الحوار المتمدن - موبايل



شيء عن يوسف مراد

مهدي شاكر العبيدي

2018 / 6 / 12
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أذكر أنـي في صيف عام 1950م ، قرأتُ كتابا ً من سلسلة (إقرأ) الصادرة عن دار المعارف بمصر بعنوان (شفاء النفس) كـُتِبَ بأسلوبٍ واضح وبيان رشيق ، رغم أنـه يعالج موضوعات من قبيل التعاطف والإيحاء وغيرها ، والطريف أو الغريب أنـي في شتاء ذلك العام كنتُ استمع إلى محاضرات يلقيها علينا الأستاذ صالح الشماع قبل أنْ يوالي تحصيله وينتظم في عداد الأكاديميينَ ، تتناول هذه الأنحاء والجوانب وبنفس المسميات مما حملني على الظن أو الاعتقاد وقتها أن كتاب (شفاء النفس) للدكتور يوسف مراد هو من مراجع المحاضر إذا جاز لي القطع برأي حول مناهج البحث التي يتبعها المؤلفون ويحتذونها ، وأنا في تلك المرحلة من العمر حيث السذاجة والغرارة هي الأغلب على كل ما نبتُّ به من المسلمات والأنظار لاسِيما أن الدكتور الشماع كانَ يملي محاضراته إملاء على أسماع الطلبة في دار المعلمين الابتدائية في الأعظمية ، وهم بدورهم يكتبون بين راغب متحمس لهذا الضرب من العلم - علم النفس - وآخر ضجر نافر مكره على الكتابة وبالتالي الحفظ .

وفي غمار عام 1957م ، صدرَتْ مجلة بمصر باسم (حياتك) يرأس تحريرها الدكتور يوسف مراد ويوالي نشر مقالاته وأبحاثه فيها كـُتـاب مختصونَ بعلم النفس وموجهونَ في مجال التربية ، وفي طليعتهم الأستاذ زكي المهندس عضو المجمع اللغوي ، وأنقل بتحفظٍ ما يشاع عنه من أنـه والد الفنان فؤاد المهندس.

وكانت مجلة (حياتك) تضاهي في رسالتها الهادفة إلى تنشئة جيل الشباب في الوطن العربي تنشئة صحيحة خالية من العقد ، مجبولة على الصراحة ، مبرأة من الإحساس بالإثم ، ما كانتْ تؤديه مجلة (طبيبك) الصادرة في لبنان ، ومجلة (العيادة الشعبية) التي يحررها في بغداد الدكتور إسماعيل ناجي ، مستعينا ً بمعاونة الأدباء المعروفينَ كالأستاذ الراحل عبد المجيد لطفي ، لكنـي أرجح أن مجلة (الدكتور) المصرية أضرتْ بصحة كثير من القراء الذين يتداولونها ، فما أسرع ما تساور الشُّكوك والهواجس نفوسهم ، ويتوهمونَ ابتلاءهم بمرض ما ، بمجرد اطلاعهم وإلمامهم ببعض الأعراض والحالات المرضية (1).

وفي خريفِ عام 1963م ، قرأتُ مقالة ضافية للدكتور يوسف مراد منشورة في مجلة (المجلة) المصرية عن الفنان ديلاكرو ، وتأملت في اللوحات المطبوعة في المجلة مرفقة بالمقالة ، وفقهْتُ معنى أنْ يهتم عالم نفسي كبير بتقصي سير الفنانينَ والتجارب التي عايشوها .

وفي نهاية شهر أيلول عام 1967م ، نشرَتْ مجلة (المصور) المصرية خبر نعي يوسف مراد خلال مقالة ممتازة بقلم محمود أمين العالم ، أجمل فيها كونه رائد منهج في علم النفس اسماه المنهج التكاملي ، له مريدون من المختصين بالفلسفة وعلم النفس ، أمثال: بديع الكسم الأستاذ في جامعة دمشق ، وإنـه استـُهدِفَ في أخريات حياته للظلم والإجحاف والكنود من قبل تلامذته ، إذ اتهموه بتزوير الدرجات الامتحانية ، فجنحَ إلى العزلة والانطواء ، وقطع أوقاته المتبقية بمزاولة هوايته المحببة الرسم ، فكانَ فنانا ً هاويا ً ومتذوقا ً ، وإنـه لمْ يحملْ في دخيلته حقدا ً ولا شنأ ً على أحد ، وآخر عبارة نطق بها قبل أنْ يفارقَ ذويه موصيا ً ابنته أنْ تخبرَ المسيئينَ والمفترينَ : "قولي لهم إنـني أحبُّهم جميعا ً" (2).

وهذه العبارة هي خلاصة حياة الدكتور يوسف مراد ، الأديب العالم والفنان ، خرج من الدنيا مخلفا ً ذكرا ً حسنا ً ، وشهرة محدودة في الوسط الأدبي ، وعريضة بالنسبة للمشتغلينَ بعلم النفس ، أحرى أنْ يعتبرها الأدباء الناشئونَ ممنْ يسخرهم الأدباء العجزة الفاشلون ويتوهمون كونهم كبارا ً ، للافتئات والتجريح والتشهير بنتاجات يعييهم أنْ يباروا أصحابها ويقابلوهم مقابلة الند للند.

(1) كتبت حينها مقالةَ نشرتها جريدة البلاد لصاحبها روفائيل بطي ، في التحذير من تداولها و تفرس موضوعاتها ، و لعلي كنت وقتها على خطلٍ و ضلال و شيءٍ من التسرع.
(2) بعد قرابة خمسين عاماً من تقطع أسبابي بأستاذي صالح الشماع ، صرت ألتقيه أخريات القرن الفائت و من آن لآن في مقر جريدة القادسية أو عند مكتبة نعيم الشطري في شارع المتنبي أو باص مصلحة نقل الركاب ، فأفدت منه أن أستاذه يوسف مراد حاقت به (فتنة) ثانيةً أضرت بسمعته ، فانطوى على ذاته معانياً الكمد و الحسرة ، و أمسك عن التصريح بها محمود أمين العالم في نعيه له ، و الذي كان هو الآخر من أوداء الشماع نفسه و خلصائه ، على فرط اختلاف و تباين في وجهات النظر لما يستجد من تحولات و شؤون و شجون على مسرح الحياة العامة.







اخر الافلام

.. 1000 مفقود جراء حرائق الغابات في كاليفورنيا


.. 1000 مفقود جراء حرائق الغابات في كاليفورنيا


.. رئيس أمازون: شركتنا ستعلن إفلاسها يوما ما




.. بيع اكثر من 700 ألف نسخة من مذكرات ميشيل أوباما


.. في بابوا غينيا الجديدة.. إدمان مضغ جوز التنبول