الحوار المتمدن - موبايل



عن التَّفاهةِ

سامي عبد العال

2018 / 6 / 10
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


هل التفاهة مفهوم، وإذا كانت كذلك فما هي حدودها ؟ هل هي صورة أم نظام في العيش يميز أُناساً دون سواهم ؟ لماذا يجد ما هو تافه رواجاً ضمن بعض المجتمعات الإنسانية ؟ هل ثمة شعوب جادةٌ وصارمةٌ بينما توجد شعوب أقل من ذلك ؟ وهل يصح أصلاً وصف كيان جمعي بصفةٍ عامةٍ لا قوام لها ولا معايير؟ هل تنسحب التفاهة على أشخاص كنتاج إنساني أم على بعض الأفعال والأمور والأحداث والوقائع إجمالاً ؟ هل تأتي عرضاً أم سمةً جوهريةً لها طابع الفعل الإنساني ذاته ؟

الأسئلة تستحق قلقاً فلسفياً من نوع خاصٍ، تظهر على أثره أبعادُ الحياة ودلالاتها لدى الكائنات الإنسانية. يطلق الروائي الأسباني كارلوس زافون Carlos Zafón تحذيراً أشبه بصوت النفير لدى القبائل البدائية تجاه عدو ما آت من وراء غبار: " لن يفنى العالم بسبب قنبلة نووية كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة التي ستحول العالم إلى طرفة سخيفة ".

التفاهة بهذه الوضع لا تحتاج إلى مثيرٍ حتى تخرج ما في جوفها، عليك أن تقف في مجرى الحياة متأرجحة ضمن ما هو عارض وجوهري على السواء. فالأحداث والأفكار والمعاني والأفعال وردود الأفعال التافهة تثيرها تفاصيل حقيقية دون حصرٍ من أصغرها إلى أكبرها، فقد تمثل أشياءٌ كهذه حالة قمع سياسي متلون بطابع الدين والعكس أنْ يحدد الطابع الديني مظاهر سياسية من هذا القبيل. كأغلب إن لم يكن جُل الأنظمة السياسية المتخلفة التي مازالت ترسم هذه الوضعيات من السخرية والمفارقة.

وقد تكون التفاهة إفرازاً اجتماعياً( سياسياً ) لذهنيات خفيفة الوزن تتواءم مع الظروف والأحوال السائدة، وتحرص كل الحرص على تفريخ مضمونها عبر صور متواترة. مثلما يحدث خلال الأعياد والمناسبات الدينية المسيَّسة كشهر الصيام لدى المسلمين حين يكرس أنشطة وشخصيات وبرامج إعلامية وسياسية وفنية ونصوصاً ساذجة حتى الثمالة. وحين أصبحت مناسبة بهذا الوزن عنواناً لطباق من التفاهات المتراكمة والغثة طوال سنوات لا تفلت العقل دون تدميره. حيث تحرص الدولة العربية- وهي تعرف نفسها جيداً– على إدارتها لخلق وعي زائف بالقضايا الأساسية لدى الشعوب.

فلئن كانت سياساتها مرفوضة، فإنَّها تدير المشاهد لإذابة تجلط الكتل الشعبية المحتقنة، وأول ما ينبغي إزالته هو الوعي والفهم. كانت التفاهة مبدئياً أحد أساليب الإلهاء والترفيه الساخر، بينما تلك الدول تجهل أنَّ ذلك – كما نوضح لاحقاً – سيخلق أجيالاً على ذات المستوى، وهو ما يعني أن الدولة تفرز التفاهة داخلياً كسلعة مخدرة لمن يتعاطاها، لكنها في وقت الأزمات لن تجد إلا شعباً مغيباً فارغاً من الرؤى الإبداعية.

