذلك وقال: " إنني أصلى لروح عرفات لأنه كرس كل حياته لخدمة شعبه... لقد كان قائدًا عظيمًا فرق دائمًا بين اليهودية والصهيونية.... ذلك القائد العظيم الذي ربطتني به صداقة وثيقة امتدت لحوالي ثلاثين عامًا".

وفي التحليل الأخير تُعد حركة ناطوري كارتا بمثابة النموذج اليهودي الغير قابل للتحقق في ظل تعقد المعطيات الحالية داخليًا وخارجيًا، إذ تقدم قراءة ذات حمولة إنسانية عالية للدين اليهودي وهي قراءة مضادة تمامًا للقراءة الصهيونية لهذا الدين والتي حولته لأيديولوجية سياسية تسوغ القتل والعنف وإبادة الشعوب والاستيلاء على مقدراتهم، وكما يذهب المسيري، فقد احتشدت ناطوري كارتا وراء قناعة مفادها أن الصهاينة هم الأعداء الحقيقيون لليهود وأنهم أضروا ضررًا بالغًا باليهودية وحولوها من ديانة سلام لحركة قومية استعمارية، ويؤكدون أن العقيدة اليهودية تدعو اليهودي لتجنب الحرب والقتال بشتى الطرق، فالنبي إرميا، وعلى سبيل المثال، كان يدعو اليهود لعدم اللهاث وراء السلطة السياسية مخافة إراقة الدماء.

لقد تعلمنا من حركة ناطوري كارتا أنه يجب ألا نخسر معركة المصطلحات، فهي ليست إسرائيل وإنما الكيان الصهيوني، وهم ليسوا يهوداً بل صهاينة، كما أنها ليست أرض إسرائيل بل فلسطين المحتلة، وليس عيد الاستقلال بل يوم النكبة، وليس جيش الدفاع بل جيش الاحتلال وهكذا.

كما رأينا كيف وأن رغبة الحركة في إنهاء الاحتلال الصهيوني والقضاء على تلك الدولة لا تنطلق فقط من الإيمان بالحقوق العربية، بل وبالأساس من منطلق ديني عقائدي، فالمسيح المُخلِّص بحسب معتقدهم لن يأتي إلا بعد تفكيك هذا الكيان الغاصب، فوجوده وفقاً لقناعاتهم الدينية هو أمر من شأنه أن يحول دون انطلاق عصر الخلاص.

تلك القناعات التي تدور في مجملها حول عدم الاعتراف بدولة إسرائيل، فقد قامت وفقاً لأدبياتهم على مخالفة صريحة للدين اليهودي، بل كان يتحتم القبول بحياة الشتات باعتباره أمر إلهي، وأن الديانة اليهودية في عمقها وجوهرها ديانة تسامح وسلام جاءت لخير البشرية مثلها مثل سائر الأديان السماوية.

وعليه تظل قيمة هذه الحركة، حركة ناطوري كارتا، في مقدرتها على تقويض الأطروحات الصهيونية من الداخل، عبر تقديم قراءة مغايرة للقراءة الصهيونية للدين اليهودي، قراءة تتأسس على قيم الأديان العليا القائمة على المحبة والتسامح وقبول الآخر وتساوي بني الإنسان أمام إله متعالٍ.







اخر الافلام

.. ترامب يهدد صناع السيارات في أوروبا..


.. مرآة الصحافة 24/06/2018


.. نشرة الإشارة الأولى 2018/6/24




.. ميليشيات الحوثي تتكبد خسائر فادحة في الحديدة


.. إثيوبيا تعتقل مسؤولا أمنيا على خلفية تفجير السبت