يجب الإشارة أنَّ الفلسفة تجدِّد صلاحية أيِّ موضوع ولو كان تافها، فما بالنا بـ" التفاهة" ذاتها. فربما توجد هناك جوانب ميتافيزيقية بهذا المعنى أو ذاك وربما تمثل نمطاً من الحياة يصلح للشغل الفلسفي العميق. والفلسفة لا تكف عن التأمل أمام أية ظاهرة باحثة خلف جذورها البعيدة كحدود قصوى لما هو قريب. وأتصور أن التفاهة ترمى( بهذه الدلالة الحسية ) في طريق التفلسف. و فعل الرمي كالسهام المنطلقة ليس مجهولاً ولكن لكون الحياة والموت والعيش والماوراء موضوعات جادة، فإنها تظهر تفاصيل أخرى قد تأتي عرضاً.

الفلسفة تعري أية أفعال أمام نفسها في شخص الإنسانية، أي تبحث عما هو إنساني كلي بالنسبة لأبسط الأمور، تطرح ما هو كوني خارج الأمور الشخصية. وتبرز مضامينها الماضية والمستقبلية دون انحياز، إنَّ الفلسفة فاعلية انكشاف بالدرجة الأولى ولا ينبغي أن يطلب منها أنْ تحدد قيماً أو تضرب موعداً مع أيِّ قدر لاهوتي أو سياسي أو اجتماعي، لكنها معنيةٌ بشق الدروب الخطيرة وحفرها، التي تفتح آفاقاً مختلفة للفكر البشري. الفلسفة تقنية لتوسيعها وصقلها، حتى ولو كانت مجهولة المنبع والمسار والعمل. المهم أنْ تحمل قوامها وتمخر عباب الخطر طالما لديها القدرة على تكوين أفكار ما، وتمتد الأفكار إلى الأبنية التي تتشكل عبرها.

كلمة التفاهة: مصدر تَفِه، وهي نقص الأصالة والإبداع أو القيمة، وهي في بعض منها الحقارة، الدناءة، ويقال فلان يشتغل بتوافه الأمور، أي يعمل بما لا أهمية له ولا قيمة عالية بين الناس. وهذا من شأنه أنْ يُلحِق به أوصافاً لا أخلاقية أينما ذهب. فما بالنا إذا غلبت تلك السمة على أجواء سياسية اجتماعية ضمن مساحة ليست بالقليلة.

عندما أعلن نيتشه موت الإله كأنَّه ينبهنا إلى حلول التفاهة والعدم الآخذين في الانتشار حيث خداع القيم وانهيار الحضارة وتفكك السرديات، وهو ما يعني موت منظومات القيم العاملة على استعباد البشر وامتصاص طاقاتهم المتمردة لصالح كائن أو مثال تحلل في ميتافيزيقاه حتى كاد أن يسقط كالثمار العفنة.

تراهن التفاهة على الأخلاق في اتساع دائرتها، لكونها بالنسبة لعالمنا المعاصر جزءاً حيوياً منه إذ يشمل السياسة والمجتمع والاقتصاد والدين وتنبت في حواشي الأسواق والمؤسسات والظواهر العابرة للثقافات بدرجة تجعلها لصيقةً المنشأ بأخص أفعال الحياة اليومية....

يقول إدوارد جاليانو " نحن نعيش أوج عصر التفاهة بات عقد الزواج أهم من الحب، مراسيم الدفن وطقوسه أهم من الميت، اللباس أهم من الجسد، قدَّاس الأحد أهم من الله..." والأهم أن التفاهة تشي بالتصنيف الواقفة عليه قوةٌ مجهولة كبرت أم صغرت، وبالتالي كونها مؤثرة فيما يحدث إجمالاً. والانحدار المتردد في الخلفية بنبرة إنسانية قد لا يخفي على قارئ.

واضح أنَّ التفاهة تتلقف سلوكاً في طريقه الخطأ، أي هناك شجب أخلاقي يقطن في بنيتها، كأنها مصادفة غير مرغوبة، مع أن هذه المظاهر مشبعة بغرائز الإنسان ورغباته، وتتشبث بسلطة أخرى خفية في المجتمعات. لأن السؤال المهم: ما القوة التي تسبب انحراف الحب في شكل أوراق تحمل أختاماً؟ والانحراف هنا ليس قيمياً لكنه مؤسسي باسم القيم والأخلاق ذاتها.

وهنا يلف الصمت المرعب الأسباب التي تدعو للتفاهة، للتتفيه على المستوى الفعلي العام. كما لو كان الفعل التافه نتيجة غير مقصودة لفاعل جاد، على الأقل بالنسبة لما يجعل سواه تافهاً. هذا طبيعي لأن عمل المجتمع كافة يفرز الأنشطة لا ليضعها في خانات معيارية إنما قد يسهم بإسقاطها في خانة التفاهة. وإذا خطى الإنسان العمومي خطوات تجاه التفاهة، ذهبت هي إليه بالكلية. لأنَّ أسبابها قويةٌ في بنية الثقافة كما أنها ليست سطحية لدرجة الزوال السريع.

من هذه الزاوية تكاد التفاهة تمثل قانوناً في مسارات الثقافة، وتشغل مساحتها من التكوين مع مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية كأفضل ما تكون أعمق الأفعال الإنسانية. فهنالك لا تجري الأمر اعتباطاً حتى وإن كانت بالمصادفة، لا تحدث عشوائياً حتى ولو كانت بالصدفة.

وتاريخياً لا يوجد فاصلُّ بين التفاهة والجدية، بمعنى أنَّ التفاهة لا تقل جدية عما سواها من ممارسات. وربما هي الأبرز في كشف طبيعة المجتمعات وتراكم صورها ورؤاها حول الحياة اليومية والعالم. التفاهة ليست عملاً موصوفاً من الخارج لكنها تستقر لدى ما تثيره من سخرية. فلئن الجدية تكشف قدرة المجتمعات على التطور وتنمية وقدرات فاعليه، فالتفاهة لا تقل عن ذلك. وتبدو هاهنا عملاً يستند إلى جوانب تاريخية بعيدة الجذور. أي لأنَّ هناك رواجاً لبعض الوقائع والأعمال من هذا القبيل وتصبح مقبولةً على نطاق واسع، فالتفاهة هي الظلال التي تلتحم بالأجساد والأفعال الثقافية في مجتمعاتها.

إنَّ الفلسفة حين تولي اهتمامها بالقضية، ترصد فضاء التعبير عن التفاهة دون حجبها تحت مظلة أخلاقية رغم وجود هذا المستوى في تكوينها كما أشرت. والحجب له أسبابه في ظل فلسفات لاهوتية وميتافيزيقية، لكنه لن يكون عائقاً أمام أية ظاهرة مهما يكن تصنيفها. وكمثل جميع الظواهر السلبية تصبح التفاهة من جانب التحليل سائرة وفقاً لآليات أسياسية على صعيد الخطاب والسلوك.

وبحسب مهمة التفلسف كإنتاج للمفاهيم تبعاً لرأي جيل دو لوز، لا تعد التفاهة مفهوماً مثلما نتوقع. لأنها تطرح نفسها على مفترق تناقضات مطلوبة في الواقع المعيش، وهي ما تلحق إساءة الفهم تجاه أشكالها وقضاياها:

• هناك تفاهة نعم، ولكنها ليست ظاهرة التفاهة تافهةً بحد ذاتها من هذا الوضع، أي هي ليست تافهة كصفة لاحقة لما يحدث في الواقع. والتناقض هنا ضروري فلسفياً وهو شرط لأنْ توفر تلك الصفة فرصة للتفكير المسئول عن هذا التناقض وتداعياته على خلفية أية تفاهة حية. فهي مناسبة بالتزامن مع الجدية الصارمة على الأقل تأملاً فيما يجري.

• التفاهة تضعنا حيث المعاني التي تواجه ما يحدث، فلو صادفنا عملاً تافهاً أو رأيناه كما نشاهده إعلامياً، فإنه يستحث لدينا حاسة نقدية من صنف ما. والنقد أبعد من أيِّ تلقٍ سلبي للمشهد. إنه ينطوي على لوم صامت إزاء المتسبب للعمل وكذلك يكون المناخ العام قيد النظر والفهم. والتفاهة تبدو وسيطاً لأشياء أخرى ترسم الصورة.

المثال الأقرب تفريخ الاستبداد في أشكال من التفاهة الإعلامية والدرامية كما نشهدها على الشاشات العربية. حيث التركيز على الكلمات الساقطة وافتعال المواقف والقصص الفارغة من مضامين وخدمة الأنظمة السائدة وغياب القدرات الفنية العالية وانتشار القصص الدرامية المكررة و شيوع أنماط الإسفاف في التناول والمعالجة. فالجوانب الإنسانية العميقة تكاد تختفي نظير التأكيد على السطحي والهزلي. والغريب أنَّ التفاهة تقابل بكل مكافأة ممكنة مثل الأجور الخرافية للفنانين ومقدمي البرامج ومؤلفي المسلسلات. وجميعهم يعلمون أنهم يقدمون شيئاً غثاً ولذلك يختارون الطريق الأسهل للثراء بهذه الفنون الرخيصة بينما مدبري السياسات وأصحابها يستعملون الصور السابقة في تدعيم سلطتهم.

• وإذا كانت التفاهات سلسلة من التكرار، فإنها دعوة لاعتبار نتاجها رؤية عامة. وذلك انطلاقاً من تقرير معاييرها الضمنية، مثل الاستسهال والمساومة وضعف القدرات وقبول الأمر الواقع والأهم انتزاع الابتسام الذي يبطل مفعول أية إرادة للتغيير. مما يخلق أجواءً للابتذال الذي لن يقف عند حدود بعينها بقدر ما يشكل فاعلين آخرين.

• صحيح تنطوي التفاهة على جانب توظيفي في الممارسات العامة، وفي هذا الإطار تصبح تبعات التفاهة في جانب بينما هناك سلطة تجيد استعمالها في جانب آخر. لكن لا ينفي هذا بالتبعية كونَّها ظاهرة إنسانية، فالكائن القادر على صناعتها هو نفسه يقدر على أن يكون تافهاً. الإنسان مثلما يكون سعيداً يهرب إلى التفاهة من تبعات الخلق والحرية الجادة.

• الخطورة تكمن في كون التفاهة تبتلع ممارسات جديدةً يومياً، فبالإمكان أن تستقطب بإفراطها زبائن جُدداً. والفكرة أن الاعتياد عليها يخفي ( أو تخفي هي ) ما سواها، لأنَّها قابلة دوماً للتبرير والتزيد، وتؤلف معاييرها الخاصة على أنها موضوعية وحيادية بخلاف حقيقتها الزائفة. فالتافهون ينهمكون في أعمالهم التافهة كأنهم يؤدون رسالة مقدسة دون التمثيل الخادع بطرق ملتوية. وبذلك تخترع ثقافتها وحيلها ونسقها في الحياة، وهي تربط أصحابها بفئات تتخذها وسيلة للتكسب واحتلال المناصب ومسايرة المناخ العام وخدمة السلطة القائمة.

• لا حدود هناك للتفاهة، أي لا تتوقف عند مجال دون غيره، فهي تكمل بعضها البعض وإنْ اختلفت المجالات. هذا من واقع الحياة التي تشهدها، ولكونها نافذة التأثير في البيئة التي تسمح بها. فأنْ يكون أحدهم تافهاً ليس شرطاً ضرورياً حتى يكون كذلك، بل الشرط هو وجود بنية تفرز هذه النماذج التي تخرج وتتوالد كالفيروسات والبكتيريا في مواقعها.







اخر الافلام

.. كوريا الشمالية توافق على تفكيك السلاح النووي..زكيم بعن عن مف


.. وثائقي #أفول_القاعدة - الجزء الأول


.. بالأرقام.. انتهاكات وجرائم -مروعة- للحوثيين بحق مدنيي اليمن




.. إدلب.. ثغرات الاتفاق ورفض الفصائل


.. العراق.. عثرات السياسة ومنصب الرئيس